الرحلة الورثيلانية

 الموسومة بنزهة الأنظار

 في فضل علم التاريخ والأخبار

 

الحسين بن محمد الورثيلاني

المجلد الثاني





دخولنا مكة المشرفة

زادها الله تشريفا وتعظيما وتكريما

فدخلنا مكة فلم تغادر في النفس ترحة ، وأزالت عن الجفون كل فرحة ، فدخلناها في زحمة عظيمة كادت النفوس أن تزهق غير أن سرورها بالوصول إليها خفف بعض الألم بل قد زال التعب والنصب كأن النفوس في وليمة عظيمة لا يعلمها وما فيها من الفرح إلا من منحه الله بل الأرواح قد تجلى عليها ربها فخرت صعقة مغشية عليها فغيبها عن الأكوان كلها بمشاهدة مكونها ومن جملة من غابت عنه هذا الغيب فلم تكترث بما أصابها من الهم والمشقة فلما هب نسيم جوار الحبيب عليها أيقظها وأشهدها رسوم مكان الوصال ، ودلائل الحضرة وسواطع الانتقال ، فعلمت بيت الرب ، وتعلق به الجبح واللب ، سدل كل حبيبت سوى هذا الحبيب وراءه ، فأقام كاس الجوار وأداره (1) ، وصار شذاؤها انتظاره ، فهبطنا منحدرين إلى أن وصلنا قرب البيت فدخلنا المسجد من باب بني شيبة ، فأفاض الله علينا من جوده كرامة وهيبة (2) ، فظفرنا بالأمن والأمان والسلام من باب السلام.

ثم أقول كما قال شيخنا سيدي أحمد بن ناصر ما نصه فشاهدنا البيت العتيق الذي تزيح أنواره كل ظلام وقد تدلت أستاره ، وأشرقت أنواره ، وقد شمر البرقع عن أسافله ، حتى لا يكاد الطائف يناله بأنامله ، يفعلون به ذلك من أول تقدم الوفود ، ولا يطلقون أستاره حتى تعود.

قال الإمام أبو سالم وقد قلت في هذا المعنى ، وأبديت فيه تشبيها غريب المبنى :

__________________

(1) في نسخة وقضى كل حبيب أوطاره وأقام كأس المحبة وأداره.

(2) في نسختين بإسقاط كرامة وهيبة وفي أخرى من جوده وفضله وكماله.


 

فكأنه لما بدا متشمرا
 

 

والطائفون به جميعا أحدقوا
 

ملك همام ناهض للقاء من
 

 

قد زاره وله إليه تشوق
 

فتبادر الغلمان رفع ذيوله
 

 

حتى إذا رجعوا أطلقوا
 

قال ومن رأى أكابر الملوك عند قيامهم ، وتشمير الغلمان لفاضل الذيول عن يمينهم وشمالهم ، علم غرابة هذا التشبيه وحسن موقعه ، وأنه واقع في موضعه ، وعلم ما بينه وبين من شبهه بهند وليلى ، وانه لم يجد وصفا ولم يحسن قولا ، فلما وقعت عليه أبصارنا ، وافتضح ما أكنت من الشوق إليه أسرارنا ، قطعنا التلبية لما رأيناه ، وقلنا من الدعاء ما رويناه ، وتجلت لنا الكعبة الشريفة ، ورأينا جماعة الناس بها مطيفة ، فيا لذلك المنظر الذي ملأ القلوب مهابة ، والعيون جلالة تسكن لها الرياح الهابة ، ولما تطوفنا من الجرد قبل ما تطوفنا به عقدا نظيما ، رفعنا أيدينا وقلنا اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ، بعد أن بسملنا وسلمنا وصلينا وهللنا وطبنا ، وللحجر الأسعد يممنا ، ولم نقدم على تقبيله شيئا ، ولا التحفنا من ظلال غيره فيئا ، وقبلنا يمين الله في أرضه ، والشاهد لمن قبله في يوم عرضه.

إلى سيد الأحجار في الحرم الذي
 

 

قضى الخالق الباري بتعظيم شأنه
 

حثثنا مطايا الشوق والسوق في الفلا
 

 

فجاءت بنا إنسان عين زمانه
 

وطفنا بالبيت سبع طوفات ، للقدوم نوينا هذه الحركات ، فأتممناه ولم نبال بما لنا في تقبيل الأحجار من الازدحام ، والمورد العذب كثير ازدحام ، وبعده أوقعنا ركعتين خلف المقام ، وعدنا للبيت فوقفنا بالملتزم ، وشربنا من ماء زمزم ، ودعونا في ذلك كله بالأدعية المأثورة ، ونظم كلماتها المنثورة ، فعاودنا بالحجر بالاستلام ، ناوين سنة السعي كما ورد عنه عليه الصلاة والسلام ، فخرجنا لقضاء شعيرة السعي من باب الصفا ، كما روي عن معدن الصفا ، وبدأنا بما الله به بدا ، فارتقينا على الصفا ، ووقفنا ،


وللكعبة الشريفة استقبلنا ، فهللنا وكبرنا ، فوشينا الصحف بالدعوات المأثورة إلى أن قال وسعينا بين الميلين الأخضرين سعيا رفيقا سديدا (1) انتهى.

ثم اعلم أننا خيمنا بوادي سيدي أبي طالب والمسجد الحرام وذلك الوادي تحت أبي قبيس فذهبنا كما سبق إلى المسجد فدخلنا من الباب المذكور ، وقلنا الدعاء المأثور ، عند رؤية الكعبة حسبما ذكره شيخنا آنفا فلما دخلنا المسجد بالذكر الوارد فيه قصدنا المطاف لطواف القدوم فبدأنا بتقبيل الحجر مع الزحمة العظيمة من الرجال والنساء فاكتفى الكثير منا بالتكبير ومعي جماعة كثيرة تكاد أن لا تحصى أطوف بهم علمتهم كيفية الطواف ومن الحجر البدء إلى السبعة الأشواط وكان البدء من الحجر الأسود غير أن من قبله أمرته بالبدء من مكان يحاذيه ولا يتم الشوط إلا من ذلك المكان الذي به البدء وكذا أمر المقبل للحجر الأسود للرجوع إليه إذ ربما رجع منه مقهقرا فينقض له الشوط حسبما يفعله الجهال فطفت بهم طوافا كاملا بشروطه وانتفاء موانعه مع الدعاء الوارد فيه أعلمهم إياه ولما رأى أهل مكة فعلي ذلك تغيروا وقالوا ألم تعلم أن أهل مكة لا ينتظرون إلا هذا الموسم فقالوا طف لنفسك واترك الناس فقلت أنا أطوف بهم وأعلمهم وانتم خذوا الأجرة منهم فلما كملنا الأشواط السبعة صلينا ركعتين خلف المقام وبعد الفراغ منهما أقمنا بالملتزم لأن الدعاء به مستجاب بعد أن شربنا من ماء زمزم وسألنا الله فيه ما شاء الله ثم مشينا للحجر قمنا من قبله ومنا من كبر عنده لكثرة الزحمة فذهبنا للسعي في حر عظيم وأزدحام قوي فبدأنا بالصفا وصعدنا درجها إلى أن رأينا لكعبة كما هو السنة فدعونا الله بالدعاء الوارد فيها فمررنا كذلك إلى المروة ثم كذلك إلى تمام السبعة فلم نكمل السعي حتى اشتد علي الحال فظننت عدم التمام فكملته راجلا بمنة الله والفضل من السلام لأن محل

__________________

(1) في نسخة المأثورة وسعينا سعيا مشكورا.


السعي محل شوق عظيم وازدحام عميم.

وأقول كما قال شيخنا ما نصه ولو أيقظ الله الأمراء لمنعوا الناس من التسوق فيه أيام الموسم لكان في ذلك نفع كثير وأجر كبير فلما قضينا الوطر من العسي نزلنا بذلك الوادي ثم أننا أكترينا دارا مع أصحابنا معلومة طريقها والله أعلم من المروة غير أن أهلي ما دخلوها إلا بعد الرجوع من عرفة ونحن بتنا في ذلك الوادي أي أهلي وأصحابي وأما أنا فقد بت في الحرم والله أعلم وبعد ذلك اليوم هو يوم الذهاب فيه لمنى ثم إلى عرفة ثم إلى مزدلفة في الرجوع.

نعم حين نزلنا مبكة طفنا نهارا أي الرجال وأما أهلي النساء وكذا نساء من يحجب من الركب أي المخدرات طفن طواف القدوم ليلا فبعد ذلك اليوم عند صلاة العصر ارتحلنا إلى منى اليوم الثامن من ذي الحجة فانفصلنا عن مكة في ازدحام عظيم من كثرة الأركاب.

وفي ذلك اليوم قتل لي جملا طيبا قل نظيره سيدي محمد ابن سيدي خروف تلميذي فنزلنا بمنى قرب مسجد علي أي استندنا لحائطه من جهة اليمين بينه وبين الجبل الذي فوقه وهذا المسجد الدعاء فيه مقبول مستجاب وورد فيه فضل عظيم ، وثواب جسيم ، والصلاة فيه كذلك فصلينا فيه المغرب والعشاء وإن بعض الأركاب من المصري والشامي والعراقي والمغربي لم يرحل إلى نصف الليل أو الثلث الأول ثم ارتحلوا إلى عرفة فترك الكل الفضيلة وهو النزول هناك إلى شروق الشمس على ذلك الجبل فلما تحرك الكل إلى الرحلة وقع الكلام في ركبنا بالرحلة ليلا فتشاورنا على المبيت ثم مرة أخرى تحركوا ظنا منهم أن من رحل ليلا ليدرك المبيت في عرفة لأنها ليلة شكثم أن الجميع ارتحل فارتحلنا. فلما خرجنا من مزدلفة ووصلنا بينها وبين عرفة طلع الفجر أي بين العلمين فوجدنا أكثر الأركاب هناك نائمين أو الكل والله


اعلم وبطل ظننا الذي أنهم ارتحلوا ليدركوا الوقوف ليلا في عرفة فوصلنا ضحى مسجد نمرة الذي ينبغي الجمع بين الظهرين فيه بالقصر ولو لأهل مكة أي لغير أهله فنزلنا ثم كذلك إلى قرب الزوال فاغتسلنا أيضا الوقوف بين ذلك المسجد ومسجد عرفة فامتلأ المسجد ناسا وكذا مراحه واشتد فيه الحر بحيث لا يقدر أحد أن يضع رجله على الأرض عند الضحى وورد علي رجل ضرير فقيه عظيم يحفظ أكثر الشراح وهو مالكي من جزيرة العرب أعني البحرين فلما سألته عن أكثر أهلها فقال مالكيون نعم مسائل الفقه كلها أوجلها على طرف لسانه ليس يبغي إلا رضاء الله تعالى فجدير على أنه من أهل الفضل والكمال ووعدني بالملاقاة بالمسجد الحرام ثانيا فلما حان وقت الظهر صلينا في زحمة عظيمة يكاد الإنسان أن يموت من شدة الحر وأن العرق علينا يسيل فلا تجد أحدا إلا كاد أن تزهق روحه فصلينا خلف واحد من الأئمة ونوينا القصر وصلى هو بالإتمام من علم منا لما فرغ أعاد جميع أهل بلدنا وهو أننا نوينا القصر ونوى هو الإتمام فلما اختلفنا في النية بطلت صلاتنا ثم أعدناها جماعة جمعا وقصرا ثم حثثنا مطايانا للوقوف بعرفة إلخ.

فلنرجع إلى ما ذكره شيخنا ونصه والله اعلم بما نال وفد الله من الطرب والفرح ، ونسيان العناء والترح ، لما عاينوا تلك المشاهد ، وشاهدوا تلك المراسم والمعاهد ، فلا ترى إلا ضاجا بالذكر ، وصارخا بالدعاء بالسر والجهر ، كما قال قائلهم ولله دره :

وما زال وفد الله يقصد (1) مكة
 

 

إلى أن بدا البيت العتيق وركناه
 

فضجت وفود الله بالذكر والدعا
 

 

وكبّرت الحجاج حين رأيناه
 

وقد كادت الأرواح تزهق فرحة
 

 

لما نحن من عظم السرور شهدناه
 

تصاحفه الأملاك من كان راكبا
 

 

وتعتنق الماشي إذا تتلقاه
 

__________________

(1) في الرحلة الناصرية يطلب.


 

وطفنا به سبعا رملنا ثلاثة
 

 

وأربعة مشيا كما قد وعدناه
 

كذلك طاف الهاشمي محمد
 

 

طواف قدوم مثل ما طاف طفناه
 

وسالت دموع من مآقي (1) جفوننا
 

 

على ما مضى من أثم ذنب كسبناه
 

ونحن ضيوف الله جئنا لبيته
 

 

نريد القرى نبغي من الله حسناه
 

ينادي (2) بنا أهلا ضيوفي تباشروا
 

 

وقروا عيونا بالحجيج أضفناه
 

غدا تنظرون في جنان خلودكم
 

 

وذاك قراكم مع نعيم ذخرناه
 

فأي قرى يعلو قرانا لضيفنا
 

 

وأي ثواب فوق ما قد أثبناه
 

وأبدانكم قد طهرت من ذنوبكم
 

 

وما كان من رين القلوب غسلناه
 

وكل مسيء قد أقلنا عثاره
 

 

ولا وزر إلا عنكم قد وضعناه
 

ولا نصب إلا وعندي جزاؤه
 

 

وكل الذي انفقتموه حسبناه
 

سأعطيكم أضعاف أضعاف ضعفه
 

 

فطيبوا نفوسا فضلنا قد أفضناه
 

رفعت لكم ما لم تر العين مثله
 

 

ولا علمت نفس ما قد رفعناه
 

فيا مرحبا بالقادمين لبيتنا
 

 

إليّ حججتم لا لبيت بنيناه
 

علي الجزآ مني المثوبة والرضى
 

 

ثوابكم يوم الجزآ نتولاه
 

وجاهي وأجلالي وعزي ورفعتي
 

 

وجودي ومن قد أمّنا ما رددناه
 

فطيبوا وسروا وأفرحوا وتباشروا
 

 

وتيهوا وهيموا بابنا قد فتحناه
 

ولا ذنب إلا قد غفرناه عنكم
 

 

وما كان من عيب عليكم سترناه
 

فهذا الذي نلناه يوم قدومنا
 

 

وأول ضيق للصدور شرحناه
 

ولما كان اليوم الثامن هو يوم التروية وزالت الشمس طفنا فخرجنا لمنى إذ السنة

__________________

(1) كذا في الرحلة الناصرية وفي جميع النسخ عموم.

(2) كذا في جميع النسخ وفي الرحلة الناصرية ونادى.


الخروج وقتئذ بقدر ما يدرك به الظهر كل على قدر حاله فإن المراد بقولهم يدركون بمنى الظهر أي يدركون أواخر الوقت المختار ويكره التراخي عن ذلك إلا لعذر كما يكره التقدم قبل ذلك ومن خاف خروج وقت الظهر قبل أن يصل إلى منى صلاها في الطريق وتردد مالك في قصره وإتمامه واستحسن سند القصر.

تنبيه الطواف يوم التروية ذكره أبو الحسن قال أبو الحسن في مناسكه وإذا كان اليوم الثامن ويسمى يوم التروية طاف سبعا بعد الزوال ثم يتوجه إلى منى ملبيا والسنة أن يخرجوا بقدر ما يدركون بمنى الظهر وكذلك ذكره خليل في مناسكه ونصه ثم إذا كان اليوم الثامن ويسمى يوم التروية فإذا زالت الشمس منه طاف بالبيت سبعا ثم يخرج من مكة إلى منى ملبيا وفي مناسك ابن هلال ابن حبيب وغيره إذا مالت الشمس يوم التروية فطف بالبيت سبعا ثم أركع ثم أخرج إلى منى وكذا في مناسك ابن فرحون.

وإنما ذكرت هذا لأنا لما أردنا الخروج إلى منى وأنكر بعض أن يكون الطواف وقتئذ عن أهل المذهب ولعله اغتر بما حكاه ابن المنير والدماميني وابن حجر عن مالك من أن الحاج لا يتنفل بطواف بعد طواف القدوم حتى يتم حجه فإن ذلك غريب ذكره الخطاب (1) في مناسكه ومررنا بمسجد العقبة ودخلناه وصلينا فيه ودعونا الله تعالى وكان نزولنا بمنى شرقي مسجد الخيف قريبا من بابه الشرقي وصلينا بمسجد الخيف الظهر وكذلك العصر خارج القبة التي التواتر أنها موضع خيمة مولانا علي كرم الله وجهه.

واجتمعت هناك بالشيخ محمد أكرم بن الشيخ عبد الرحمن مفتي الهند وهو

__________________

(1) في رواية الجلاب.


رجل عالم له تآليف على رجال البخاري واختصر البخاري في مجلد خدف الأسانيد والمكرر وهو ضرير كبير السن به مرض ملازم بيته ويوم النحر قدمناه من منى للإفاضة ولما رجعنا إلى منى التقينا محفة وبها رجل كبير مستلقى ولما لحق بنا الأخ الشقيق الصالح سيدي محمد الأخصاصي أخبرني أنه هو وأخبرني ولده الشيخ محمد انه شرح نخبة ابن حجر عشرين كراسة وله تأليف في الرد على الروافض وهو رجل صالح محقق فيما ذكروا وسألناه عن المسافة بيننا وبين الهند فقال أربعون يوما في البحر وأربعة أشهر أو ستة في البر وأن بلده هو السند وبينه وبين الهند ثلاثون يوما انتهى.

ولما صلينا العصر وجلسنا في مناخنا هنيئة إذ أخبرني بعض أصحابنا أن أهل تونس زعموا أنهم رأوا الهلال ليلة الثلاثين والراؤن له سبعة أحدهم من طلبة العلم وسألنا عنهم لنستخبر رؤيتهم فنكون على يقين من أمرهم فوجدناهم ذهبوا مع الذاهبين لعرفة لأن الأركاب كلها ذهبت كما هي للجبل ولم ينزل أحد بمنى سوانا وجماعتنا وهذه السنة عياذا بالله أميتت منذ أزمان.

وقد ذكر ذلك الكثير من المرتحلين كالعبدري وابن رشيد ومن بعدهما وذكروا أن الخوف يمنع من المبيت هناك بعد ذهاب الاركاب وقد من الله علينا بإحياء هذه السنة ولم تفتنا في حدة من الحجات ولله المنة والحمد ولما طرق أسماعنا ما ذكر من الخبر عن التونسيين اجتمع رأينا على الذهاب وقتئذ لعرفات فنستيقن الخبر فرحلنا وقتئذ وبلغنا نمرة وقد غاب الشفق وبتنا بإزائها فإذا بخبر الرائين خبر سجاح ، ثم اضمحل مدارج الرياح ، ولا هدي علينا في ذلك على ما شهر في المذهب ونقل التادلي والجزولي عن ابن العربي انه يلزمه الهدي ولم يحك غيره في سقوط الدم خلافا ومن تورع فليهد ولا حرج عليه فيه ونزل بإزائنا الشيخ عبد القادر بن أبي بكر مفتي


الحنفية وأتاني ضحى مع ولدين صغيرين له وسألته عن البناء القائم الآن بمسجد الخيف ونمرة وأخبر انه بناء قايت باي ولما زالت الشمس أفضنا علينا الماء للإحرام واغتسلنا غسلا خفيفا وتلك سنة هذا الغسل وجمعنا بين الظهرين مع أصحابنا ومن انحاز إلينا من أهل الافاق باذانين وبأقامتين وتقدمنا إلى المنوقف ووقفنا تحت الجبل الذي عليه القبة المنسوبة لآدم عليه السلام والخطيب لم نر له شخصا ولا سمعنا له صوتا وإن لم يكن بالبعد منا لكثرة الازدحام واختلاط الأصوات ، مع اختلاف اللغات ، وتباين الرغبات بأصوات التلبية لاشتراك الكل فيها ولا سبيل لأحد إلى تغييرها ووقفنا على إبلنا وأرحنا بغالنا اغتناما لبركة سنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولم نزل في موضعنا ذلك واقفين مستغفرين مكبرين مهللين داعين إلى أن غربت الشمس تحققنا أنا أخذنا جزءا من الليل فإذا الإمام نفر ونفر الناس ونفرنا معهم في زحمة محفوفة بالألطاف ، مصحوبة من الله بالمواهب والإتحاف ، ولم نر أحدا نفر قبل ذلك في سنتنا هذه وإن كانت الجمالون والأعراب تنفر قبل ذلك في غير هذه السنة والحمد لله على ذلك فانصرفنا بين المأزمين بلا كلفة ولا تعب ولما وصلت إلى الشعب ملت إليه ففعلت كما به فعل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ثم سرنى آمّين المصلى بالمزدلفة فبلغناها بعد مغيب الشفق فجمعنا بين العشاءين ونزلنا فبتنا فيها فتفرق للقط الجمار هناك من أراده من الناس قلو شاهدت يا هذا تلك الحال وما عليه الناس في جبل عرفات ، ووقوفهم بتلك العرصات ، لهالك ذلك المشهد الذي هال أمره ، وعجز عن وصفه زيد البيان وعمره ، إذ ترى الملوك في مقام الافتقار والذلة ، والفقراء في محل الاضطرار والقلة ، والجميع يرغبون في المغفرة من الرحمان ، ويطلبون الرحمة والعفو من العفو الرحيم الحنان المنان :

جاؤا بأحمال أوزار تؤدهم
 

 

منها جبال وحسن الظن وطاها
 

فسأل لما رأى الرحمان ذلتهم
 

 

طوفان عفو وغفران فغطاها
 

 


فكم دموع تدفقت ، وكم ضلوع تحرقت ، وكم نسمات هبت ، وكم سحائب رحمة صبت.

فكم حامدكم ذاكركم مسبح
 

 

وكم مذنب يشكو لمولاه بلواه
 

وكم خاضع كم خاشع متذلل
 

 

وكم سائل مدّت إلى الله كفاه
 

وساوى عزيز في الوقوف ذليلنا
 

 

فكم ثوب ذل في الوقوف لبسانه
 

ورب دعانا ناظر لخضوعنا
 

 

خبير عليه بالذي قد أردناه
 

ولما رأى تلك الدموع التي جرت
 

 

وطول خشوع مع خضوع خضعناه
 

تجلى علينا بالمتاب وبالرضى
 

 

وباهى بنا الأملاك حين وقفناه
 

وقال انظروا شعثا وغبرا نراهم
 

 

اغثنا أجرنا يا إلاها عبدناه
 

وقد هجروا أموالهم وديارهم
 

 

وأولادهم والكل يرفع شكواه
 

إلي فأني ربهم ومليكهم
 

 

لمن يشتكي المملوك إلا لمولاه
 

ألا فاشهدوا أني غفرت ذنوبهم
 

 

ألا فانسخوا ما كان عنهم نسخناه
 

فقد بدلت تلك المساوي محاسنا
 

 

وذلك وعد من لدنا فعلناه
 

فيا صاحبي من مثلنا في مقامنا
 

 

ومن ذا الذي قد نال ما نحن نلناه
 

على عرفات قد وقفنا بموقف
 

 

به الذنب مغفور وفيه محوناه
 

وقد أقبل الباري علينا بوجهه
 

 

وقال ابشروا فالعفو فيكم نشرناه
 

وعنكم سمحنا كل تابعة جرت
 

 

عليكم وأما حقنا قد وهبناه
 

أقلناكم من كل قد جنيتم
 

 

ومن كان ذا عذر إلينا عذرناه
 

فيا من عصى من يا أسالو رأيتنا
 

 

وأوزارنا ترمى ويرحمنا الله
 

وددت بان لو كنت حول رحابنا
 

 

وترجو رحيما كلنا قد رجوناه
 

وقمنا إليه تائبين من الخطا
 

 

وغفراننا من ربنا قد طلبناه
 

 


 

أمرنا بذاك الظن والله حسبنا
 

 

عليه وهذا في الحديث نقلناه
 

عليه اتكلنا واطمأنت قلوبنا
 

 

لما عنده من وسع عفو عرفناه
 

فطوبى لمن ذاك المقام مقامه
 

 

وبشراه في يوم التغابن بشراه
 

يرى موقفا فيه الخزائن فتحت
 

 

ووالى علينا الله منها عطاياه
 

وصالح مهجوار وقربت مبعدا
 

 

فذاك مقام الصلح فيه أقمناه
 

ودارت علينا الكأس بالوصل والرضى
 

 

سقينا شرابا مثله ما سقيناه
 

فإن شئت تسقى ما سقينا على الحما
 

 

فخلّ الونى واحلل محلا حللناه
 

وفيه بسطنا للرحيم اكفنا
 

 

وقال كفيتم عفونا قد بسطناه
 

واعتقنا كلا واهدر ما مضى
 

 

وقال لنا كل العتاب طويناه
 

وإبليس مغموم لكثرة ما يرى
 

 

من العتق محقور ذليل خزيناه
 

على رأسه يحثو التراب مناديا
 

 

بأعوانه ويلاه ذا اليوم ويلاه
 

وأظهر منه حسرة وندامة
 

 

وكل بناء قد بناه هدمناه
 

تركناه يبكي بعد ما كان ضاحكا
 

 

فكم مذنب من كفه قد سلبناه
 

وكم من منى نلنا بيوم وقوفنا
 

 

وكم من أسير للمعاصي فككناه
 

وكم ذا رفعنا للإله مسائلا
 

 

ولا أحدا ممن نحب نسيناه
 

وخصصت الأباء والأهل بالدعا
 

 

وكم صاحب نودي به ودعوناه
 

كذا فعل الحجاج هاتيك عادة
 

 

وما فعل الحجاج نحن تبعناه
 

فظل حجيج الله لليل واقفا
 

 

فقيل انفروا فالكل منكم قبلناه
 

فلما سقط قرص الشمس نفروا
 

 

وكشفوا عن وجوه الاستبشار واسفروا
 

الهنا الهنا
 

 

وعدتنا منك الهنا
 

فإن تجد برحمة
 

 

فكم مضى عنا العنا
 

 


ولما أصبحنا بالمزدلفة ، وصارت القلوب على حصول الرحمة والمغفرة مؤتلفة ، غير مختلفة ، وأسفر الفجر عن وجه الغرض ، وأدينا من صلاة الصبح الحق المفترض ، غلسنا الرحلة ، ونادى منادي النقلة.

أفيضوا وأنتم حامدون إلهكم
 

 

إلى مشعر جاء الكتاب بذكراه
 

وسيروا إليه واذكروا الله عنده
 

 

ذكرنا كما رب العباد هداناه
 

ووقفنا به إلى الأسفار ، وما تركنا من الدعاء وحميد الأذكار ، فسرنا حتى جئنا بطن وادي محسر وهو وادي النار فأسرعنا وحركنا دوابنا وهو أول ما تحاذي البركة الخربة التي على يسارك أن مررت بطريق الأركاب وأنت ذاهب إلى منى حتى تأخذ في الطلوع إلى منى وترتفع بك الأرض وبهذا عرفه أعلم أهل عصره بالمناسك خليل المكي المالكي حسبما نقله عنه البلوي في رحلته إذ سأله عن حده والإسراع فيه مشروع ذهابا وإيابا فمضينا كما نحن على الطريق الكبرى التي تشقّ منى إلى أن أنينا جمرة العقبة حين الطلوع بعيده ورميناها بسبع حصيات من أسفلها مكبرين مع كل حصاة كما كنا راكبين غير راجلين كما هو السنة عن سيد الأولين والآخرين ، عليه أفضل صلاة المصلين ، وأزكة سلام المسلمين ، فعدنا لرحالنا ومناخنا ، ونحرنا هدايانا ، ودعونا لحلاقنا ، أخينا ووديدنا الحاج عبد القادر فحلفنا فسرنا إلى مكة فاتيناها على هيئتنا ، من ثياب إحرامنا ، فطفنا للإفاضة ووجدنا البيت مفتوحا والناس على ظهره يكسونه ولما قضينا فريضة الطواف ، عرض لي وفي المطاف ، الأخ الحاج أبو عزة المراكشي وحث علي في الدخول للبيت فامتنعت تأدبا وتعللت له بالزحمة وقال لا زحمة بداخله وهو فارغ منبسط وما ترى من الزحمة لا يتعدى بابه ولا يتجاوزه الآن وإذا بأمير الحاج المصري إبراهيم أبو شنب واقف بالباب وخاطبه قائلا أن فلانا ذا واقف بالباب يبتغي الدخول للبيت وأشار إلي وفرح بي ورحب ، وهش واطرب ، وتقدمت وأخذ بيدي وأطلعني من غير كلفة ولا زحمة فدخلت


البيت وعلاني من الهيبة ما الله به عالم فركعت به ركعتين لناحية الباب مواجهه غافلا عن السنة بأن اجعله خلف ظهري لما علاني من الخجل ، والدهش والوجل ، ودعوت بما أمكنني وحضر لي من الدعوات ، معمما ومخصصا أهل المحبة والقرابات ، ولم تطل مدة فتحه وإنما يفتحونه هذا اليوم لتعليق الكسوة الجديدة وإزالة العتيقة وليس بيوم دخول عام وإنما يدخل القيم وأمير الحاج المصري وأتباعهما المعينين في ذلك ولا ينصب سلم للدخول وإنما يدخل من تكلف الصعود بمعين أو بخفة أعضاء وعلى الباب أحد خدام الأمير يمنع الناس من الدخول إلا أن الناس يكاثرونه فإن منعوا من جانب دخلوا من جانب وربما يتعامى عن البعض ويحصل لكثير من الناس في ذلك المكان سوء أدب من ضرب وشتم بألفاظ ينزه المكان عنها فألاولى عدم الدخول إلا لمن تيسر له ذلك عفوا وصفحا من غير إيلام ولما دخلت إليه المرة الثانية في حجتنا هذه إلى أن قال ركعت فيه إلى الجهات وجعلت الباب أولا خلف ظهري وكبرت في نواحيه وأجلت النظر في نواحيه وطوله وعرضه وسمائه وأرضه طلبا للتحقيق وإن كان الأولى خلاف ذلك إلا أن الأمر سهل إن كان لطلب العلم والوقوف على حقيقة الشيء ولم تزايلنا في ذلك السكينة والوقار ، والإعظام والإكبار ، والإجلال ، والابتهال ، والله يغفر لنا ويتقبل.

وأما لطلب التفرج والتنزه فلا بل يستشعر الداخل عظمته وحرمته وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت عجبا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يرفع بصره قبل السقف ليدع ذلك إجلالا لله تعالى وإعظاما ما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة فما خالف نظره موضع سجوده حتى خرج منها صلى الله عليه وسلم والبيت الآن على ثلاثة أعمدة من العود ونقضوا منها من جهة الحجر مقدار السلم ولما فرغنا من الطواف ركعنا خلف المقام وأكثرنا من شرب ماء زمزم ولم نسع لأنا سعينا أثر طواف القدوم كما هو السنة.


تنبيه قال الإمام أبو سالم وكثير من العوام يظن أنه يلزمه سعير آخر أثر الإفاضة وبعض المتفقهة أفتى من لم ينو فرضية القدوم بإعادة السعي اغترارا بظاهر قول المختصر ونوى فرضيته وإلا فدم والتحقيق أن من شروط السعي وقوعه أثر طواف أي طواف كان وكونه فرضا إنام هو واجب يجبر بالدم ولا يلزم منه بطلان السعي ومعنى الفرضية كونه يتوقف عليه صحة السعي لا كونه فرضا في نفسه وهذا القدر يعلمه كل من له أدنى معرفة بالمناسك وإذا كان كذلك فلا إعادة على من سعى أثر طواف القدوم ولو لم يستحضر نية فرضيته إذ كان عالما بذلك فإن نية الإحرام كافية في الحج لأنه عبادة واحدة ولا يشترط فيه إفراد نية لكل جزء منه كالصلاة وتمييز الفرائض من غيرها أمر مختلف فيه في كونه شرطا في صحة الصلاة أم لا والحج أوسع من الصلاة ولا إعادة عليه أيضا لو جهل فرضية طواف القدوم لأن الشرط كما تقدم هو وقوعه أثر طواف وهذا واقع أثر طواف فإن كان عالما بالتلازم بينهما فلا دم أيضا إذ ذلك القدر هو المعبر عنه بالفرضية وإلا فدم وهذا ما حققه بعض المشائخ وأدلة ذلك يطول سردها وكثير من المتفقهة لا يحقق المسألة هذا التحقيق ويشغب على الناس بإلزامهم الإعادة ويقول لا بد من إفراد نية لطواف القدوم أنه فرض وإلا بطل السعي والعجب كيف يجعلون نية الفريضة شرطا في صحة السعي ولا يجعلونها شرطا في صحة الطواف ذي النية فتكون نية الفرض في ركن شرطا لركن آخر لا له والشرط إذا لم يؤثر عدمه في محله فكيف يؤثر في محل آخر فشد يدك على ما ذكرنا من التحقيق ولا تلتفت إلى من طريقه التقيد بظواهر ألفاظ المختصر والله تعالى اعلم انتهى كلامه.

قلت وفي مناسك الشيخ يحيى الحطاب أما تقديم طواف صحيح على السعي فقال ابن عبد السلام انه متفق عليه فلو سعى من غير طواف لم يجزه ذلك السعي بلا خلاف ولا يشترط كون ذلك الطواف الذي يتقدمه واجبا بل ذلك من الواجبات


التي تجبر بالدم فيجب عليه أن يوقعه إن كان في حج أثر طواف القدوم أو أثر طواف الإفاضة وإن كان في عمرة أثر طواف عمرة فإن أوقعه بعد طواف الوداع أو بعد طواف التطوع إعادة ما دام بمكة فإن لم يعاوده حتى بعد عن مكة لزمه الهدي باتفاق انتهى.

وقال والده في شرح المختصر بعد نقول فعلم مما تقدم أن معنى قول المصنف ونوى فرضيته إلخ أن الطواف الذي يقع بعده السعي يجب أن ينوي فرضيته بأن يكون طواف الإفاضة أو طواف القدوم في الحج أو طواف العمرة فإن أوقعه بعد طواف لا ينوي فرضيته كطواف الوداع أو طواف تطوع كمن أحرم بالحج من مكة وطاف وسعى فإنه يؤمر بإعادته بعد طواف واجب فإن لم يفعل حتى تباعد فعليه دم وقول المصنف وإلا فدم فيه مسامحة لأن ظاهره أنه لا يؤمر بالإعادة وليس كذلك.

ولما فرغنا من الطواف وتوابعه جلسنا للاستراحة في أخريات المسجد واشترينا خبزا وسمنا وعسلا فأكلنا ورجعنا لمنازلنا بمنى وصلينا بها الظهر كما فعل المصطفى صلى الله عليه وسلم وقيل إنما صلى الظهر صلى الله عليه وسلم بمكة على قول الأكثر وكان نزولنا إزاء ثبير قرب الغار الذي أنزلت فيه والمرسلات على النبي صلى الله عليه وسلم وخبره مذكور في الصحيح وقد بني عليه بابه محوط شبه مسجد صغير والناس يقصدونه للصلاة فيه والدعاء وهو في أصل جبل ثبير بينه وبين مسجد الخيف رمية حجر وكان نزولنا بهذا المحل إيثارا للقرب من هذا المكان وقرب المسجد مع كونه أنظف وأوسع واستر وأمكن للإنسان في حاجته والناس يتحامون من القرب من الجبل تقية من أذى السراق فيستجير بعضهم ببعض ويفرون إلى الدخول في غمار الناس ولا يبالون بما نالهم في ذلك من وطء الأقدام وتقطيع الحبال وتعفن الأرجاء واستنشاق الروائح الكريهة ونحن استسهلنا أمر السرقة في جانب


هذه المضار وكذلك فعلنا في كل ما مضى من الحجات والله يعيدنا إليه الكرات بعد الكرات وقد ذبح بمنى في ذلك اليوم والذي بعده من الغنم ما أكسب الغني والفقير ، وكفى البصير والضرير ، وأغنى الوراد والمستوطن فامتلأت الطرقات وأفنية المنازل باللحم وأما الجلد والساقط والأكارع فلا ترى أحدا يأخذها ضيافة الله الملك الحق الذي لا يقدر أحد على كفاية الخلق سواه فقد ورد من أفاق الأرض أصناف من الخلق لا تحصى أغنياء وفقراء فأكل الكل من ضيافة مالكهم وتزودوا ما قدروا وفضل ما أعجز الطير والوحش والهوام. قال أبو سالم فاقسم لقد مررت بهذا المكان بعد سنة أو قريبا من ذلك في قفولي من الطائف فوجدتا فيه عدة كثيرة من الغنم قد يبست جلودها على لحومهما وعظامها لم تمس إلى أن صارت مثل الخشب من يبسها والمرجو بل المحقق من كرم الملك الوهاب ذي الطول كما عم وفده بالضيافة المحسوسة التي صيرت الفقير كالغني في أيام الضيافة كذلك أو أعظم منه ضيافته المعنوية بالمغفرة وقبول الدعاء وأجزل المثوبة لعباده فوق ما يخطر بالبال ، وما ينال بقياس ومثال ، فما سعدنا به من رب كريم منعم متفضل وهاب ، جواد محسن متطول لا إله إلا هو مالك الملوك ورب الأرباب ، ولا يهلك على الله إلا هالك نسأله سبحانه أن يعمنا بفضله وكرمه ، ويتحفنا برضوانه ، ويعاملنا بإحسانه ، آمين وبتنا بمنى تلك الليلة في نعمة كاملة ، ورحمة من الله شاملة ، وانقضى ذلك النهار وقد عيدنا ، وعلينا مناسك الحج وشيدنا ، وفوق أمانينا أعطينا.

بلغت يا نفسي المنى في منى (1)
 

 

وقد أزال الله عنك العنا
 

فاستنفدي وسعك في حمده
 

 

وشيدي منك بناء الثنا (2)
 

ثم في الغد عمرت الأسواق ، وكثرت الأنفاق ، وأخرجت البضائع ذوات

__________________

(1) في نسختين بمنى.

(2) في نسخة واسلكي جميل الثناء وفي الرحلة الناصرية في جهده وبقاء بدل بناء.


الأثمان وصنوف التجارات وتزاحم الناس على الشراء رجاء بركة ذلك المكان في ذلك الزمان وأكثر التجار يقولون إن من اشترى شيئا من منى وجعله في تجارته وجد بركته ، وظهرت له ثمرته ، ولا يبعد ذلك فانه موسم شريف ، ومحل بركة وتشريف ، يأتيه الناس من كل فج عميق ليشهروا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ، وقد عمهم الله فيه من أمر دنياهم وأخراهم بغاية الإنعام ، ولما زالت الشمس توضأنا فخرجنا لرمي الجمار من غير تراخ ولا توان مبتدئين بالأولى التي تلي مسجد الخيف ثم بالوسطى وختمنا بالعقبة فوقفنا أثر الأولين بقدر الإمكان ، مجتهدين في الدعاء لنا ولعامة المسلمين وخاصتهم وسائر الأحبة والإخوان ، وما نسينا أحدا في ذلك المكان.

ولما كانت الليلة الثانية من ليالي منى بالغ أهل مصر وأهل الشام في إيقاد المصابيح وأتخاذ المصانع منها وصور الأشجار والأخبية وإكثار الرمي بالمدافع والبنادق والمحارق المرتفعة في الجو وفي ذلك نزهة للأبصار ، وتسلية للأفكار ، ومجال للاتعاظ والأذكار ، والقبول والإنكار ، فنزل جميع أصناف العباد ، وحشر إليه عمار البلاد ، فهو أجمل الأندية ، ومبانيه أحسن الأبنية ، تشرق في النهار فساطيطه المؤنقة ، وبالليل مصابيحه المشرقة.

قال الإمام أبو سالم وبالجملة فليالي منى غرر في أوجه الزمان ، ومواسم فرح وسرور لأهل الإيمان ، ومناهل رحمة ومغفرة من الله ورضوان ، ومحال بركة وعافية وأمان ، يتجلى فيها الحق لوفده بصفة الجمال ، جزاء على رضاه قبل ذلك بتجلي الجلال ، فهناك يستصغر المرء ما قاسى في طريقه من الشدائد ، في جنب ما حصل له من النعيم والفوائد ، انتهى.

فلما أصبح الناس في اليوم الثالث أخذوا في الرحيل متعجلين ، فمن تعجل في


يومين ، فلا آثم عليه ، ومن تأخر فلا آثم عليه ، لمن اتقى وتعجلت الأركاب وطويت الأخبية ، ونقضت القبب والأبنية ، ولم يبق إلا جماعتنا وبعض أهل البصرة والإحسا نزلوا تحت الجبل ، على بعد منا ولواء السلطان المكي تعجل ، وكان من عادته إلا يتعجل ، وبتنا وحدنا ولم نر والحمد لله بأسا وبتنا آمنين أين ما كنا والله يختم بخير واغتنمنا الصلاة بمسجد الخيف في هذا اليوم منفردين بعمارته دون غيرنا من أهل الأفاق.

نكتة وهذا المسجد أعني مسجد الخيف يسمى مسجد علي قيل أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أول من بناه وهو موضع منزل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في حجة الوداع.

قال الإمام أبو سالم وطول هذا المسجد من المحراب إلى الباب الذي يقابله أربعمائة قدم وعرضه ثلاثمائة وأربعون وبوسط المسجد قبة مثمنة كل ثمن منها أربع وعشرون قدما ورأيت في بعض التواريخ أن في محل هذه القبة كان فسطاط النبي صلى الله عليه وسلم وصحن هذا المسجد كبير إذ المسقف من مقدمه نحو أربعة من الصفوف ومن سائر الجوانب غير مسقف قال وقد رأيت قبل هذا في إحدى سواري هذا المسجد مكتوبا ما أظن أن صورته هذا :

أيها الغائبون بالله جودوا (1)
 

 

لغريب بدعوة إن قدمتم
 

كان من قبل هاهنا مثل ما قد
 

 

كتم حاضرا كما قد حضرتم
 

وتحته مكتوب ما نصه (2) :

قد حضرنا بذا المكان وغبتم
 

 

وشهدنا به كما قد شهدتم
 

__________________

(1) كذا في الرحلتين العياشية والناصرية وفي نسخة القادمون وفي غيرها القائمون.

(2) هذه الزيادة مع البيتين الذين بعدها موجودة في نسخة وفي الرحلتين العياشية والناصرية.


 

وذكرناكم بكل جميل
 

 

فاذكرونا بمثله إن حضرتم
 

ووجدت في سارية أخرى بيتا مفردا وهو :

إن في الجنة نهرا من لبن
 

 

لعلي وحسين وحسن
 

قال وقد صدق قائله إلا أنه تشم منه رائحة التشيع وإن هذا النهر خاص بهم رضي الله عنهم وبمن والاهم دون غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وهو مذهب الرافضة ومذهبنا معشر أهل السنة أنه لهم ولغيرهم من الصحابة وصالحي الأمة رضي الله عن جميعهم وجعلنا ممن أحسن من تابعيهم آمين انتهى.

ولما زالت الشمس من اليوم الرابع ارتحلنا من منى ورمينا الجمار بلا زحمة بعد الزوال وأرغمنا انف الشيطان بقذف تلك الحصيات التي تكونت من طينة الوبال.

قد رميت الشيطان في يوم حجي
 

 

بجمار بطاعة الرحمان
 

وعجيب أن لم يكن قد تلظى
 

 

وهي سبعون جمرة بالعيان
 

وملنا إلى مسجد الكبش فزرناه ثم بعده ، مسجد العقبة أتيناه ، وهو المكان الذي بايع فيه الأنصار رضي الله عنهم بيعة العقبة فهو من المساجد المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم المتبرك بها وهو معدود من الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء وهو في الشعب تحت جمرة العقبة بيسير على يسارك وأنت ذاهب من مكة إلى منى فسرنا فجئنا المحصب فنزلنا به بإزاء مسجد عائشة فصلينا به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقدنا رقدة.

ثم ذهبنا للعمرة وأحرمنا بها من التنعيم لتعذر الجعرانة من شدة الخوف وقلة الرفيق بعد أن اغتسلنا لإحرامها هناك مع من لم يغتسل بالمحصب من أصحابنا واتينا مكة فطفنا ووطيء إنسان على بنصر رجلي اليسرى ولا أظنها إلا انكسرت وأتممت


الطواف وأنا أحجل ولم أقبل الحجر مباشرة في أكثر الأشواط.

هل أنت إلا إصبع دميت
 

 

وفي سبيل الله ما لقيت
 

وخرجت إلى السعي وسعيت من الصفا إلى المروة ومن المروة إلى الصفا على رجلي وتعبت جدا فعجزت عن إتمامه راجلا فأتيت بدابة فركبت وأتممته راكبا وأتيت المنزل الذي اكتريناه ورقدت رقدة وأصحابنا بمكة يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة ثالث فبراير وأقمنا بها بعد قضاء النسك تسعا ، وفي هذه المدة في تلك العرصات نجول ونسعى ، ودخلنا البيت الشريف كما قدمنا فتمتعنا بإجالة النظر في نواحيه ، حرصا على تحقيق مبانيه ، كما قيل :

وردّت إلى البيت الحرام وفودنا
 

 

تحن له كالطير حنّ لمأواه
 

وطفنا طوافا للإفاضة حوله
 

 

ولذنا به بعد الجمار وزرناه
 

ومن بعد ما زرنا دخلناه دخلة
 

 

كأنا دخلنا الخلد حين دخلناه (1)
 

ونلنا أمان الله عند دخوله
 

 

كما أخبر القرآن فيما قرأناه
 

فيا منزلا قد كان أبرك منزل
 

 

نزلناه في الدنيا وبيت وطئناه
 

ترى حجة أخرى إليه ودخلة
 

 

وذاك على رب الورى نتمناه
 

وإخواننا ما كان أحلى دخولنا
 

 

إليه ولبثنا في حماه لبثناه (2)
 

وإخواننا اوحشتمونا هنالكم
 

 

فيا ليتكم معنا أوان حققناه
 

نطوف به والله يحصي طوافنا
 

 

ليسقط عنا ما نسينا واحصاه (3)
 

وبالحجر الميمون لذنا فإنه
 

 

لرب السما في الأرض للخلق يمناه
 

__________________

(1) في الرحلة الناصرية كأنا دخول الخالدين دخلناه.

(2) في الرحلة الناصرية وبتنا في حماه لبثناه.

(3) كذا في الرحلة الناصرية وفي جميع النسخ واخطأناه.


 

نقبله من حبنا لإلاهنا
 

 

فكم لثمة طول الطواف لثمناه
 

على لثمة للشعث والغبر رحمة
 

 

فكم اشعث أغبر قد رحمناه
 

وذاك لنا يوم القيامة شاهد
 

 

وفيه لنا عقد وعهد عهدناه
 

ونستلم الركن اليماني رحمة (1)
 

 

ونستغفر المولى إذا ما لمسناه (2)
 

وملتزم فيه التزامنا لربنا
 

 

عهودا وعفو الله فيه لزمناه
 

وكم موقف فيه يجاب لنا الدعا
 

 

دعونا به والفضل فيه نويناه
 

ولما قضينا للإله مناسكا
 

 

ذكرناه والمطلوب منه سألناه
 

فمن طالب حظا لدنياه ما له
 

 

خلاق بأخراه إذا الله لاقاه (3)
 

ومن طالب حسنى بدنيا لدينه (4)
 

 

وحسنى بأخراه وذاك يوفاه (5)
 

وآخر لا يبغي من الله حاجة
 

 

سوى نظرة في وجهه يوم يلقاه
 

__________________

(1) في الرحلة الناصرية سلمناه.

(2) في الرحلة الناصرية طاعة.

(3) في الرحلة الناصرية خلافا لاخراه.

(4) في الرحلة الناصرية يوقاه.

(5) في الرحلة الناصرية بدنياه ناويا.


ذكر المشاهد التي ينبغي للحاج أن يزورها بمكة شرفها الله تعالى

منها الدار التي ولد فيها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد اتخذت الآن مسجدا ومزارا عظيما تفد إليه الوفود من كل ناحية أيام المولد النبوي هذا على ما علم مما وقع من الاختلاق في كتب السير في مولده صلى الله عليه وسلم هل هو بمكة أو بالأنواء وعلى انه بمكة فقيل بالشعب وقيل بالمحصب إلى غير ذلك من الأقوال ولا أدري من أين أخذ الناس تعيين هذا المحل بالخصوص اللهم إلا أن يثبت أن تلك دار والده صلى الله عليه وسلم فيترجح القول بأنه في مكة بقضية عادية وهي أن ولادة الإنسان في الغالب في منزل والده وأن أريد بالشعب شعب أبي طالب الذي انحاز إليه مع بني هاشم وبني المطلب في قضية الصحيفة فلا يبعد ذلك لأن هذه الدار قريبة من الشعب من أسفله والعجب أنهم عينوا محلا من الدار مقدار مضجع وقالوا انه موضع ولادته صلى الله عليه وسلم.

قال شيخنا أبو سالم ويبعد عندي كل البعد تقييد ذلك من طريق صحيح أو ضعيف لما تقدم من الخلاف في كونه بمكة أو غيرها وعلى القول بأنه فيها ففي أي شعابها وعلى القول بتعيين هذا الشعب ففي أي الدور وعلى القول بتعيين الدار فيبعد كل البعد تعيين الموضع من الدار ، بعد مرور الأزمان والإعصار ، وانقطاع الآثار ، والولادة وقعت في زمان الجاهلية وليس هناك من يعتني بحفظ الأمكنة لا سيما مع عدم تعلق غرض لهم بذلك وبعد مجيء الإسلام فقد علم من حال الصحابة وتابعيهم ضعف اعتنائهم بالتقييد بالأماكن التي لم يتعلق بها عمل شرعي لصرف اعتنائهم رضي الله عنهم لما هو أهم من حفظ الشريعة والذب عنها بالسنان واللسان وكان ذلك هو السبب في خفاء كثير من الآثار الواقعة في الإسلام ومن مساجده عليه الصلاة والسلام ومواضع غزواته ومدفن كثير من أصحابه مع وقوع ذلك في


المشاهد الجليلة فما بالك بما وقع في الجاهلية لا سيما ما لا يكاد أن يحضره أحد إلا من وقع له كمولد علي رضي الله عنه ومولد عمر ومولد فاطمة رضي الله تعالى عن جميعهم فهذه أماكن مشهورة عند أهل مكة فيقولون هذا مولد فلان وذلك مولد فلان وفي ذلك من البعد أبعد من تعيين مولده صلى الله عليه وسلم لوقوع كثير من الآيات ليلة مولده صلى الله عليه وسلم فقد يتنبه بعض الناس لذلك بسبب ما ظهر من الآيات وإن كانوا أهل جاهلية وأما مولد غيره ممن ولد في ذلك العصر فتكاد العادة أن تقطع بعدم معرفته إلا أن يرد خبر عن صاحب الواقعة بنفسه أو أحد أهل بيته وحاصل الأمر أن هذه الأماكن اشتهرت بين الناس فتزار بحسن النية رعاية لتعظيم قدر من أضيفت إليه صلى الله عليه وسلم فليستحضر الزائر في قلبه عظمة من نسبت إليه الأمكنة وعظمة تلك النسبة ولا يشغل قلبه بصحة النسبة وضعفها لوجودها في الخارج ولو عدمت في نفس الأمر لرعاية تعظيم الموجودة على النسبة له أثر كبير في الجلب والدفع نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا ممن يعظم حرماته وشعائره تعظيما يوافق أمره ومن المزارات أيضا مولد فاطمة رضي الله عنها والنفس أميل إلى صحة هذا المكان أكثر من غيره ومنها البيت البيت الذي سكنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع السيدة خديجة رضي الله عنها وولدت فيه الأولاد وفيه توفيت ولم يزل صلى الله عليه وسلم مقيما به حتى هاجر ومنها مولد علي رضي الله عنه ومنها دار أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبقربها حجر في جدار فيه كأثر المرفق يقال أن مرفق النبي صلى الله عليه وسلم غاصت فيه لما استند إليه والناس يتمسحون به ويتبركون ومنها دار الخيزران عند الصفا فله فيها صلى الله عليه وسلم تردد وإقامة ومنها مسجد العقبة الذي بايع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن ومنها مسجد إبراهيم بعرفة وهو غير الذي يصلي فيه الإمام ولا يعرف اليوم ومنها مسجد الكبش بمنى الذي نزل فيه فداء إسماعيل عليه السلام ومنها مسجد بأجياد


يقال له المتكأ قيل أنه صلى الله عليه وسلم اتكأ هناك ومنها مسجد العقبة حين بايع الأنصار ومنها غار جبل ثور الذي اختفى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه في هجرتهما وصرح القرآن بذكره في قوله تعالى : (ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ) وجبل ثور على ثلاثة أميال من مكة إذا مر السالك إليه فيما بين الخندمة وأبي قبيس وهو وراءهما وأما من مر بأسفل مكة حتى يدور إليه بأضعاف ذلك وعليها يسلك من مر راكبا مع بعدها لتوعر القربية وهو جبل منقطع عن الجبال التي حوله ذاهب في الهواء مشرف على كل ما حوله من الجبال مكسو جلالة ومهابة صعب المرتقى غاية وارتفاعه في السماء نحو من ثلاثة أميال والغار في أعلاه من الناحية الموالية لمكة وهو من عجائب آثار قدرة إلهه تعالى وله بابان بابه الأصلي الذي دخل منه النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر رضي الله عنه من ناحية الغرب وهو صغير جدا ملاصق بأرض الغار وهو شق صغير بين صخرتين عرضه نحو ثلاثة أشبار وارتفاعه أزيد من شبرين.

قال أبو سالم ولقد خيل لي عند ما رأيته أن أحدا لا يمكنه الدخول منه فأيست من الدخول منه حتى رأيت من هو أعظم مني جثة قد دخل منه فتحاملت ودخلت من ذلك الشق مع مشقة وترتيب أعضاء من تقدم إحدى اليدين إلى المنكب وإتباع الرأس لها وإرسال اليد الأخرى مع الجنب.

ولقد طال تعجبي من معرفة الناس بكون غارا واسعا من داخل فهو إن لم يكن معروفا عندهم قبل ذلك معهودا فالأقرب أنه بالوحي أو إلهام من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم لأن العادة تكاد تقطع بأن مثل ذلك لا يكون كهفا متسعا من داخل إذ هو صخرة واحدة منقطعة عن غيرها منكفئة على أخرى منقورة في وسطها قدر قامة الإنسان ارتفاعا وسعة نح العشرة أذرع ولو لا عظم الصخرة وتواتر الخبر


بأنه كذلك من قديم الدهر لتوهم أنها صخرة نقرت في وسطها ثم قلبت على أخرى بصنع آدمي وأما الباب الأخر فإنه إلى ناحية المشرق وهو واسع يدخل منه الإنسان ويخرج كيف يشاء وزعموا أنه مفتوح بصنع الآدمي وأن سبب فتحه أن شخصا تكلف الدخول فلم يقدر على الخروج وكرهوا تغيير الباب الأصلي بتوسعته ففتحوا هذا الباب من الناحية الأخرى لخروج هذا الشخص وليدخل منه من لم يقدر على الدخول من الباب الأصلي.

وبإزاء هذا الباب المفتوح مصطبة محوط عليها بأحجار شبه مسجد مفروش برمل والناس يصلون فيه ويصلون أيضا في داخل الغار وفوق الغار في قنة الجبل غار كبير واسع تحت صخرة عظيمة مفتوح من جوانبه محوط عليه بأحجار شبه مسجد آخر يجلس فيه الناس ولا أدري ما أصله وفيه منظر رائق يشرف منه الإنسان على بلاد كثيرة قال ولم أر في تلك الناحية جبلا أعلى منه إلا جبل اكرى الذي يصعد منه إلى الطائف.

وقد ذكر بعض من ألف في أخبار مكة وجبالها أن من زار هذا الغار وكان به حزن آلمه وسأل الله إذهابه أذهبه الله عنه ولا يحزن بعد ذلك وكأنه اقتبس ذلك من قوله تعالى : (إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا). انتهى.

ومنها جبل حراء وفضله مشهور وفيه الغار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحنث فيه قبل النبوءة وفيه نزل الوحي أول ما نزل وفيه نزلت سورة اقرأ كما في الصحيح وهو جبل متوحد بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها وعلى رأس قبة.

قال أبو سالم ترى هذه القبة من المسجد الحرام والغار في أعلاه من الناحية الغربية الموالية لمكة وهو مع صعوبته قد سويت طريقه وأزيلت الأحجار المتعرضة


من غالب طريقه وبني ما يحتاج للبناء فيها حتى أن الدابة يمكنها الصعود براكبها إلى أعلاه وفي أعلاه شبه مسجد على باب القبة يصلى فيه والغار أسفل من القبة بين صخرات هنالك وهو صغير جدا يسع ثلاثا أو أربعا فيما أظن ويصلي فيه الناس للبركة وقد جلسنا هنالك هنيئة وباب الغار متنكب إلى ناحية الشمال.

قال وقد كنت أسمع قبل هذا ورأيته منصوصا أن الجالس في الغار يرى الكعبة ولذلك اختار النبي صلى الله عليه وسلم التحنث فيه لأن النظر إلى البيت عبادة فتجتمع له فيه أنواع العبادات التي لا تكاد تجتمع فيه غيره وهذا لا يصح إلا أن أريد المحل الذي هو فيه فإن البيت قبل أن يتكنفه البنيان العظيم قد يظهر من الخارج وأما من الغار فلا.

قال وأخبرنا شيخنا أبو مهدي أنه خرج ذات مرة للتحنث بهذا الغار وكان يخرج إليه بهذا القصد قبل ذلك وخرج إليه في هذه المرة مع ثلاثة من أصحابه من الهنود وكان اثنان مقيمين معه والثالث يتردد عليهما بما يحتاجون من ماء وطعام.

قال كان معي بداية المجتهد للحفيد ابن رشد أطالع فيها أحيانا فبينما هو ذات يوم في الغار وصاحباه في القبة والثالث تحت صخرة هنالك إذ عرض في السماء عارض غيم وبرق ثم أرزم الرعد وأتى بأمر هائل ما رأيت مثله قط فلم أشك أنه الموت ولزمت مكاني وطبت نفسا بشرف البقعة فقلت حبذا لقاء الله تعالى في هذا المكان وألزمت نفسي حضور القلب منتظرا حلول القضاء حتى انكشف ذلك وخرجت من الغار فإذا صاحباي اللذان في القبة قد ماتا وأحدهما جالس على هيئته لم يتغير منه شعرة والآخر شاقط قد سال الدم من بعض منافذه فلم أر منظرا أهول ولا أفزع من ذلك فالتمست الثالث من أصحابي فوجدته تحت صخرة وقد سلمه الله تعالى فبعثته إلى مكة ليعلم أصحابنا فبقيت هنالك وحدي منفردا معهما في الليل


فلم أر أمرا أفزع ولا أوحش من ذلك ولا أعظم واشق علي من الحال التي كنت عليها في الغار فما جاءني الناس مع صاحبي حتى كدت أهلك غما فاحتملنا صاحبينا وذهبنا فمن ذلك الوقت ما رجعت للتحنث إلا أن أذهب زائرا ثم أرجع.

قال أبو سالم والانفراد عن الناس لا سيما في المفازات والمغارات البعيدة عن العمران لا يقوى عليه إلا من أيد بروح القدس وكانت له همة عالية وسقطت من قلبه مخافة غير الله تعالى فإن الإنسان دني الطبع لا يحتمل وحشة الانفراد لا سيما إن نزلت به ملمة وهو منعزل عن الناس فإن عيشه يتكدر وحاله يتغير وتضيق نفسه وتخرج من معتادها فربما يتلف من ذلك أو يذهب عقله وأما من كان قلبه متعلقا بالله لا يلتفت إلا إليه في السراء والضراء فذلك هو قرة عينه ولو انطبقت السماء على الأرض ما زاده ذلك إلا تلذذا بما فيه لأنه في تلك الحال يقوى تعلقه بربه وانحياشه إليه وتنتفي الخواطر المشتتة له في أودية الأغيار وأي شيء هو طلبة المريد وبغيته إلا هذه الحال ولذلك قيل مواسم الفاقات أعياد المريدين.

قال ولا أظن أن شيخنا في ذلك الوقت كان من أهل هذه الحال لما غلب عليه من محبة العلوم الرسمية وصرف بعض الهمة إليها يدل على ذلك استصحابه لكتاب بداية المجتهد ومن كانت هذه حاله وإن كانت محمودة لا يقوى على تحمل واردات القدر الخارجة من باب القهر المتلفقة بمروط الجلال والهيبة لتعلق قلبه بأمور وخيالات وعلوم هي في الحقيقة وسائل فإذا تجلى الحق بصفة القهر ذهبت الوسائل وحق الحق وبطل ما كانوا يعلمون فيفجأ القلب أمر غير معهود له ولا مألوف ولا متصور قبل ذلك فلا تسأل عما يكابده من ألم الغربة والوحشة والخروج عن المألوف نسأل الله تعالى أن يثبت قلوبنا ويؤيدها بنور المعرفة عند كل وارد وعند واردات القهر خصوصا ويشهدنا اللطف المصحوب بها ويغرقنا في بحار التلذذ بمشاهدته


حتى لا نحس بذلك وعافيتك أوسع لي يا أرحم الراحمين انتهى.

ومنها الجعرانة وهي موضع بين مكة والطائف وهي إلى مكة أقرب بكثير بينها وبين مكة ثمانية عشر ميلا ومنها كانت عمرة النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة حين قسم غنائم حنين كما في الصحيحين وذكر المحب الطبري عن الواقدي أن إحرامه صلى الله عليه وسلم بالعمرة منها كان ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة.

قال المجب الطبري ومنها يحرم أهل مكة كل عام في ليلة سابع عشرة من ذي القعدة وذلك خلاف ما ذكره الواقدي.

قال القاضي تقي الدين الفاسي مؤرخ مكة في شفاء الغرام وما ذكره الطبري يخالف ما أدركنا عليه أهل مكة فإنهم يخرجون من مكة في اليوم السادس عشر من ذي القعدة ويقيمون السابع عشر بالجعرانة ويصلون المغرب بها ليلة الثامن عشر ويحرمون ويتوجهون إلى مكة وهو يلايم ما ذكره الواقدي.

قال الحطاب وعلى ما ذكره القاضي تقي الدين أدركنا عمل أهل مكة.

قلت ولا أدري متى أنقطع عمل أهل مكة هذا فإنهم الآن لا يحرمون منها ولا تكاد تجد أحدا يعلم أنها من مواقيت العمرة إلا من مارس كتب الفقه وأما العوام فلا يطلقون أسم العمرة إلا على التنعيم ومكانها وادي أفيح كثير العضاه وماؤه شديد الحلاوة غزير وبها بئران عظيمتان مطويتان بالحجر المنحوت وعنده دوحات عظيمة وعلى شفير الوادي مكان مسجد يقال أن منه أحرم النبي صلى الله عليه وسلم.


ومن فضائلها ما يروى أنه أحرم منها بالعمرة ثلاثمائة نبي ويقال إن النبي صلى الله عليه وسلم فحص موضع مائها بيده المباركة فانبجست فشرب منه وسقى الناس ويقال انه غرز فيه رمحه فنبع ومنها مسجد التنعيم حين اعتمرت عائشة رضي الله عنها وفي مكة غير هذا من المساجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار مشهورة عند أهل مكة قد تطاولت عليه الأعصار ووجدنا التنصيص على اشتهارها في القرون الماضية من كثير من المؤرخين والمرتحلين مع العلم بعدم اشتهارها في القرن الأول والثاني وما يقرب منهما فتزار بالنية المتقدمة وبنية من دخلها وتبرك بها من المسلمين من لدن تلك الأعصار إلى الآن وقد علم اختلاف الأئمة في القديم والحديث في تنذه هذه الآثار والمشاهد التي لم يرد بها خبر صحيح بمكة والمدينة والقدس وميل أكثرهم لا سيما المالكية إلى عدمن التقييد بذلك لما علم من شدة حرصه على الإتباع فقد ورد أن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ارتحل إلى المسجد الأقصى فلما دخله لم يزد على أن صلى فيه ركعتين ودعا ورجع من يومه ولم يقف إلى الصخرة ولا إلى غيرها من الآثار والمشاهد الكائنة هناك مع كثرتها إذ لم يصح في الحديث إلا إتيانه للصلاة فاقتصر على ما صح عنده ولم يعرج على غيره والكل إن شاء الله تعالى مصيب ، ففاز من الأجر بأوفر نصيب ، قل كل يعمل على شاكلته ، وحسن نيته وصفاء طويته.

انعطاف إلى ما كنا بصدده وهو أننا لما صلينا الظهر والعصر في المسجد المشهور وهو مسجد نمرة توجهنا إلى محل الوقوف والمشاهدة ، ومكان التضرع والمساعدة ، زاد الاشتياق إلى الجليل ، والتعلق بكل حبيب وخليل ، فأصاب الناس شدة الحر والوهج ، حتى كاد أن يذيب الأكباد والمهج ، فتفرقت الناس على رفع أحمالها ، وسلكت مسالك جمالها ، فركب من ركب ومشى الماشي والغريب ، وساق الإبل كل أجير ونقيب ، وقد انفصل الجميع بالتوجه والأدب ، إلى محل الاعتراف والاغتراف


من فيض القرب ، وعند ذلك تظهر زفرات المحبين ، ولوعة المخبتين والمشتاقين ، فحركها ريح السعادة لمأوى الرضي والتوفيق ، إن لم يصبها وابل فطل من رضى مولاها بالتحقيق ، نعم كادت النفوس ترجع إلى أصولها ، وتتنور بنور المعارف في تنقلاتها ، فقذف ما بها ما سكن فيها حين تحرك ، وأزعجها تلاقي الأرواح في ذلك الفلك ، ثم القوالب والأجباح تابعة ، والصفقة السعيدة رابحة ، فشمروا لما وصلوا ، وأهلوا لما به أهلوا ، فدخلنا محل الوقوف بالذل والمهابة ، والروع والخوف والإنابة ، والدعاء والتضرع والاضطرار لتقع الإجابة ، فوقفنا راكبين ، لسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء والتابعين ، غير أن الركوب على الإبل أفضل ، اقتفاء به صلى الله عليه وسلم وأجمل ، وأنا وقفت على بغلتي وكذا أخي في الله سيدي أحمد الطيب ومثله سويداء القلب سيدي أحمد بن حمود وإنسان غين قلبي سيدي محمد الشريف الطرابلسي وقد وقفنا عند الأحجار قرب الجبل وأما تحت الجبل ففيه الزحمة الكثيرة التي تمنع الإنسان الدعاء فألزمنا الدعاء لأنفسنا سرا وجهرا عموما وخصوصا مجتهدين غير مقصرين لعل الله يقضي حوائجنا الظاهرة والباطنة ، وأن يجعل هممنا عالية ونفوسنا كاملة ، وأن يطهرها من التعلق بسواه ، لتكون مطمئنة به وصاحبها معتصما بمولاه ، فألزم الكل التضرع والابتهال ، واللجأ والاضطرار والتنقل من حال إلى حال ، فعم الله الجميع بالعفو والمغفرة والمنة والأفضال ، وكيف لا والموسم فيه النبي صلى الله عليه وسلم وجميع الأنبياء ومن خص بالإرسال ، وكذا أهل الوقت من أهل التصريف والخضر وإلياس ومن نعت بالكمال ، فاستمر جميعنا إلى تحقق الغروب والخطيب يخطب ، وبدعائه تقضى الحوائج (1) وتنفرج الكرب ، ريحانة (2) أو عرفة موضع جود وكرم ورحمة ووسع تعم الحاج وغيره كالمتسوقين والمتنزهين لأنها فيها

__________________

(1) في نسختين بياض.

(2) في نسخة بياض.


قوم لا يشقى بهم جليسهم وهو محل عظيم لا يغضب فيه الرب تعالى وإنما ينظر بالرحمة إلى أهل السعادة من أوليائه فتصيب جميع من فيها وأن الله يغفر الذنوب الكبائر والصغائر لأهل عرفة وانه يعطي عنهم التبعات ويتولاهم بالخصوصية وإن الواقف بها يستأنف العمل فهو كيوم ولدته أمه.

وهذا كله نص عليه الفاسي في شرح دلائل الخيرات وأن الشيخ زروق رجح القول بالتكفير بالحج للصغائر والكبائر خلافا لا بن عبد البر ومن تبعه القائل بأن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة أو بفضل الله تعالى لأن التكفير خاص بالصغائر وهذا القول خلاف المعتمد وإن قال بعض انه مجمع عليه لأن من فضل الله تعالى أن تغفر الذنوب بأعمال الصالحات وهو من فضل الله قطعا إذ لا مانع عقلا ونقلا لا سيما وقد نص عليه غير واحد وانه روي في ذلك أحاديث صحيحة فلم يبق إلا الجزم به أو ترجيحه ويعضد هذا ما وقع لنا من المرائي الحسنة التي لا شك فيها إذ لا يمكن إفشاؤها وفي التلويح ، ما يغني عن التصريح ، وفي الإشارة ، ما يغني عن العبارة.

ثم أن من فضل الله علي أني نزلت على بغلتي ونويت رؤية الخطيب الذي يخطب بها لتعلق همتي به وتاقت نفسي أيضا لسماع كلامه وهو لا تمكن رؤيته لازدحام الناس عليه ربما قاصده أن احتمل المشي إليه والاجتماع به مات أو أنكسر وذلك معلوم بالعيان إلا من سبق إلى مكان قبل اجتماع الجموع فيها فتوجهت إلى موضعه ورأيته فدخلت الصف الذي يليه والناس حوله بالأعمدة يضربون من يريده فلما توجهت إليه ودخلت من حوله وإذا بالناس تركوا لي ممرا إليه وفرجة لديه إلى آن وصلت إلى الضرابين بالأعمدة فأتى إلي واحد منهم فأخذ بيدي إلى أن بلغ بين إليه وسلمت على ركبته وسمعت كلامه أعني خطبته وتبسم في وجهي وانبسط ولم ينقبض وهو رجل شريف كبير السن وكلامه عليه حلاوة وطلاوة يعلوه نور وهو أجمل خلق الله قدا


وخدا بياضه مشرب بحمرة وسيع الوجه يتلألأ نورا قد شاب فلم تبق فيه شعرة سوداء والله أعلم ولو حواجبه لا يسأم الناظر فيه فعلمت أن الله نور بصيرته وطهر سريرته وأعلى همته فوجدت قلبي حين رأيته بل أخذ مجامع قلبي وان الله أسعدني برؤيته فلما قضيت مآربي منه رجعت إلى موضعي واشتغلت بالدعاء إلى أن تحقق الغروب لأخذ جزء من الليل لأنه ركن يبطل الحج بتركه بخلاف الوقوف نهارا فانه واجب يجبر بالدم فنفر جميعنا بعد المغرب وتحقق الأخذ من الليل والإمام قد نفر قبلنا غير أنه لا يخرج من عرفة إلا بعد تحقق الليل.

نعم قد وجدنا قلوبنا في ذلك المحل وأننا شاهدنا فيه أمرا عظيما لا يمكن التعبير عنه إذ يعلم الإنسان من حاله آثار الوجود والقرب من الحبيب فعممنا بفضل الله تعالى بدعائنا القريب والبعيد والخالص والعام لأن الوقت واسع فمنّ الله تعالى بفضله وكرمه وجوده أن جعلنا من أهل ذلك الموقف فنفرنا راكبين وماشين بين المغرب والعشاء متفرقين لا يعرف أحد صاحبه إلى أن وصلنا بعد العشاء مزدلفة فحط الجميع رحالهم إذ السنة هو ذاك فجمع الله بين المعارف والأقارب وصلينا المغرب والعشاء إذ السنة التأخير فبتنا هنالك في نعمة شاملة ، وزحمة كاملة ، ورفعة عظيمة ، فحمدنا الله على ذلك ، وشكرناه على ما هنالك ، فلله الكمال والتمام فلما أصبح الله بخير الصباح ظعنا مغسلين كما هو الأثر والسنة وصلينا الصبح والتقطنا الجمار الجميع من الحصا ثم كذلك إلى قرب الأسفار وصلنا المشعر الحرام على أكمل حال وأتمه فوقفنا به وقفة عبد خاضع ، وذليل خاشع ، انصدع القل بالشوق إليه ، والعشق لديه ، فكل من له الفقه التاما نوى بوقوفه منا الوجوب إذ بعض المذاهب يقول بوجوبه والورع ينوي به الخروج من الخلاف حسبما ذكروا ذلك في قراءة البسملة في الفرض ناويا الخروج من الخلاف.


فإن قلت قراءة البسملة في الفرض مع نية الخروج من الخلاف وكذا نية الوجوب بالوقوف بالمعشر الحرام مخالف لمذهب مالك والقائل به ممن يقتدي بما لك فكيف يمكن الجمع بينه وبين هذه المذهب.

قلت لا أشكال في ذلك والله اعلم لأن مذهب مالك كراهة البسملة واستحباب الوقوف بالمشعر الحرام فما هذا إلا كونه احتياطا مع نفي الخلل بفعل ذلك فالحاصل أن الاحتياط في الشيء مع كونه غير موجب للخلل في نفس العبادة هو من قواعد مالك إذ مذهبه مبني على سد الذرائع والاحتياط فهو من لازم مذهبه وإن كان ليس صريحا من مذهبه وإنما تكره البسملة في الفرض إذا نوى أنها آية من الفاتحة جز ما فذلك مكروه على مذهب أمامنا وأما أن نوى الخروج من الخلاف احتياطا فإن مالكا لا يقول بكراهته بل لو سئل لقال بكونه حسنا وكذانية الوجوب في الوقوف بالمشعر ومثلهما في الفقه كثير.

فلما وقفنا وجدنا أمير مصر واقفا هناك داعيا مستقبلا المحل المذكور وهو من طرف المزدلفة من جهة منى فسألنا الله تعالى في الوقوف به سؤال مضطر ذليل خاضع (1) وكل من رآنا من الركب وقف معنا وسألنا عن ذلك الموضع فأخبرناهم به وانه يستحب الوقوف عنده وانه من شعائر الحج ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ووقفنا عنده وقوف قربة وطاعة إلى طلوع الشمس وانتشارها فسألنا الله تعالى قبول حجنا وإخلاص سغينا وربح تجارتنا وزال الحجاب عن سرائرنا والدخول لحضرة الله والتمتع بالنظر لوجه الله تعالى والموت على حسن الخاتمة بمنه وكرمه وأن يجعل البركة في ذريتنا وأن يرزق الأخذين عنا بالعلوم والمعارف الإلهية والفتوحات اللدنية والمواهب الربانية والأخلاق المحمدية والتخلق بأوصاف الله تعالى التي يجوز

__________________

(1) في نسخة سؤال اضطرار وذل وخضوع.


التخلق بها والتعلق بجميع أسمائه والخروج عن الأكوان بمشاهدة المكون وإتباع الشريعة ونهج الحقيقة والتأدب بالآداب الأشياخ ومواساة الإخوان وموادتهم على لسان الشريعة والنصيحة للأمة المحمدية بان يجعل الكبير أبا والصغير ابنا والمساوي أخا وتعليم الجاهل بالرحمة والشفقة وأخذ العلم بالتواضع وحرمة الأولياء وحسن الظن في جميع المسلمين عند عدم المخالطة وإلا فسوءه حتى يظهر خلافه والتسليم للفقراء فيما لم يكن مجمعا عليه والتصديق بأحوال أهل الله تعالى من مواجدهم ومواردهم وخرق العادة في حقهم إذا كان مغلوبا مطلقا أو كان متبعا للسنة هذا وإن المشعر الحرام موضع عظيم لا يكاد يخفى فضله على كل مسلم فضلا عن الأتقياء.

ولما وصل وقت الأسفار سرنا منه إلى أن وصلنا إلى بطن محسر وكثير من الناس لا يعرفه وقد شغفت بالسؤال عنه فلم أجد من يعرفه بالعيان نعم لما توجهنا إلى الطلوع إلى منى رأينا الناس يسرعون فيه بالمشي فلدناهم في ذلك فأسرعنا فيه فذلك هو والله اعلم.

قال شيخنا سيدي أحمد بن ناصر ما نصه وهو وادي النار وأسرعنا وحركنا دوابنا وهو من أول ما تحاذي البركة الخربة التي على يسارك أن مررت بطريق الأركاب وأنت ذاهب إلى منى حتى تأخذ في الطلوع إلى منى وترتفع بك الأرض وبهذا عرفه أعلم أهل عصره بالمناسك خليل المكي حسبما نقله عنه البلوي في رحلته إذ سأله عن حده والإسراع فيه مشروع ذهابا وإيابا فمضينا كما نحن على الطريق الكبرى التي تشق منى إلى أن أتينا جمرة العقبة ورميناها بسبع حصيات من أسفلها مكبرين مع كل حصاة كما كنا راكبين غير راجلين كما هو السنة عن سيد الأولين والآخرين عليه أفضل صلاة المصلين وأزكى سلام المسلمين انتهى.

انعطاف فسرنا إلى قرب منى فتسارعنا كالناس المسارعين في وادي النار فعلمت


أنه هو وإن لم نعرف الحدود ثم كذلك إلى أن وصلنا جمرة العقبة فرميناها كما قال شيخنا بالتكبير إلخ.

فرجعنا فمن عنده هدي ذبحه ثم حلقنا كما هو السنة ثم ذهبا إلى مكة في غير وقت الفضيلة وهو قرب العصر لطواف الإفاضة وهو ركن فطفنا ذلك الوقت فوجدنا باب الكعبة مغلقا لأنه يفتح ذلك اليوم غير أنه عند الزوال فمن أسرع أدركه ومن لا فلا ونحن أشغلنا أمر الأهل فمنعنا من المشي ذل الوقت غير أن الأركان قد تمت وان فاتني الدخول ذلك الوقت فقد دخلناها مرة أخرى والحمد لله إذ دخلت في الليل غير أن الزحمة كثرت على الباب فلما دخلت الكعبة وجدت فيها فسحة عظيمة وهي مملوءة بالناس والزمان زمان الحر وركعت ركعتين وجعلت الباب وراء ظهري ثم ركعتين ركعة لكل جانب منها وقد علاني من الهيبة ما لا يعلم به إلا الله فينبغي للإنسان أن يصحبه الإجلال والهيبة النورانية والعظمة والابتهال والخشية والتذلل والمسكنة فيعتقد أنه ضيف ربه وأن الرحمة قريبة منه هناك فلا ينبغي أيضا النظر إلى السقف إلا للعلم به فيخف الأمر كما ذكره شيخنا المتقدم حاصله يستحب الدخول إليها إلا إذا كانت زحمة فلا يليق دخولها بل تركه أولى هذا كله إذا كان فيه السلامة من الأذية للمسلمين وإلا فيحرم نعم الحال يحمل الإنسان على أكثر من هذا وقد حصل لي عند الدخول أمر عظيم لا أستطيع التعبير عنه إذ ورد علي حال عظيم وابتهال قوي وقد طال بقاؤنا فيها حتى قضينا حوائجنا على التمام والوفاء فالله يتقبل منها ومن كل من كان معنا بمنه وكرمه إذ يحدث عند الدخول أمر عظيم لا يمكن التعبير عنه غير انه لا ينبغي رفع البصر فيه إلى السقف بل يستشعر الداخل عظمته وحرمته وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت عجبا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يرفع بصره قبل السقف ليدع ذلك إجلالا وإعظاما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة فما خالف نظره موضع سجوده حتى خرج منها صلى الله عليه وسلم.


والبيت الآن على ثلاثة أعمدة من العود ونقضوا منه من جهة الحجر مقدار السلم ولما فرغنا من الطواف ركعنا خلف المقام وأكثرنا من شرب ماء زمزم عند ذلك وأني شربته بنفس اشتياق قذفت منه طعم الحليب السحن ولقد سألت عن ذلك من ظننت فيه الذوق أخبرني بذلك ولا سعي بعد طواف الإفاضة [لمن قدم السعي عند طواف القدوم ونحن قد سعينا عنده فلا سعي بعد طواف الإفاضة](1) وكثير من الجهال يعيد السعي وهو عذاب من غير فائدة إذ الأول كاف حاصله أن السعي لا بد وأن يكون بعد طواف وأما كونه بعد طواف واجب فيجبر بالدم وكثير من المتفقهة يعتقد أن من لم ينو الفريضة أعاد السعي كما حكاه الإمام أبو سالم وليس كذلك إذ شرط صحة السعي أن يكون متوقفا على الطواف وأما كونه واجبا فيجبر بالدم إذ كونه بعد طواف شرط وكونه بعد الفرض واجب فيجبر بالدم فإن من سعى بعد طواف القدوم صح ولو لم يستحضر نية الوجوب لأن نية الإحرام كافية إذ النية عند الأجزاء غير شرط كما في الصلاة. وبالجملة فإن علم التلازم بين السعي والطواف فلا دم وإلا فدم إذ الفريضة هي العلم بالتلازم بين السعي والطواف إلخ ما ذكره انتهى.

وقد ذكر الشيخ يحي الحطاب وكذا والده في شرحه على المختصر أن من سعى بعد طواف الوداع أو طواف تطوع يؤمر بإعادته إن كان بمكة وإن تباعد لزمه الهدي وقوله ونوى فرضيته أي فلا بد أن يكون السعي بعد طواف ينوى فرضه كطواف القدوم وطواف الإفاضة هذا معناه وإن كان هذا غير ظاهر منه أنظر الشيخ إبراهيم الشبر خيتي وغيره.

ولما فرغنا من الطواف استرحنا ساعة في أخريات المسجد بل صلينا المغرب فيه وقد خالفنا السنة لأنه من السنة أن يأتي الإنسان قبل الزوال فيطوف ويرجع ويصلي

__________________

(1) ما بين القوسين ساقط في نسخة.


الظهر بمنى كما هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل إنما صلى الظهر بمكة وكان نزولنا في منى بسفح الجبل وراء المسجد الكبير قرب مسجد محوط أعني غارا يشبه المسجد الصغير والناس يزورونه ويصلون فيه وقد زرته والله اعلم انه الغار الذي نزل فيه والمرسلات وخبره مذكور في الصحاح (1) واسم الجبل تبير انظر رحلة شيخنا سيدي أحمد بن ناصر وإنما نزلنا هناك لقرب المسجد والاستخلاء والتستر وإمكان المشي إلى الجمرات لقلة الخلق فيه ولقد جمع الله فيه أصناف الخلاق ما لا يعد ولا يحصى وكذا ما ذبح في منى من الهدايا فلا تعلم (2) الغني والفقير وهي ضيافة عظيمة لا يقدر على القيام بها إلا خالق هؤلاء الخلق لقد كثر اللحم وانتشر حتى استغنى الخاص والعام فضلا عن الفقراء ومنى زمان الحاج آية عظيمة تدل على وحدانية الله وعظيم كبريائه وكذا مكة إنها متسع الحاج بلغ ما بلغ وكذا مسجدها فانه يسعهم للصلاة وكل ذلك من الخوارق المستمرة إلى قيام الساعة فالسعيد يحصل له اليقين التام والمعرفة الكاملة من اعتبار تلك الجموع ومن كفايتها ماء وطعاما وحطبا وعلفا وسعة (3) وفواكه وبز (4) التجارة فكيف يتوهم عاقل ثبوت الكمال لغيره تعالى وأنّى يصح لمتكبر أن يقول أنا أو لذي جاه أن يقول قدرت أو لغني يقول ما ملكت أو ذي سلطان يقول عندي عساكر فلم يبق إلا التوكل على الله والاعتماد عليه فإن العاقل تضمحل نفسه عند رؤية ذلك هيبة وإجلالا وعظمة وحينئذ يرى سطوة البارئ عز وجل (5) فينطق المعتبر قهرا وغلبة بقوله سبحان الملك الخلاق إلا له الخلق والأمر له الملك وله الحمد هذه الضيافة الحسية ما أشد وسعها إذ الغني ذلك اليوم إن سخا صار من ملوك الجنة

__________________

(1) كذا في جميع النسخ ولعله صحيح البخاري كما في السطر الأخير من ص 398.

(2) في نسخة ما عم.

(3) في جميع النسخ سيعة.

(4) في نسخة بزر.

(5) كذا في نسخة وفي غيرها بياض.


والفقير صار غنيا فيه فالضيافة المعنوية أعظم لأنها المغفرة الشاملة ، والرحمة التامة ، والنعمة العظيمة ، والمثوبة القوية ، بحيث يكون كل أحد مغفورا له ، ومنعما عليه ومقربا منه ، ومحبوبا لديه وآخذا بيده ، إذ ما كل موضع من تلك الأماكن الشريفة ، إلا له خاصية عظيمة ، في الغفران والاستجابة وكل ذلك فضل من الله تعالى نسأله سبحانه أن يعمنا فضله ، ويتحفنا برضوانه ، ويعاملنا بإحسانه ، وقد انقضى عنا يوم العيد وبتنا تلك الليلة في منى في نعمة شاملة ، وبركة عظيمة ، وعلينا منار الحج.

بلغت يا نفسي المنى في منى
 

 

وقد أزال الله عنك العنا
 

فاستنفذي وسعك في حمده
 

 

وشيدي منك بناء الثنا
 

ثم عمرت الأسواق ، وكثرت الإنفاق ، وأخرجت البضائع ذوات الأثمان وصنوف التجارات وتزاحم الناس على الشراء رجاء بركة ذلك المكان في ذلك الزمان وأكثر التحار يقولون من اشترى شيئا في منى وجعله في تجارته وجد بركته وظهر له ثمرته ولا يبعد ذلك فانه موسم شريف ومحل بركة وتشريف يأتيه الناس من كل فج عميق ليشدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معدودات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام وقد عمهم الله فيه من أمر دنياهم وأخراهم بغاية الإنعام ولما زالت الشمس توضأنا فخرجنا لرمي الجمرات الثلاث بلا مهلة ولا توان مبتدئين بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف ووقفنا عندهما وقوفا ظاهرا بينا سائلين الله تعالى حوائج الدنيا والآخرة مبتهلين متضرعين لله عز وجل إذ المطلوب الوقوف عند الأوليين مقدار سورة البقرة عند الأولى وفي الثانية دون مقدار آل عمران وإن لم نقف كذلك فقد وقفنا قريبا من ذلك عند الأوليين ثم سألنا الله الرحمة والعافية والتوفيق لنا وللأحبة ولجميع المسلمين عامهم وخاصهم لا سيما القريب لنا في الله وفي الدم.


قال شيخنا المذكور ولما كانت الليلة الثالثة (1) بالغ أهل مصر وأهل الشام في إيقاد المشاعل (2) والمصابيح واتخاذ المصانع منها وصور الأشجار والأخبية وإكثار الرمي بالمدافع والبنادق والمحارق المرتفعة في الجو وفي ذلك نزهة للأبصار ، وتسلية للأفكار ، ومجال للاتعاظ والأذكار ، والقبول والإنكار ، منزل جميع أصناف العباد ، وحشر إليه عمار البلاد ، فهو أجمل الأندية ، ومبانيه أحسن الأبنية ، تشرق في النهار فساطيطه المؤنقة وفي الليل بالمصابيح المشرقة.

قال الإمام أبو سالم وبالجملة فأيام منى غرر في أوجه الزمان ، ومواسم الفرح وسرور لأهل الإيمان ، ومناهل رحمة ومغفرة من الله ورضوان ، ومجال بركة وعافية وأمان ، يتجلى فيه الحق لوفده بصفة الجمال ، جزاء على رضاهم قبل ذلك بتجلي الجلال ، فهنالك يستصغر المرء ما قاساه في طريقه من الشدائد ، في جنب ما حصل له من النعم والفوائد ، انتهى.

وفي اليوم الثالث أخذ الناس في الرحيل والتجهيز للانتقال إلى مكة لقوله تعالى : (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى) وتعجلت الأركاب وطويت الأخبية ، ونقضوا الأبنية ، وفي تلك الأيام لا تقع صلاتنا إلا في مسجد الخيف الذي نزلنا حذاءه وهو المسمى بمسجد علي قيل أن علي بن أبي طالب أول من بناه وهو موضع منزل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في حجة الوداع.

قال الإمام أبو سالم هذا المسجد من المحراب إلى الباب أربعمائة قدم وعرضه ثلاثمائة وأربعون وبوسط المسجد قبة مثمنة كل ثمن منها أربعة وعشرون قدما ورأيت

__________________

(1) في الرحلة الناصرية الثانية وهو الأصوب.

(2) لا توجد هذه الكلمة في الرحلة الناصرية.


في بعض التواريخ أن في محل هذه القبة كان فسطاط النبي صلى الله عليه وسلم وصحن هذا المسجد كبير إذ السقف من مقدمه نحو أربعة من الصفوف ومن سائر الجوانب غير مسقف قال وقد رأيت قبل هذا في أحد سواري هذا المسجد مكتوبا ما أظن أن صورته هكذا :

أيها الغائبون بالله جودوا
 

 

لغريب بدعوة أن قدمتم
 

كان ما قبل هاهنا مثل ما قد
 

 

كنتم حاضرا كما قد حضرتم
 

وتحته مكتوب ما نصه :

قد حضرنا بذا المكان وغبتم
 

 

وشهدنا به كما قد شهدتم
 

وذكرناكم بكل جميل
 

 

فاذكرونا بمثله إن حضرتم
 

ووجدت في سارية أخرى بيتا مفردا وهو :

إن في الجنة نهرا من لبن
 

 

لعلي وحسين وحسن
 

قال وقد صدق قائله إلا أنه تشم منه رائحة التشيع وان هذا النهر خاص بهم رضي الله عنهم وبمن والاهم دون غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وهو مذهب الرافضة ومذهبنا معشر أهل السنة أنه لهم ولغيرهم من الصحابة وصالحي الأمة رضي الله عن جميعهم وجعلنا ممن أحسن من تابعيهم آمين انتهى.

فلما رمينا الجمار الثلاث عند الزوال وأرغمنا بها أنف الشيطان. زرنا المساجد أحدها فوق العقبة ولا تعرف ما اسمه والثاني مسجد في الشعب وأظنه الذي نص عليه شيخنا في رحلته ونصه وملنا إلى مسجد الكبش فزرناه ثم بعد مسجد العقبة أتيناه وهو المكان الذي بايع فيه الأنصار رضي الله عنهم بيعة العقبة فهو من المساجد المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم المتبرك بها وهو معدود من الأماكن التي


يستجاب الدعاء عنده وهو في الشعب تحت الجمرة بيسير على يسارك وأنت ذاهب من مكة إلى منى قال فسرنا فجئنا المحصب فنزلنا بإزاء مسجد عائشة وصلينا الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقدنا رقدة ثم ذهبنا إلى العمرة وأحرمنا لها من التنعيم لتعذر الجعرانة من شدة الخوف وقلة الرفيق انتهى.

هذا وأن شيخنا المذكور نزل المحصب للسنة وتأخر عن التعجيل ليحصل الفضيلة المتروكة والناس في زماننا قد تركوا ذلك كله إلا من شذ من الناس لكثرة الأذية والخوف من اللصوص وقد زاد الفساد والظلم والتعدي من الأشراف وغيرهم من أصحابهم فلا يكادون يرجعون عن التعدي بل على أقل شيء يقتلون عليه العبد ولقد قتلوا صاحب أخينا في الله سيدي محمد بن قسوم الريغي على شربه الماء.

حاصله أني دخلت على سلطان مكة المشرفة في داره في منى في بعض الإبل ذهبت للحجاج أغار عليها العرب فاستأذنا في الدخول عليه أنا وجماعة من الفضلاء فأذن لي منفردا في الدخول وحدي ومن معي بقي عند باب الدار ينتظرون ما أرجع به فلما دخلت عليه وجدته جالسا على فرش مرتفعة مواجها باب طاق ينظر الأركاب ويعتبر ومعه أشخاص قليلة فلما قربت منه تحرك عن موضعه فقبل كتفي وقبلت كتفه ثم قال ما تريد قلت الجمال لأن العرب أغاروا عليها عند البئر الفلاني وقلت له ألم تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.

نعم لما سمعني قلت كلكم راع وكلكم الحديث وقد فرح بي وسر سرورا عظيما لما علم أني صاحب علم وانبسط وجهه انبساطا كاملا فتحرك وجدا وقال نعم فإن دخلنا مكة نأتكم بالإبل التي ضاعت لكم واعتذر لي بان قال ما ضيع الأحكام إلا


الأشراف فإن أمرهم قد قوي علي وعلى غيري أو كلاما هذا معناه والله اعلم وقد سألني عن وطني ونسبي فأجبته بما حاصله أني من عمالة الجزائر وأني شريف فلما أردت الانفصال سألني الدعاء له ولذريته وقام وودعني توديع الحبيب لحبيه وهذا السلطان اسمه مساعد وأما الحجة الأولى فقد كانت في ولاية أخيه السلطان مسعود وهذا كله يرشد إلى أن الزمان قد زاد في الظلم والتعدي نعم الحج قد كاد أن يكون ساقطا من الظلم من الولاة وأصحابهم والعرب والظلم الكبير من الشيالين زادوا في الارتياش للظلام والشكوة.

تتمة قد دخلنا مكة وسكنا دارا بالكراء أنا وأهلي وأما أصحابنا الفضلاء سيدي أحمد بن حمود وسيدي أحمد الطيب وسيدي أحمد الشريف الطرابلسي وأصحاب كل قد أكترى كل واحد دارا لنفسه مع أصحابه وإنما يكون اجتماعنا في المسجد الحرام وقد لزمته أيامي هناك فلا أخرج إلا لأمر مهم لا بد من الخروج إليه وأني دخلت الكعبة كما ذكرنا أولا والله اعلم أني لقيت صاحب السعد الكامل في الطواف وفي بعض الجمرات تقبل الله من جميعنا ثم بعد ذلك أتينا بالعمرة من التنعيم لتعذر الجعرانة من الخوف كما سبق مع اغتسال جميعنا هناك وأحرمنا بها وقضيناها ليلا بسعيها وطوافها وحلاقها والحمد لله على التمام ولله در شيخنا حيث قال :

وردّت إلى البيت الحرام وفودنا
 

 

تحن له كالطير حنّ لمأواه
 

وطفنا طوافا للإفاضة حوله
 

 

ولذنا به بعد الجمار وزرناه
 

ومن بعد ما زرنا دخلناه دخلة
 

 

كأنا دخلنا الخلد حين دخلناه
 

ونلنا أمان الله عند دخوله
 

 

كما أخبر القرآن فيما قرأناه
 

إلى أن قال :

وكم موقف فيه يجاب لنا الدعا
 

 

دعونا به والفضل فيه نويناه
 

 


 

ولما قضينا للإله مناسكا
 

 

ذكرناه والمطلوب منه سألناه
 

فمن طالب حظا لدنياه ما له
 

 

خلاق بأخراه إذا الله لاقاه
 

ومن طالب حسنى بدنيا لدينه
 

 

وحسنى بأخراه وذاك يوفاه
 

وآخر لا يبغي من الله حاجة
 

 

سوى نظرة في وجهه يوم يلقاه
 

قال شيخنا المذكور ذكر المشاهد التي ينبغي للحاج أن يزورها بمكة شرفها الله تعالى : منها الدار التي ولد فيها صلى الله عليه وسلم وقد جعلت الآن مسجدا ومزارا عظيما تفد إليه الوفود من كل ناحية أيام المولد النبوي هذا على ما علم مما وقع من الاختلاق في كتب السير في مولده صلى الله عليه وسلم هل هو بمكة أو بالأنواء وعلى انه بمكة فقيل بالشعب وقيل بالمحصب إلى غير ذلك من الأقوال ولا أدري من أين أخذ الناس تعيين هذا المحل بالخصوص اللهم إلا أن يثبت أن تلك دار والده أو جده صلى الله عليه وسلم فيترجح القول بأنه في مكة بقضية عادية وهي أن ولادة الإنسان في الغالب في منزل والده وأن أريد بالشعب شعب أبي طالب الذي انحاز إليه مع بني هاشم وبني المطلب في قضية الصحيفة فلا يبعد ذلك لأن هذه الدار قريبة من الشعب من أسفله والعجب أنهم عينوا موضعا من الدار مقدار مضجع وقالوا انه موضع ولادته صلى الله عليه وسلم.

قال شيخنا أبو سالم ويبعد عندي كل البعد تقييد ذلك من طريق صحيح أو ضعيف لما تقدم من الخلاف من كونه في مكة أو غيرها وعلى القول بأنه فيها ففي أي شعابها وعلى القول بتعيين هذا الشعب ففي أي الدور وعلى القول بتعيين الدار فيبعد كل البعد تعيين الموضع من الدار مع مرور الأزمان والأعصار ، وانقطاع الآثار ، والولادة وقعت في زمان الجاهلية وليس من يعتني بحفظ الأمكنة لا سيما مع عدم


تعلق غرض لهم بذلك وبعد مجيء الإسلام فقد علم من حال الصحابة وتابعيهم ضعف اعتنائهم بالتقييد بالأماكن التي لم يتعلق بها عمل شرعي لصرف اعتنائهم رضي الله عنهم لما هو أهم من حفظ الشريعة والذب عنها بالسنان واللسان وكان ذلك هو السبب في خفاء كثير من الآثار الواقعة في الإسلام ومن مساجده عليه الصلاة والسلام ومواضع غزواته ومدفن كثير من أصحابه مع وقوع ذلك في المشاهد الجليلة فما بالك بما وقع في الجاهلية لا سيما ما لا يكاد أن يحضره أحد إلا من وقع له كمولد علي رضي الله عنه ومولد عمر ومولد فاطمة رضي الله تعالى عن جميعهم فهذه أماكن مشهورة عند أهل مكة فيقولون هذا مولد فلان وهذا مولد فلان وذلك من البعد أبعد من تعيين مولده عليه الصلاة والسلام لوقوع كثير من الآيات ليلة مولده صلى الله عليه وسلم وقد يتنبه بعض الناس لذلك بسبب ما ظهر من الآيات وإن كانوا أهل جاهلية وأما مولد غيره ممن ولد في ذلك العصر فتكاد العادة أن تقطع بعدم معرفته إلا أن يرد خبر عن صاحب الواقعة بنفسه أو أحد من أهل بيته وحاصل الأمر أن هذه الأماكن اشتهرت بين الناس فتزار بحسن النية لعظم قدر من أضيفت إليه صلى الله عليه وسلم فليستحضر الزائر في قلبه عظمة من نسبت إليه الأمكنة وعظمة تلك النسبة ولا يشغل قلبه بصحة النسبة وضعفها لوجودها في الخارج ولو عدمت في نفس الأمر لرعاية تعظيم الموجودة على النسبة له أثر كبير يعني الجلب والدفع نسأله تبارك وتعالى أن يجعلنا ممن يعظم حرماته وشعائره تعظيما يوافق أمره وقد مر قريبا ذكر باقي المزارات التي تزار في مكة.


ذكر من لقيتهم في الحرم المكي من الأئمة

الشيخ أحمد المخيلي (1) الشافعي والشيخ عبد الله بن سالم البصري الشافعي والشيخ محمد تاج الدين مفتي الحنفية وابناه الشيخ عبد المحسن والشيخ عبد المنعم والشيخ عبد القادر بن أبي بكر الحنفي المفتي كان تولى الفتوى قبل والشيخ محمد أكرم الهندي والشيخ مصطفى بن فتح الله الحموي المكي الشافعي وله تآليف على التاريخ ذكر فيه علماء الحادي عشر وصلحاءه وأدباءه وملوكه وشعراءه أطلعني على سفر منه ذكر فيه المحمدين فقط ولم يكمل إلى الآن وله رحلة إلى اليمن ولقي الوالد وأخذ عنه وجعل له ترجمة والشيخ محمد بن عبد الباقي الإسكندراني المالكي والشيخ إدريس بن أحمد الصعدي الشافعي وهو نسبة إلى صعدة بلدة باليمن والشيخ عبد الرحمن السندي والد أكرم والشيخ عبد الكريم الهندي.

وفي عام ستة وتسعين التقينا بمكة وأكرمنا بها الشيخ الحسين العجمي (2) والشيخ الحسين الحنفي المكي وأهدى لنا عكازا من الخيزران والشيخ علي اليمني والشيخ عبد الله اليمني وهما من أصحاب سيدنا الوالد رضي الله عنه وطلعا معنا إلى جبل أبي قبيس فجلسنا هنالك سويعات للدعاء ومشاهدة البيت العتيق والمسجد الحرام ومكة كلها قعيقعان وغير ذلك من الأمكنة العظيمة وزرنا هناك وليا مدفونا بروضته عليه بناء بأحجار وهناك بيت فوق شعب بني هاشم قالوا من حوله وحياله انشق القرم له صلى الله عليه وسلم وزارا معنا غير ذلك جزاهما الله خيرا انتهى.

وأما من أجازه في مكة فأنظره في رحلته وكذا من لقيه فيها وأما من لقيته فيها فقد

__________________

(1) كذا في جميع النسخ وفي الرحلة الناصرية النحلي.

(2) الرحلة الناصرية العجيمي.


لقيت كثيرا من الفضلاء الآجلة والبدور الأهلة وكذا زيارة المواطن فقد زرت مقبرة مكة كالشيخ ابن حجر الهيتمي شارح الهمزية وكذا قبر زوج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وكذا الأماكن المذكورة في مكة.

وأما الغار الذي اختفى فيه صلى الله عليه وسلم وكذا غار تحنثه أي غار حراء فإنما زرناهما بالنية فقط عن بعد وكذا الجعرانة.

تتمة أذكر من أخذ عليه شيخنا سيدي أحمد بن ناصر فأقول قال عن شيخنا الأنصاري وهو عن أبي محمد بن طاهر الحسني وأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن الدلائي والشهاب أبي العباس المقّري التلمساني.

أما الأول فأخذه كذلك عن غير واحد ومن أجلهم أبو العباس أحمد بن علي المنحور الفاسي وهو عن جماعة منهم أبو محمد عبد الرحمن بن علي بن أحمد القصري المعروف بسقين والعلامة أبو الحسن علي بن هارون المضغري وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن اليسينني وأبو محمد عبد الواحد بن أحمد بن يحيي الونشريسي الفاسيون وهم أربعة أخذوه عن حافظ المذهب في عصره أبي عبد الله محمد بن أحمد بن غازي وزاد سقين عن أبي العباس أحمد زروق الفاسي وزاد عبد الواحد عن أبيه أبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي التلمساني ثم الفاسي مؤلف المعيار المعروف في النوازل.

وأما الثاني والثالث فأخذاه عن أبي عبد الله محمد بن قاسم القيسي الشهير بالقصار وهو عن اليسيتنني وغيره والسيتنني عمّن تقدم وعن الفقيه أبي العباس بن علي الزقاق الفاسي وهو عن أبيه علي بن محمد الزقاق وزاد الثالث وهو الشهاب المقري فأخذه عن عمه إمام الفتوى بتلمسان بالمغرب ستين سنة أبي عثمان سعيد المقري وهو عن أبي عبد الله محمد بن محمد التنسي وهو عن أبيه الحافظ أبي عبد الله


محمد بن عبد الجليل التنسي التلمساني وقد انتهت الطرق باعتبار ما وقفنا عليه إلى خمسة أعيان من أعلام فاس وتلمسان الإمام ابن غازي والشيخ زروق والعلامة الونشريسي والمحقق الزقاق والحافظ التنسي أما ابن غازي فعن جماعة من أجلهم أبو عبد الله محمد بن قاسم القوري اللخمي المكناسي والمحقق النظار أبو العباس أحمد المزدغي وأبو زيد الكاواني أما القوري فعن الجاناتي وأما المزدغي والكاواني فعن أبي مهدي عيسى بن علال وأبي القاسم التازغدري والجاناتي وابن علال فهما عن العبدوسي الفاسي وهو عن القوري الفاسي صاحب التقييد على المدونة المنسوب لأبي الحسن الصغير وعن شيخ الرسالة والمدونة أبي زيد عبد الرحمن بن عفان الجزولي والقوري عن شيخ الإسلام أبي الحسن الصغير بضم الصاد المهملة وفتح العين المعجمة وتشديد المثناة التحية وهو وابن عفان الجزولي عن الشيخ أبي الفضل راشد ابن أبي راشد الوليدي الفاسي وعن شيخ المدونة الأعرج صاحب الطرر على المدونة وهما عن أبي محمد صالح الهسكوري الفاسي وهو عن أبي موسى المومناني وأبي القاسم بن البقال وهم عن خلف ابن عبد الملك بن بشكوال وهو عن ابن عتاب وأبي الوليد ابن رشد والقاضي أبي بكر ابن العربي وغيرهم.

وأما الشيخ زروق فعن القوري وعن عالم الصلحاء وصالح العلماء أبي زيد عبد الرحمن الثعالبي الجعفري مؤلف شرح ابن الحاجب وغيره وعن أبي العباس حلولو شارح المختصر وغيره وعن قاضي الجماعة الرصاع التونسي شارح حدود ابن عرفة وغيره والثلاثة الرصاع والثعالبي وحلولو أخذوه عن النظار البرزلي مؤلف النوازل المشهورة وزاد الثعالبي عن العلامة محمد بن خلفة الأبّي مؤلف إكمال الإكمال والحافظ أبي الفضل ابن مرزوق الحفيد زواد حلولو عن ابن ناجي شارح الرسالة والمدونة وزاد الرصاع عن ابن عقاب التونسي وزاد الرصاع أيضا مع الثعالبي عن عبد العزيز بن موسى بن معطي العبدوسي الفاسي والجميع ما عدا العبدوسي عن أبي عبد الله محمد


بن عرفة الروغمي التونسي وزاد البرزلي عن قاضي الجماعة أحمد بن حيدرة التونسي وأما العبدوسي فعن أبيه أبي عمران العبدوسي بسنده المتقدم وأخذه الإمام ابن عرفة والقاضي ابن حيدرة عن جماعة منهم قاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن عبد السلام الهواري التونسي شارح ابن الحاجب وهو أخذه عن جماعة منهم العلامة المعمر (1) والإمام المجتهد محمد بن هارون التونسي شارح ابن الحاجب ومختصر المتيطية وهما أخذاه عن جماعة منهم ابن هارون القرطبي ثم التونسي وهو عن أبي القاسم ابن بقى القرطبي وهو عن محمد بن عبد الحق الخزرجي القرطبي وهو عن ابن فرج مولى ابن الطلاع.

وأما الحافظ الونشريسي فعن جماعة أعلام أجلهم أبو الفضل قاسم بن سعيد العقباني التلمساني وولده أبو سالم والعلامة محمد العبادي التلمساني وأخذ أبو العباس عن أبي الفضل قاسم المذكور عن إمام المغرب وقطبه الحافظ المطلق أبي الفضل محمد ابن مرزوق الحفي التلمساني وهما أخذاه عن أبي عثمان سعيد العقباني وزاد الحفيد عن أبيه وعن العلامة المحقق أبي محمد عبد الله بن محمد الشريف التلمساني عن الإمام ابن عرفة بسنده المتقدم وأما العقباني وابن عرفة أيضا فأخذاه عن أبي عبد الله محمد بن سليمان السطّي وزاد العقباني عن التلمسانيين أبي زيد وأبي موسى ابني الإمام وهما أخذاه عن جماعة منهم ابن تميم اليفرني وهو والحافظ السطي عن أبي الحسن الصغير.

وأما والد الحفيد ابن مرزوق فعن والده الإمام الجليل ابن مرزوق الخطيب وهو عن السطي بسنده وعن العلامة ابن راشد البكري القفصي شارح ابن الحاجب وهو عن العلامة المجتهد شهاب الدين أحمد ابن إدريس القرافي مؤلف الذخيرة وغيرها

__________________

(1) في الرحلة الناصرية بإسقاط وهو أخذه عن جماعة منهم العلامة المعمر.


وهو (1) عن القاضي ناصر الدين الأبياري وعن العلامة النظار أبي العباس ناصر الدين ابن المنّير الاسكندراني وثلاثتهم أخذوه عن إمام التحقيق وفارس الإتقان أبي عمر جمال الدين عثمان بن أبي بكر ابن الحاجب وهو أخذه عن العالم الراسخ شمس الدين أبي الحسن الأبياري بكسر (2) الهمزة وسكون الباء الموحدة بعدها مثناة تحتية وهو أخذه عن أبي طاهر إسماعيل بن مكي بن إسماعيل بن عيسى بن عوف الزهري من ذرية عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وهو عن الإمام الكبير أبي بكر الطرطوشي.

وأما العلامة عبد الله الشريف التلمساني فعن والده الإمام النظار التلمساني وهو عن ابني الإمام أبي موسى وأبي عيسى وعن الحافظ السطي بسنده المتقدم وهو عن الرزلي (3) وهو عن أبي الحسن الصغير بسنده.

وأما أبو الحسن الزقاق الفاسي فعن القوري وعن الحافظ العبدري الغرناطي المعروف بالمواق وهو عن جماعة منهم الإمام القاضي محمد بن محمد بن السراج الغرناطي وهو عن فرج ابن قاسم بن أحمد بن لب الغرناطي أيضا وهو عن أبي عبد الله المعروف بابن أبي بكر المالقي وهو عن الحافظ الكبير أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير وهو أخذه عن جماعة منهم القاضي الجليل أبو عبد الله ابن غازي الأنصاري السبتي والقاضي أبو الخطاب السكوني وهو عن أبيه أحمد بن خليل وهو وابن غازي عن إمام الشورى أبي الفضل عياض ابن موسى اليحصبي مؤلف التنبيهات وغيرها وهو عن شيوخ المذهب أبي عبد الله التميمي السبتي وقاضي الجماعة بقرطبة أبي الوليد ابن رشد القرطبي مؤلف البيان والتحصيل والمقدمات وغيرها والإمام أبي عبد الله

__________________

(1) في الرحلة الناصرية بإسقاط هو.

(2) في الرحلة الناصرية بفتح وهو الأصوب كما في التاء.

(3) في الرحلة الناصرية البرونين.


ابن الحاج القرطبي صاحب النوازل وغيرها والقاضي أبي بكر ابن العربي الأشبيلي مؤلف القبس وغيره والإمام ابن عتاب القرطبي أيضا وبالإجازة مثله.

وأما الحافظ التنسي فعن جماعة منهم الحافظ أبو الفضل ابن مرزوق الحفيد وهو عمن تقدم ومن جملتهم العلامة عبد الله بن محمد الشريف التلمساني وهو عمن تقدم وعن الإمام القباب وهو عن قاضي الجماعة أبي عبد الله القشتالي صاحب الوثائق وهو عن أبي الحسن ابن سليمان القرطبي وهو عن أبي عمر ابن حوط القرطبي أيضا وهو عن أبيه وهو عن الإمام الجليل أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الحفيد مؤلف بداية المجتهد ونهاية المقتصد وغيره والحافظ البرزلي عن أبي عبد الله بن سعيد بن زرقون مؤلفا لأنوار في الجمع بين المنتقى والاستذكار وغيره فالأول وهو الحفيد أخذه عن أبيه عن جده وعن الإمام النظار المجتهد القوي (1) الباع في تحقيق النظر أبي عبد الله محمد بن علي التميمي المازري مؤلف شرح التلقين وغيره والثاني وهو ابن زرقون أخذه عن القاضي أبي الفضل عياض.

جامعة ، مشارق أنوارها لامعة قد انتهت الطرق إلى أعلام الطبقة وشيوخ الفتيا وأئمة الشورى الإمام المازري وأبي الوليد ابن رشد وابن الحاج وأبي بكر الطرطوشي وابن العربي وأبي محمد ابن عتاب والقاضي ابن عيسى التميمي أما الإمام المازري فعن أبي الحسن علي بن محمد اللخمي مؤلف التبصرة والمحقق النظار أبي محمد عبد الحميد المعروف بابن الصائغ مكمل تعليقة التونسي وهما عن أبي إسحاق إبراهيم بن حسن التونسي مؤلف التعليقة على المدونة والعلامة ابن محرز القيرواني مؤلف التبصرة وهما عن الإمامين أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران الفاسي وهما عن شيخي المذهب وموشي طرازه المذهب أبي محمد عبد الله ابن أبي زيد مؤلف الرسالة والنوادر

__________________

(1) في الرحلة الناصرية المديد.


والمختصر وغيرها وأبي الحسن علي بن محمد بن خلف القابسي وزاد أبو بكر بن عبد الرحمن عن أبي القاسم الغافقي الجوهري المصري وزاد أبو عمران الفاسي عن وهما أبي عبد الله المعروف بالوشاء المصري وهما أعني الوشاء والجوهري أخذاه عن أبي إسحاق ابن شعبان المعروف بالقرطي (1) بقالف مضمومة وراء ساكنة وطاء مهملة بعدها ياء النسبة المصري مؤلف الزاهي ومختصر ما ليس في المختصر وهو عن أحمد الصدفي المصري المعروف بالزياتي (2) وهو عن رابع المحمدين أبي عبد الله محمد ابن عبد الحكم وهو عن أبيه وابن القاسم وأشهب وابن وهب.

وأما الشيخان الراسخان أبو محمد ابن أبي زيد وأبو الحسن القابسي فأخذاه عن أبي ميمونة ابن إسماعيل الفاسي وعن الأبياني بكسر الهمزة والموحدة المشددة المكسورة بعدها مثناة تحتية وزاد ابن أبي زيد عن الحافظ أبي بكر محمد بن اللباد القيرواني وعليه عمدته وعن أبي العرب محمد بن أحمد بن تميم التميمي أما أبو ميمونة ابن إسماعيل المذكور فأخذه عن جماعة منهم الحافظ ابن عبد الله ابن أبي مطر وهو أخذه عن محقق المذهب أبي عبد الله محمد بن المواز مؤلف المختصر المعروف بالموازية وهو أخذه عن محمد ابن عبد الحكم وابن الماجشون واصبغ والحارث بن مسكين والأخيران أخذاه عن ابن القاسم وأشهب وابن وهب.

وأما الثلاثة أبو العباس الأبياني وأبو بكر ابن اللباد وأبو العرب التميمي فأخذوه عن الإمام المجاب الدعوة أبي زكرياء يحيى بن عمر الأندلسي القيرواني مؤلف اختصار المستخرجة وعن الحافظ المقدم أبي جعفر المعروف بابن الصواف وعن أحمد بن محمد الأشعري المعروف بحمديس القطان وثلاثتهم أخذوه عن الإمام أبي سعيد

__________________

(1) في الرحلة الناصرية القهري بقاب مضمومة وراء ساكنة وهاء مهملة بعدها ياء النسبة.

(2) في الرحلة الناصرية الزيات.


عبد الله بن سحنون القيرواني مؤلف المدونة وتسمى أيضا المختلطة وهو أخذه عن علي بن زياد التونسي وأبي أشرس وابن غانم وابن القاسم وأشهب وابن وهب وعبد الله بن عبد الحكم وعبد الملك بن الماجشون.

وأما زعيم فقهاء وقته أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد وأبو عبد الله أحمد بن الحاج فأخذاه عن جماعة منهم ابن زرقون (1) القرطبي وعن أبي عبد الله محمد بن فرج مولى الطلاع مؤلف كتاب الشروط وكتاب الأحكام وهما أخذاه عن أحفظ الناس للمدونة ابن اقطا وهو أخذه عن ابن حدّون القرطبي وعن الشيخ ابن الشقاء القرطبي أيضا وهما أخذاه عن ابن المكوي مؤلف كتاب الاستيعاب في المذهب وهو عن أبي بكر اللؤلؤي القرطبي أيضا وعن ابن مسرة مؤلف كتاب النصائح فاللؤلؤي أخذه عن أبي صالح المعافري القرطبي والثاني وهو إبراهيم عن أبي عبد الله ابن لبابة وعن ابن عبد الملك ابن أيمن القرطبي والثلاثة أبو صالح وابن لبابة وابن أيمن أخذوه عن ابن عتبة ابن أبي سفيان مؤلف العتبية ويقال لها المستخرجة أيضا وعن ابن وضاح القرطبي وعن أبي زكرياء يحيى ابن مزين القرطبي مؤلف المستقصية وغيرها وعن النظار ابن مطروح الأعرج والأربعة أعني العتبي وابن وضاح وابن مزين وابن مطروح أخذوه عن يحيى بن يحيى الليثي القرطبي وعن أبي عبد الله أصبغ بن الفرح المصري وزاد الثلاثة سوى ابن مزين عن الإمام سحنون وزاد ابن مطروح وابن مزين عن فقيه الأندلس أبي محمد عيسى بن دينار القرطبي صاحب الأسمعة وهو وسحنون وأصبغ ويحيى عن ابن القاسم وزاد ابن وضاح عن القاضي أبي عر والحارث بن مسكين المصري وعن الفقيه أبي مروان عبد الملك بن الحسن المعروف بزونان وعن عالم الأندلس أبي مروان عبد الملك بن حبيب مؤلف الواضحة وغيرها والأولان ابن

__________________

(1) في الرحلة الناصرية رزق.


مسكين وزونان أخذاه عن ابن القاسم وأشهب وابن وهب والثالث وهو ابن حبيب أخذه عن أصبغ بن الفرج وعن الغازي ابن قيس وعن زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون وعن مطرف وابن الماجشون وعبد الله بن نافع وعبد الله بن عبد الحكم.

وأما شيخ الشيوخ أبو بكر الطرطوشي فأخذه عن النظار المعروف بالباجي الأندلسي مؤلف المنتقى وغيره وهو عن أبي الأصبغ ابن سهل القرطبي مؤلف الأعلام بنوازل الأحكام ومن طريق القرويين عن مكي القيسي ومن طريق العراقيين عن أبي الفضل ابن عمروس البغدادي أما ابن سهل فعن القطان بسنده وعن شيخ المفتين ابن عتاب القرطبي ولازمه واختص به وعن الفقيه أبي بكر يحيى بن محمد الغساني القليعي أما ابن عتاب فأخذه عن جماعة منهم القاضي أبو المطرف ابن بشير المعروف بابن الحصار ولازمه واختص به وكان يفخر به وعن أبي بكر عبد الرحمن بن أحمد التجيبي المعروف بابن حربيل فالأول وهو ابن بشير أخذه عن قاضي الجماعة ابن ذكوان وهو عن ابن اصبغ البياني وهو عن ابن وضاح والثاني وهو ابن حربيل التجيبي المذكور فأخذه عن الخشني مؤلف كتاب الاتفاق والاختلاف في المذهب وهو أخذه عن أبي بكر بن اللباد وأبي جعفر أحمد بن أبي نصر الهواري وهما أخذاه عن يحيى بن عمر ومحمد بن عبدوس ومحمد بن سحنون وجميعهم عن سحنون.

وأما القليعي فأخذه عن محمد بن عبد الله بن أبي زمنين بفتح الزاي والميم وكسر النون البيري مؤلف كتاب المنتخب في الأحكام وهو عن ابن مسرة بسنده.

وأما أبو محمد مكي فعن شيخيه ابن أبي زيد والقابسي بسندهما.

وأما ابن عمروس فعن البغدادي المعروف بابن القصار مؤلف عيون الأدلة في الانتصار للمذهب وعن عبد الوهاب البغدادي مؤلف التلقين والمعونة وغيرهما وهو


أخذه عن الحافظ ابن الجلاب مؤلف التفريع وهو وابن القصار وعبد الوهاب أخذوه عن الأبهري مؤلف الشرح لمختصر ابن عبد الحكم وهو عن الليثي البغدادي مؤلف الحاوي وعن أبي عمرو محمد بن يوسف وعن ابن الجهم المعروف بابن الرواق مؤلف كتاب مسائل الخلاف والحجة لمذهب مالك وشرح المختصر الصغير لابن عبد الحكم وهو وأبو الفرج وأبو عمر وأخذوه عن سهيل بن حماد البصري وهو أخذه عن أحمد ابن المعدل البصري وهو عن ابن الماجشون ومحمد بن مسلمة.

وأما المعافري الإشبيلي فأخذه عن الطرطوشي بسنده وعن ابن العربي وهو عن ابن عتاب بسنده أما ابن عتاب فعن أئمة بسنده.

وأما محمد بن عيسى التميمي السبتي فعن النسيلي وابن عبد الرحيم ابن العجوز وعن الغساني القرطبي أما النسيلي فعن فقهاء سبتة إبراهيم بن يربوع السبتي وابن غالب الهمداني السبتي وهو عن ابن أبي زيد أخذ عنه جميع كتبه بسنده وابن يربوع وهو الهمداني أخذ عن الباجي وهو عن ابن لبابة وابن أيمن بسندهما.

وأما أبو عبد الله ابن العجوز فعن أبي محمد عبد الرحمن وهو عن أبي إسحاق التونسي بسنده وعن أبيه أبي عبد الرحمن عبد الرحيم السبتي وهو عن ابن أبي زيد بسنده.

وأما أبو علي الجياني فعن ابن عبد البر مؤلف الكافي والاستذكار والتمهيد وغيرها وهو عن ابن المكوي بسنده وعن ابن القاضي القرطبي وهو عن جماعة منهم ابن الفخار البيري وعن ابن أصبغ البجاني بموحدة فجيم مشددة أما ابن الفخار فعن ابن سلمة مؤلف مختصر الواضحة وهو عن ابن مروان الهمداني القيرواني وهو عن ابن عبدوس وهو عن سحنون وأخذ ابن مروان أيضا عن سحنون وعن ابن عبد الحكم


أما مجاهد ابن أصبغ فعن سعيد البجاني وهو عن المغامي الدوسي من ذرية أبي هريرة رضي الله عنه وعن ابن ميسر بفتح السين المهملة فالمغامي عن يحيى بن يحيى وابن حبيب وابن مزين وغيرهم بسندهم وابن ميسر أخذ عن ابن المواز بسنده.

جامعة من المدنيين الإمام الثقة المغيرة المخزومي وابن دينار الجهني مولاهم وابن مسلمة وابن مطرف اليساري وابن الماجشون وابن نافع مولى بني مخزوم ومن المصريين عبد الرحمن ابن القاسم العتقي وأشهب وابن وهب وابن عبد الحكم ومن الأفريقييين ابن زياد التونسي وابن اشرس الأنصاري وابن راشد القيرواني ومن الأندلسيين الغازي ان قيس القرطبي وأبو عبد الله ابن شبطون ويحيى بن يحيى الليثي وجميعهم أخذوه عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس وهو أخذ عن الزهري وربيعة ويحيى ابن إسحاق الأنصاري وأبي نمر الليثي والعلاء بن يعقوب مولى الحرقة والحرقة فخذ من جهينة وأبي عبيدة حميد الطويل وأبي عبد الله الثقفي وأبي عثمان بن ميسرة مولى المطلب ابن حنطب المخزومي وهؤلاء عن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم ابن يدرس مولى حكيم بن حزام وأبو عبد الله المنكدر التيمي القرشي وأبو أسامة مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبو نعيم وهب بن كيسان مولى ابن الزبير بن العوام وهؤلاء عن جابر بن عبد الله وزاد بن وهب عن عمر بن أبي سلمة ومنهم أبو عبد الله نافع وابن دينار موليا ابن عمر وهما عن سيدهما ومولاهما عبد الله بن عمر وزاد نافع عن أبي سعيد الخدري وأبي لبابة رضي الله عنهما ومنهم سلمة بن دينار مولى بني ليث وهو عن سهل الساعدي وكذا ابن شهاب الزهري أيضا ومنهم سعيد بن أبي سعيد واسمه كيسان مولى بني جندع وهو عن الكعبي ومنهم نعيم بن عبد الله وهو عن أبي هريرة والجملة من الصحابة المذكورين تلقوه عن سيد الكونين وجمال الثقلين أبي القاسم سيدنا ومولانا ونبينا محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب بن هاشم صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وعظم ومجد وهو عن


الروح الأمين جبريل عليه السلام عن رب العالمين جل جلاله وتقدس كماله انتهى ما نسب لجامعها وصاحب سلسلتها سيدي عيسى بن محمد الثعالبي.

انعطاف الأماكن التي يبنغي زيارتها بمكة خلاف ما تقدم دار الأرقم (1) التي اختفى فيها النبي صلى الله عليه وسلم وبها كان إسلام عمر رضي الله عنه وخبرها مشهور في السير وهي الآن مسجد قرب الصفا ومنها موضع بسوق مكة يسمى المودع يقال أن فيه ودع النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة في حجة الوداع لما أراد الخروج إلى المدينة وهو مكان مشرف تظهر منه بعض أستار الكعبة وليس في أسواق مكة محل تظهر منه الكعبة إلا هذا فيقف الناس للدعاء وقريب من هذا المكان رباط ينسب للشيخ عبد القادر الجيلاني يسكنه الفقراء وله أوقاف وبه قبور تزار لا أتحقق أصحابها ومنها مسجد الجن وهو بأعلى مكة بجانب الطريق بين الدور فيه شجرة يأوي إليها الفقراء ويستظلون فيه وهو المكان الذي جاء فيه الجن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا ومنها شعب أبي طالب الذي انحاز إليه هو وبنو هاشم وخبره مشهور في السير ومنها جبل أبي قبيس يشرف منه على مكة كلها والمسجد والبيت وفيه مغارة يقال أن بها قبر آدم عليه السلام والحجاج يشترون من مكة رؤوس الغنم المشوية ويصعدون إليه يأكلونها ويزعمون أن من فعل ذلك أمن من وجع الأسنان والرأس ومنها قبة على الجبل الذي على يسار الذاهب إلى الشبيكة يقال ان فيها مولد عمر رضي الله عنه ومنها محل في الجبل المشرف على المحصب على يمين الذاهب إلى منى يزعم أهل مكة أن به قين عبد الله بن عمر رضي الله عنه فيخرجون إليه في إحدى ليالي ذي القعدة أظنها الثالثة عشرة رجالا ونساء كبارا وصغارا يبيتون هنالك عامة ليلتهم.

قال أبو سالم وسألت أهل العلم بمكة عن ذلك فأخبروني أنهم لا يعلمون لذلك

__________________

(1) في ثلاث نسخ دار اختصار الأرقم.


أصلا ومن جملة خرافاتهم المتعلقة بتلك الليلة في ذلك أنهم يأخذون معهم نوى التمر فيدفنونه بالأرض في ذلك الجبل تلك الليلة ويزعمون أن من دفن شيئا حصل له في تلك السنة (1) بعدده ريالا أو دنانير وأغرب من ذلك ما حكى لي بعض أصحابنا تصديقا لزعمهم ذلك أن الشيخ علي بن الحمال الشافعي وكان من فقهاء مكة المعتبرين خرج مع بعض أهل مكة في بعض السنين إلى هذا المحل فلما رأى فعلهم ذلك أنكره ثم انه جمع شيئا من النوى حتى جمع نحو المائتين فدفنها ثم وجد سبعا أخرى ودفنها وهو في ذلك كالمتلاعب فلما كان وقت الموسم بينما هو جالس في المسجد الحرام إذ جاء شخص من أهل العراق يسأل عنه حتى وجده فناوله صرة كبيرة وقال له أن جماعة من طلبة الإحساء كانوا يقرءون هنا عندك قبل ذلك وقد جمعوا لك هذه الدار هم بقصد التبرك منك وقد سلموا عليك وهذه مائتا ريال قال فوقع في نفسي تصديق ما زعموا وأني كنت دفنت مائتي نواة ثم قلت وأين السبعة التي دفنتها بعد ذل فلم أرم مكاني حتى رجع إلى ذلك الشخص وقال لي يا سيدي وهذه سبعة أخرى قد تبعني بها شخص بعد ما فارقت الجماعة وقال لي أوصلها إلى الشيخ قال فتعجبت من ذلك ومن موافقته للحال والله اعلم.

ولأهل مكة في هذه الليلة أيضا عمل مولد كبير في مشهد العيدروسي رضي الله عنه عند الشبيكة يجتمع هناك جماعة من أولاده وإتباع السالكين على طريقه ويعملون هنالك سماعا وقراءة وتلاوة ويجتمع فيه خلق كثير وقد فرش المشهد كله وما حوله وأعدت للحاضرين أطعمة وأشربة ويستكثرون هنالك من المصابيح فهو من المشاهد المشهورة بمكة والمزارات المعظمة وبيتهم له صيت ومكانة عند الخاص والعام.

وأما المقابر فالحجون كله مزارات وأشهر المزارات فيه قبة أم المؤمنين السيدة

__________________

(1) في الرحلة الناصرية الليلة.


خديجة رضي الله تعالى عنها وقبة فيها قبر الفضيل بن عياض وغير ذلك ومحوط فيه قبور كثيرة لأئمة من العلماء الغرباء قال أبو سالم قرأت على حجر فيه هذا قبر الإمام أبي القاسم القشيري وهذا غريب إلا أن يكون قد نقل بعد موته إلى هنالك ولم نر أحدا من المؤرخين ذكر انه مات بمكة.

وقد رأيت في طبقات الإمام تاج الدين السبكي التعريف بولد أبي القاسم القشيري وذكر انه توفي بمكة المشرفة فعلمت أن القبر قبره لا قبر أبيه رضي الله تعالى عنهما وعل حجر آخر قبر أبي حامد بهاء الدين السبكي وجماعة كثيرة وأسفل الحجون بجانب الطريق قباب كثيرة غالبها للشرفاء أمراء مكة ومنها قبة سامية يقال لها قبة أبي طالب وعوام الغرباء يظنونه أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم يقول أبو طالب المكي وإنما هو أمير مكة المتأخرين من أشرافها من آل نبي نمر اسمه أبو طالب قالوا كان في حياته شجاعا مقداما فاتكأ دوخ بلاد الحجاز وقهر عربانها غاية القهر وأهل نجد وتهامة إلى الآن يؤرخون بعهده فيقولون كان هذا في زمان أبي طالب وكان سفاك للدماء ومع ذلك كان حسن السيرة ولم يكن أحد يأتيه بالولاية لما هو عليه من الفتك والبطش إلا أن بعض أهل الكشف كان يقول هو مظهر من مظاهر أسمائه تعالى القهرية أقيم في مقام الجلال فلما توفي ظهرت له كرامات كثيرة وصار قبره من أعظم المزارات.

فمما ظهر منها أنهم قالوا جلس جماعة من القراء حول قبره يقرءون القرآن قرب موته كما هو عادتهم وبين أيديهم شمعة تضيء بليل فوقعت إلى الأرض فانطفأت فتحيروا فلم يجدوا من يوقدها لهم فانشق القبر عيانا فخرج منه وأوقد لهم الشمعة فرجع ومنها أن بدويا خرج من مكة بقفص عنب فلما وصل إلى قبره تذكر حاجة بمكة فوضع القفص ورجع فجاء سارق ليأخذه فيبست يده والتصقت بالقفص وبقي


واقفا عنده حائرا إلى أن جاء البدوي فلما رأى ذلك قال على حسب نيته واعتقاده جاد يا أبا طالب جاد يا أبا طالب جاد يا أبا طالب جاد يا أبا طالب أطلقه الآن وقد قضيت حاجتي وانطلقت يد السارق وذهب.

ومن المزارات قبر الولي الصالح القطب الشهير الذكر عند أهل مكة وأعرابها سيدي عمر العرابي وغالب السائلين بمكة والمستصرخين إنما يهتفون باسمه وأهل البادية تسمع الرجال منهم والنساء يقولون شيء لله يا عرابي وهو عندهم عظيم القدر شهير الذكر وحق له ذلك فانه كان من أئمة الطريق رضي الله تعالى عنهم.

ومن الأماكن التي لا ينبغي للمجاور أو من معه نفس من الزمان إهمال زيارتها والورود عليها مدينة جدة وما بها من المشاهد كالمحل الذي يقال أنه فيه قبر أمنا حواء وممن جزم أن قبرها بها ابن خلكان في ترجمة ابن قلاقس الشاعر وذكره أيضا في ترجمة أخرى على أن جدة في نفسها من أعظم البقاع فقد ورد فى فضلها وفضل المقام بها والرباط فيها عدة آثار نقلها أهل الأخبار وهي مدينة كبيرة ممتدة مع ساحل البحر نحو ميلين في كلا طرفيها حصار متقن البناء فيه مدافع كثيرة وعسكره لا يفارقه.

قال الشيخ أبو سالم وقد رأيت في الحصار الغربي منها ما يستغرب وصفه من المدافع طولا وكبرا وقد رأيت فيها مدفعا له خمسة أفواه بصنعة غريبة وفي مرساها سفن كثيرة كبار وصغار وغالبها معمول بالشريط بصنعة عجيبة ليس فيها مسمار ، وهي مع ذلك كبيرة المقدار ، متباينة الأقطار ، واسعة الإنحاء تحمل أضعاف ما يحمل غيرها من السفن وأسواق البلد ممتدة مع جانب البحر وغالبها أخصاص واسعة مفتحة إلى البحر وإلى ناحية البلد فيها قهاوي ومجالس حسنة يبالغ أصحابها في كنسها وتنظيفها ورشها بالماء وفيه جلوس غالب أهل البلد وقد اتخذوا فيها أسرة كثيرة منسوجة بشريط المسد بصنعة محكمة ومسجدها الكبير من أجل المساجد فيه أعمدة


من الساج مخروطة على هيئة أعمدة الرخام المخروط صليب عودها يحسبها من لم يتأملها رخاما أحمر.

قال وأخبرني شيخنا أبو مهدي انه يقال أن أعمدة ذلك المسجد جلبت في صدر الإسلام من كنيسة بأرض الحبشة عند ما افتتحها المسلمون قال وقد شاهدناه في هذه الخطرة من العافية التي بسطها الله تعالى في الطرق والقرى والأمان التام ما قضينا منه العجب فمن ذلك أنا لقينا عيرا في ليل مظلم تحمل أحمالا من البر الهندي والقماش الرفيع نحوا من عشرين جملا وطلبنا أحدا من أصحابها نسأله عن أخبار البلد فلم نجد معها أحدا وذهبنا نحوا من ميل فوجدنا أصحابها في قهوة مستريحين وأخبرونا أنها لو ذهبت كذلك إلى مكة لم يتعرض لها أحد وأخبرونا بعجائب من مثل ذلك وقعت في أيام الأمير زيد ووالده محسن.

فمن ذلك أنهم زعموا أن رجلا جاء إلى السلطان محسن فقال له أني وجدت في البلاد الفلانية حملا من البز في الطريق فقال له ومن أخبرك بأنه من البز فقال له مسسته برجلي فأمر بقطع رجله وقال له لم مسسته برجلك إلى غير ذلك من أمثال هذه الحكاية لا نعلم صحيحها من سقيمها.

ومن لطيف ما شاهدناه من أمان هذه الديار وعافيتها أن المسافرين من مكة إلى جدة ومن جدة إلى مكة يكترون الحمير للركوب ولا يذهب صاحب الدابة معها فإذا ذهب المكتري إلى المحل الذي ذهب إليه أرسل الحمار ولا عليه فيه ولا يأخذه أحد إلا ربه إن كان في ذلك البلد أو نائبه ولكل واحد من أصحاب الدواب نائب في غير البلد الذي هو فيه يعرف دابته ويقبضها حتى يكريها ممن يرجع إلى البلد الذي هو فيه وهناك من فاره الحمر ما يقضي العجب من سرعتها.


قال ولم أر أسرع مشيا من حمر الحجاز ولا أوطأ مركبا ولا أقل لغبا من السرعة المفرطة في المشي فلقد كنت أنظر وأنا راكب إلى أطرافي هل يتحرك فيها شيء مع الإسراع في المشي فلا يكاد يتبين حركة شيء منها مع أن مركوبي من أجادوها فلقد أخبرت انه كان حمار عند رجل من أهل مكة يصلي المغرب بجدة فيركب عليه ويصلي الصبح بمكة وهي مسافة القصر تحقيقا وهم يتغالون في ثمن ما هذه صفته منها فيبلغ الحمار مائة دينار ذهبا. وقد رأيت حمارا عند فقيه الحنفية الشيخ الزنجيل رافقنا عليه من المدينة إلى مكة تقتحمه العين فأخبرت أنه اشتراه بقريب من ذلك الثمن.

ومنها بلد الطائف فإن فيها مزارات كثيرة ويمر إليها على طريق الحاج إلى منى ثم إلى مزدلفة ثم إلى بسيط عرفة والطريق من مكة إلى الطائف فيها قهاوي يستريح المارة بالنزول فيها واشتراء المحتاج من طعام وعلف كما ذلك أيضا بطريق جدة ويسلك مع طريق الساقية التي من أصل الجبل إلى عرفات ثم إلى المشاعر ثم إلى مكة ومنها تأتي المياه إلى مكة في هذه الأزمنة بعد اندثار الأخرى التي تأتي من الجعرانة.

وقد ذكر المؤرخون أخبر العينين معا وأن التي من الجعرانة من عمل بني أمية وهذه من عمل بني العباس وهي من صدقات زبيدة بنت جعفر المنصور إلا أنها ما وصلت إلى مكة إلا في دولة بني عثمان ملوك العصر من الترك.

قال أبو سالم وقد شاهدنا في بنيان هذه الساقية ما يدل على فخامة ملكهم وقوة اعتنائهم بأمر الحرمين فكلما مررنا غلوة أو غلوتين وجدنا عينا منها مفتوحة عليها بناء وثيق ووجدنا الفعلة في وقتنا جادين في إصلاح ما وهي من بنائها وكسر ما تهور من أرجائها وهي صاعدة مع وادي نعمان الأراك بفتح النون الذي أكثرت شعراء العرب فمن بعهدهم من ذكره وهو واد عظيم افيح منحدر من جبال نجد به أدواح يانعة يصافحها نسيم نجد فتهتز أغصانها طربا وتميل إلى أن تلثم أفواه الأزهار الغضة


الناعمة الملتفة بجانبي ذلك الوادي وقد كساه الخصب من مروط الزهر ألوانا وعمّم رؤوس هضابه أقاحا وأرجوانا.

قال فلم نزل نسايره صاعدين إلى أن قربنا من جبل أكرى فعدلنا يمينه مع بعض تلك الهضاب وآوانا الحر إلى قهوة بأصل الجبل بين صخور عظام حولها ماء صاف يجري على حصباء كالزبرجد عذب بارد سهل التناول للصادر والوارد قال فما رأينا فيما سلكنا من بلاد الحجاز مكانا أشبه ببلادنا منه فلما زالت الشمس وتوضأنا للصلاة أخذنا في صعود الجبل العظيم الذي لا يماثله في عظمه جبل من جبال تهامة وسلكنا في طريق تميل مع الهابطة من أعلاه وغالب الطريق في هذا الجبل قد نقي من الصخور العظام ونضدت الحجارة فيه بناء وثيق مصفح على ممره ويقال أن ذلك من عمل بني العباس لكثرة اعتنائهم ببلد الطائف ونزول ولاة الحجاز منهم به وقد أثرت السيول مع طول العهد في أماكن كثيرة من هذا الجبل فخربت بناءه وكثرت للسالك عناءه.

قال ووجدنا في هذا الجبل أشجار عظيمة من العرعار وغيره من أشجار بلدنا فأنسنا بذلك غاية ورأينا القرود به تصيح وتثب في أعالي تلك الصخور فتعجبنا من ذلك فأخبرنا أنها توجد في ذلك الجبل وما سمعنا قط أنها بأرض الحجاز وإنما يقال أنها تجلب من الشام والروم إلى مصر والحجاز وقد لقينا في صعود هذا الجبل مشقة ونزلنا عن الدواب وارتحلنا أوعاره وأغواره كرها وما كدنا نصل أعلاه حتى تمكن وقت المغرب وصليناه وتلففنا بثيابنا لشدة البرد وتعجبنا من صنع الله تعالى وبديع قدرته فقد قاسينا أول النهار من شدة الحر وسمومه ما كادت العظام منه تذوب وتفطر القلوب وكابدنا من شدة البرد آخره ما ارتعدت المفاصل منه وكلت القوى عنه.

قال ثم وصلنا إلى قهوة هنالك ونزلنا بها بعد العشاء فدخلنا محلا أوقد أصحابنا فيه نيرانا عظيمة فاصطلينا بها عامة ليلنا من شدة البرد وحدنا الله تعالى على ذلك وكان


هذا في أبان الحر الشديد ولذلك خلفنا ثيابنا بمكة ولم نلبس منها إلا ما يوافق الوقت وقضينا عجبا من شدة الحر والبرد في المكانين المتقاربين قال ثم ارتحلنا من ذلك المكان قرب صلاة الصبح وهبطنا عقبة هنالك وهي دون التي طلعناها بكثير إلا أنها وعرة وسلكنا في شعاب ذات مياه غزيرة ونبت ملتف إلى أن خرجنا إلى قرن الثعالب الذي هو ميقات أهل نجد بإزائه قرية ذات مزارع وأشجار من أنواع الفواكه حولها واد يسيل ماؤه وتجاوزناها قرب الطلوع وسلكنا بين تلول هنالك في صعود وهبوط واستواء إلى أن وصلنا بلد الطائف وهي وقصور في مستو من الأرض تحيط به جنات من نخيل قليل وأعناب كثيرة وفواكه مما يشتهون وقصدنا المسجد الأعظم.

ومن الأماكن التي تزار ببلاد الطائف البلد نفسه فقد وردت آثار تدل على فضله وانه منقول من الأرض المقدسة نقله جبريل عليه السلام بإذن الله تعالى وورد في الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم حرم عضاه وجّ (1) وهو الطائف وهو عند الشافعية كحرم مكة لا يقطع شجره وكفاه هذا هذه فضيلة شارك فيها الحرمين الشريفين.

ومنها قبر ترجمان القرآن حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو في قبلة المسجد الأعظم من يمناه وعليه بناء فخم وحوله على يسار (2) الداخل من الباب قبر البطل الهمام والليث المقدام فارس بني هاشم سيدنا محمد بن الحنفية ابن أمير المؤمنين مولانا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وفضائله مشهورة وسبب انحيازه هو وابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إلى الطائف مذكور في التواريخ وبإزاء

__________________

(1) كذا في الرحلة الناصرية وهو الأصوب كما في نهاية ابن الأثير وتاج العروس وأما جميع النسخ ففيها حرم أمورا كما في مكة.

(2) في الرحلة الناصرية يمين.


قبر ابن عباس قبر يقال انه قبر عبد الله الطيب الطاهر ولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والناس يتبركون به بهذه النية.

ومنها المسجد الأعظم نفسه فانه في محل نزول عسكر النبي صلى الله عليه وسلم عند محاصرة ثقيف بعد غزوة حنين وفي صحن المسجد مسجد صغير يقال انه منزل النبي صلى الله عليه وسلم في الحصار المذكور وفيه محل يقال انه محل قبة أم المؤمنين أم سلمة بفتح اللام وقبة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما وخبر حضورهما معه صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة وانه اتخذ لكل واحدة قبة ومصلاه صلى الله عليه وسلم بين القبتين مذكور في كتب السير وهناك محال متعددة فيها آثار في الصخر الصلد كأثر ظلف الغزالة والناس يتبركون بها ويقولون أنها أثر غزالة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسلمت عليه في ذلك المحل ولم نر لذلك ذكرا في شيء من كتب السير.

ومنها مسجد على شفير الوادي بأعلى البلد فيه شجرة كبيرة لها أصلان متقاربان بينهما مثل ممر الشاة يقال أنها الشجرة التي اعترضت للنبي صلى الله عليه وسلم في طريق له فانشقت شقين حتى مر بينهما وخبرها مذكور في بعض الأحاديث.

قال أبو سالم ولم أر من ذكر أنها بهذا المحل ولا إنها باقية إلى الآن وأظن أن حديثها مذكور في معجم الطبراني الصغير والله تعالى أعلم.

قال وفي هذا البلد أسواق حافلة يحضرها الناس من أطراف نجد ويجلب إليها من الحبوب والثمار والزبيب والعسل ما قضينا العجب من كثرته بحيث يخيل لنا أنا لم نر مثل ذلك في الكثرة في أسواق الأمصار العظيمة وذكر في رجعته هذه أنه طلع لهم الفجر بمنى قال فدخلت مسجد الخيف وصليت فيه الصبح وليس به داع ولا مجيب وقد كان في وقت الموسم ربما لا يجد الإنسان أين يضع جبهته من الأرض أحيانا لكثرة


الزحام قال وتأملت بسيط منى وشعابه وتبينت سعتها وامتدادها وكانت في أيام الموسم ربما يخيل إلى الناظر ضيقها لكثرة الخلق ومن رأى منى وما حولها من الأماكن في غير أيام الموسم علم حسن تشبيه من قال من أراد أن ينظر إلى الدنيا بعد انقراض أهلها فلينظر إلى منزل الركب بعد ارتحاله.

ومنى في أيام الموسم هي الدنيا بأسرها قصور عالية وأسواق حافلة وجنود مجندة وملابس فاخرة وأطعمة شهية ومراكب هنية وبضائع غير معدودة ومتاجر ثمينة إلى أنواع العبادات من تكبير وتهليل وصلاة وقراءة ونحر وذبح وإطعام طعام ورمي جمار وما الدنيا محمودها ومذمومها إلا ما ذكرنا ولا تمر على ذلك كله إلا ثلاثة أيام حتى لا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا فلا ترى في منازلهم إلا عظاما نخرة وخرقا بالية وفضلات منتنة وغثاء أحوى وقثاما أغبر تسفيه الرياح وتذروه وهذا هو المثل الحقيقي للدنيا فليعتبر أولو الأبصار من سكان البادية والأمصار انتهى كلامه.

ومزارات مكة كثيرة جدا بل أعظم المزارات ومحط أمال الراغبين ومنتهى سير الأملين ومناخ همم العارفين وغاية منية الشائقين وقبلة العابدين ووجهة المعتبرين وإليها تفد الوافدون ومسقط رأس سيد العالمين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين فيا لها من بلدة ما أعز سناها فأهون بالطريف والتليد في الاحتماء بحماها جنة من دخلها كان من الآمنين ومن نحا نحوها من الفائزين ولله در الإمام أبي علي اليوسي رضي الله تعالى عنه وأرضاه وأناله منه بغاية مناه إذ يقول وما أحسن ما يقول في وداع وفد الله :

أحجاج بيت الله سيروا وأبشروا
 

 

بما لم ينله رائح ومبكر
 

وطيروا عجالى فوق أجنحة القطا
 

 

وأجنحة الشوق المبرح أطير
 

إلى أن قال :


 

لقد ضاع دهري في المقام بمغرب
 

 

ومطلع وحي الله يرجى وينظر
 

أنهنه نفسي في السياق إلى العلى
 

 

فتشمس عن ذاك الرهان وتنفر
 

وأسمو بها عن روضة الغي والهوى
 

 

فيقعدها صلصالها المتكدر
 

وأدفع عنها في الوغى لاجيرها
 

 

فتنهك أجناد الهوى وتكثر
 

فهل لي من صوب من الغيب باهر
 

 

يشيعها فيما تروم وينفر
 

وهل لي من ريح تثير ركائبي
 

 

إلى روضة فيها النبي المبشر
 

عليه صلاة الله ما انسجم الحيا
 

 

بروض ورضوان من الله أكبر
 

وأصحابه الغر الذين تالفوا
 

 

على الله في الدين القويم وشمروا
 

خصوصا أبا بكر رفيق نبيه
 

 

وصاحبه وهو الكبير المؤثر
 

وأيضا أبا حفص وكان محدثا
 

 

يكشف أحلاك الدجى وينور
 

فيا روضة فيها لنبي محمد
 

 

سفاك من الغيث السجيم المكرّر
 

ويا روضة تزهو بشمس منيرة
 

 

وبدرين ملتاحين فيها وتزهر
 

دعاك غريب أوثقته بمغرب
 

 

مساوي المساعي والقضاء المقدر
 

فهل تسمح الأيام فيك بزورة
 

 

ويشفى غليل في الفؤاد مسعّر
 

وهل تنجز الدين الذي مطلت به
 

 

فتكفى بقايا ذنبها وتكفّر
 

فيا رب تحرم عبيدك سؤله
 

 

وأبلغه ما أبلغت من تتخيّر
 

وقد جاء سعيا بالحشا إذ تعذرت
 

 

عليه خطاه وهو أشعث أغبر
 

سألتك بالمختار أحمد أنه
 

 

لأنفس علق في المطالب يذخر
 

عليه صلاة الله ثم سلامه
 

 

ورضوانه ما فاح روض معنبر
 

وأصحابه والال ما ذر شارق
 

 

فأجلى الدياجي ضوءه المتفجر
 

 


ذكر خروجنا من مكة المشرفة

بعد قضاء المناسك كلها والإتيان بالعمرة على تفصيلها والإحرام بها من مكان الإحرام فقد تم ذلك على الوجه الأكمل تقبل الله منا جميع ذلك وأننا مكثنا في مكة ما مكثنا أعني المدة المعلومة كما قيل.

أقمنا بها يوما ويوما وثالثا
 

 

ويوما له يوم الترحل خامس
 

إذ مدة إقامتنا في مكة نحن مشتغلون بالطواف والذكر والنظر في الكعبة على أكلم حال وأتمه ليلا ونهارا والحمد لله تعالى على ذلك وقد انفصلنا من مكة عند الظهر والبعض عند العصر أما أحمالنا وأهل بيتنا فعند صلاة العصر إذ ودعوا البيت عند ذلك الوقت وأما أنا فقد ودعته ذلك الوقت ظنا مني الانفصال ثم ظهر لي بعض الشئون لا سيما المحب في الله والأخ من أجله سيدي محمد الشريف الطرابلسي فانتظرته إلى أن صلينا المغرب فودعت التوديع بقلب حاضر فلما كمل الوداع ، وتم الانتفاع ، واشتاق الروح وأصابه الاتساع من ألم الفراق ، واضطرمت نار الشوق في الفؤاد وأصابه حر الاحتراق ، فركبنا وانفصلنا والحمد لله فوصلنا إلى موضع الخيام عند العشاء أو بعدها بقرب وخرجنا من أسفل مكة من الموضع المسمى بكدى بضم الكاف وهو الموضع الذي خرج منه النبي صلى الله عليه وسلم إذ يستحب الخروج منه وهو باب الشبيكة ونزل الركب هناك في منزله المعلوم ينتظر كمال الرفقة والعالم بالأحكام كلها يخرج من كدى اقتداء به صلى الله عليه وسلم في حجته على أن ابن رشيد ذكر في رحلته عن بعض الأئمة أن الخروج إلى عرفات من الثنية السفلى أيضا فروي عن الحافظ أبي محمد بن أحمد الأندلسي قال كداء الممدودة هي بأعلى مكة عند المحصب حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي طوى إليها أي صعد إليها وكدى بالضم والتنوين بأسفل مكة عند ذي طوى بقريب من شعب الشائعين


والشعب بكسر الشين وذلك عند قعيقان حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم منها إلى المحصب إلى أن قال بات صلى الله عليه وسلم بذي طوى ثم نهض إلى أعلى مكة فدخل منها وفي خروجه إلى أسفل مكة ثم رجع إلى المحصب.

قال أبو محمد الأندلسي الظاهري أخبرنا بذلك أحمد بن محمد العذري عن كل من لقي بمكة من أهل المعرفة بمواضعها من أهل العلم بالأحاديث في ذلك قال ابن رشيد وإنما سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الطريق محلقا شبه الدائر لأنه لا يحصل التيامن في النزول والدخول إلى مكة والخروج عنها إلا كذلك فتأمله والله تعالى اعلم.

قال الشيخ أبو سالم وما نقله ابن رشيد ابن حزم الظاهري من أن خروجه صلى الله عليه وسلم إلى عرفات من كدى لم أر من ذكره من أهل السير والحديث مع شدة تتبعهم لأفعاله صلى الله عليه وسلم في حجته لما جمعت من معالم الشريعة وقواعدها وحضور جمع من المسلمين لم يجتمع مثله قط في حياته صلى الله عليه وسلم ومثل هذا لا يخفى من أفعاله في ذلك المجمع العظيم فقد حفظ من أفعاله صلى الله عليه وسلم في تلك الحجة الجلي والخفي حتى مباله صلى الله عليه وسلم في الشعب قبل الوصول إلى المزدلفة فكيف يخفى هذا على أئمة الحديث والسير مع أن الحافظ أبا محمد ابن حزم مغرما بجميع الغرائب مع سعة اطلاعه ووفور علمه وكثرة حفظه الذي لا ينكره له موافق ولا مخالف فقد ذكر بعض الأئمة أنا أبا محمد ابن حزم ساق حجة الوداع في كتابه الذي أفرده لحجة الوداع لا يمكن أن يسوقها كذلك حتى بعض من حضر لكثرة ما جمع ومبالغته في التتبع للطرق وجمع الروايات وترجيحها وهو أهل لذلك والمذكور عند سائر المحدثين أنه صلى الله عليه وسلم لم يزل من يوم دخوله مكة نازلا إلى أن ارتحل ذاهبا إلى منى يوم التروية ويبعد أن يرتحل من الأبطح وينحدر إلى


مكة ثم يخرج من كدى ثم يصعد إلى كداء فينزل منها إلى الأبطح فيذهب إلى منى من غير حاجة أكيدة لما في ذلك من المشقة الفادحة الحاصلة من تحليقه بأمكنة متعددة حتى يعود إلى المكان إلي ارتحل منه ومثل هذا ليس من الأفعال الجبلية ولو فعله صلى الله عليه وسلم لكان يه أقوى دليل على مشروعيته وتأكيد العمل به ولسأله أصحابه عن السر في ذلك لمخالفته للعادة مخالفة قوية ولو كان كذلك لنقل نقلا مستفيضا وصار من أفعاله المطلوبة وليس هذا مثل إدارته ناقته في محل لخفة الإدارة وقد تكون لغرض أقتضاه الحال مثل قصد العدول إلى ناحية أو إرادة تكليم أحد فدارت الناقة لأجل ذلك وذلك كثير ما يقع للإبل ومع ذلك فقد نقل فليتأمل ما ذكرنا والله تعالى اعلم انتهى.

انعطاف وهو أننا نزلنا في محل الركب مع نزول المصري أي المغربي على ناحية وهو على ناحية ثم أن أمير الحاج المصري أي حسين باي مملوك عمر باي وهو رجل صالح محسن عاقل ومع ذلك انه أراد أن يتخلف المغربي وراء المصري قهرا إذ العادة السابقية أن الركب المغربي يتخلف في الطلعة وفي الرجعة يسبق على أن المصري لما تقوى وكثر فيه الظلم من الجند وضعف الرك المغربي جعلوه وراءهم ذهابا وإيابا نعم لما تقوى ركبنا كثر نحو المصري غاية المصري كثر فيه الإبل والخدام فتشعب (1) أمر المغربي فاجتمع رأي جميعهم على السبق أعني الفلالي والجزائري والطرابلسي لا سيما أن سلطان فزان هو الذي قدم بنفسه قد اشتهر بالعدالة فاتفق أمرهم على التقدم بل تعاهد الجميع على ذلك غير أن الفزاني تأخر في مكة وكذا الفلالي فلم يسبق إلا ركبنا الجزائري غير أنه قوي قوة عظيمة لو اتفقت كلمته إلا أنه وقع فيه النزاع لأن الشيخ سيدي محمد المسعود نجل الشيخ سيدي الموهوب نجل البركة سيدي محمد الحاج

__________________

(1) في نسخة تقوى.


سهل الحكم لين العريكة يترك الناس على هواهم فلما حان وقت الظهر وإذا بالناس ارتحلوا خوفا من سبق المصري لأن أميره يبعث إلينا ويقول بالذهاب جميعا إلى منزل الينبع أما أنا وأمثالي فقد رضينا بذلك وأما باقي الركب فلم يرض إلا بالسبق ولو أدى ذلك إلى الفتنة العظيمة بين المسلمين فارتحلوا وما بقي إلا العبد الضعيف لأن من اكتريت منه قد هرب بالجمال فلم يترك إلا أربعة منها ومع ذلك أنها ضعيفة وقد دخل المصري إذ الجمال إذا هرب ودخل الصري تعذر وجدانه فلم يبق في المنزل إلا خيمتي وعزمت على المشي في المصري ولم يبق معي إلا سيدي أحمد بن حمود ببلغته مع سيدي أحمد الشريف الطرابلسي وأصحابه كانوا متأخرين في مكة بأحمالهم فوقع بنا أمر عظيم ثم إن فضل الله علنيا إذ جاءنا واحد من الجمالين الذين هربوا فمسكناه وربطناه وإذا بواحد من أصحابه قد استغاث به ليسرحه فلما ذكرنا له الحجة قال سبحان الله أكرى لكم وأكرى لنا ثم إن واحدا من أصحاب عسكر المغربي من الجزائري أتى ليسرحه منها قهرا لكونه جعل له رشوة فلما عرفني وعلم بحالي رجع عليه و (1) ودخل المصري نعم لحقه ومسكه وقال له لا بد أن تأتي بالجمال الذي هرب للشيخ وهو يوم قد اشتد فيه الحر ونحن نبحث في المصري عليه أنا وولدي وذلك الشخص فأصباني عطش عظيم قد بلغ بي حد الموت فلما رآني بعض من المصري علم بحالي فسقاني سقاه الله من حوضه صلى الله عليه وسلم فأحياني ثم أدخلني لخيمته حتى زال عني ذلك فرجع إلى ذلك الجزائري أسعده الله دينا ودنيا فذهب بي إلى خيمة عسكر المصري (2) أعني بيت كاخيتهم وهو رجل مسوسي (3) قد فرح بي فرحا شديدا وأمر بالبحث عن جمالي وقال لا تذهب به إلى أمير المصري فانه تغير شديدا على تقدم ركب

__________________

(1) بياض في جميع النسخ.

(2) في ثلاث نسخ المغربي.

(3) في نسخة رجل لا بأس به.


المغربي فقالوا له لا تبقى إلا خيمة الشيخ فقال لا بأس عليه ثم أنهم أنوا إلي بجملين في محل جمالي قالوا وأما هو فلم نجد له خبرا وذلك عند وقت العصر فذهبنا إلى الخيمة فرفعنا الأهل والدبش على تلك الجمال وذهبنا منفردين ثم لحقنا الركب الفزاني ثم ذهبنا كذلك إلى أن صلينا المغرب بعد مرورنا بالتنعيم ولم نزل كذلك في أثر الركب الفزاني حتى مضى وقت العشاء بمدة فوجدناه نازلا فنزلنا معه ثم صبيحة تلك الليلة ظعنا معه إلى أن بلغنا وقت الضحى الوادي الشريف المسمى الآن في ألسنة العوام بوادي فاطمة فنزلنا فيه بخيامنا (1) بعد أن أردنا اللحوق بركبنا الجزائري منفردين فلما سمع السلطان الفزاني بعث إلينا فكلمنا فقال بعد زوال الحر عن وقت الظهر نرتحل ونسير ليلا إلى أن نلحق بالركب في عسفان ثم لم يخلف الوعد كذلك فظعنا عند الظهر ولم نزل كذلك إلى أن قرب الصبح وإذا بزوجته أي السلطان المذكور توفيت فنزلوا في الغيضة المعلومة بين عسفان والجبل فلما دفنوها ارتحلنا عند الضحى.

ثم سرنا كذلك إلى أن اشتد الحر فوصلنا عسفان فنزل فأردنا الذهاب إلى الركب في خليص فتشارونا مع السيد الشريف الطرابلسي فقال إلى أن الفراغ من الغذاء فلما فرغنا من شغله ارتحلنا مع خيمتين للشريف المذكور مع أصحابه متقلدين بالحديد نحو الأثنتي عشرة بندقة فذهبنا إلى ان طلعنا الثنية التي بعد عسفا فوجدنا فيه سبالة فشربنا وتوضأنا وصلينا الظهر ولم نزل كذلك ذاهبين في الطريق المعلومة فعند العصر رأينا جموعا من العرب أصابنا منها خوف شديد لأنهم لا يغادرون أحدا إلا قتلوه وأخذوا ما له وذلك معلوم ضرورة فاستعددنا لهم مع الخوف الشديد غير أن أصحابنا من طرابلس فيهم قوة وشجاعة إذا حلفوا بالله تعالى أنكم لا ترون شيئا إلا بعد موت جميعنا ولم نزل كذلك سائرين وهم بمرأى منا ومسمع فبعيد ساعة زمانية إلا ورجل

__________________

(1) في نسخة فخيمنا.


انفصل منهم جاءنا نذيرا ومحذرا منهم فقال اجمعوا أمركم ولا تهملوا حالكم وأظهروا شوكتكم فان العرب قد استعدوا لكم وأرادوا شركم وقال حسبنا الله ونعم الوكيل أو كلاما هذا معناه فعلمنا انه رجل صالح مع الاحتمال انه منهم أو من غيرهم فالذي دلت عليه القرائن انه منهم ثم تركناه وانفصلنا عنه متوقعين أمرهم ومتخوفين شوكتهم فهم أكثر من أن يحصوا غير أن الله تفضل علينا بقوة اليقين في قلوبنا فلم نستنشق منهم رائحة خوف نعم لم يتحرك إلينا أحد ولا التفت إلى جهتنا شخص فهم على حالهم ونحن على حالنا بعد أن صلينا العصر جماعة فلم نزل كذلك إلى أن صلينا المغرب فرأينا النار بعدية فظننا أنه عمارة خليص فلم نزل كذلك إلى العشاء فقربنا العمارة ولم نزل كذلك إلى أن وصلنا إلى الساقية الكبيرة التي تخرج من خليص فوجدنا ركبنا نازلا بإزائها وفرحوا بلحوقنا فرحا شديدا وقالوا ما نزلنا إلا منتظرين أمركم لا سيما من انفرد عن رفقته منقطعا عنها وهم جماعة انقطعوا معنا يأكلون ويشربون في رحلنا نحو الثلاثة أيام إلى أن بلغنا إلى خليص فتلاحقت الناس وتم الأمر واجتمعت الأحباب.

ثم ان الركب صار مقيما ذلك اليوم إلى أن صلينا الظهر فظعنا بعد صلاة الظهر بعد السقي والاستقاء ودفنا من مات هناك وهو الحاج عبد الله بن الحاج الشباني وقد جعلني وصيا على أولاده ولم يكن له ابن وإنما له بنات فوجدنا عند زوجته طفلا جعل الله فيه البركة ولم نزل سائرين إلى أن بلغنا عقبة السكر وفيها بناء وقد كتب في بعض أحجاره أن أقبح الناس من أتى إلى الحج بامرأة وكتب في أخرى أن أقبح الناس من أتى بلا زوجة ففهمنا منهما أن القبيح إذا كان قادرا ولم يأت بزوجته فعليه الذم المكتوب وأما الذي لا يقدر وأتى بها فعليه الذم المسطور وهو كذلك ونحن والحمد لله ذهبنا بأهلنا ولم نر ما يخل بديننا ومع ذلك قد علم قلة زادنا وضعف حالنا نعم لما تفضل الله علينا سرنا سيرة الملوك وذلك كله بفضل من الله ومنة ولم نزل كذلك


سائرين إلى الصبح ثم إلى قرب الظهر فنزلنا وبتنا فيه ولما أن أصبح الله بخير الصباح ظعنا منه ونزلنا رابغا وهي قرية كبيرة ذات أسواق ونخيل كثير وواد عظيم.

ثم ظعنا منه والنفس مسرورة إلى أن نزلنا مستورة وأكثر الناس يسمونها قاع البزوة وأظن أنهما مكانان متباينان ثم ظعنا منه فنزلنا بدرا وهي قرية عظيمة ذات أسواق ومساجد ومياه ونخل كثير وأتى الناس إلى الركب من كل فج عميق إذ اجتمعت الأركاب كلها هناك وأقاموا فيه يوما صحيحا في شرهة عظيمة ونزهة كبيرة وهي بدر التي ذكرها الله في القرآن وهي مزارة عظيمة لا سيما قبور الشهداء ثم ارتحلنا منه بعد صلاة الظهر قرب صلاة العصر وسبقنا الركب المصري بل وقع الازدحام في الوادي المعلوم فكثيرا لا يجد الإنسان فرجة يخرد منها غير أن المصري لا يستوي ذاهبا إلا بعد صلاة المغرب لأنه حينئذ يسوّي الأقطار ويتسع الطريق ولم نزل كذلك سائرين في الليل الراكب راكب والماشي ماش على أن أكثر الناس من الفلاحين ومن لا قصد له في زيارته صلى الله عليه وسلم يذهب من بدرا إلى الينبع حاصله نحن سائرون في الليل في ذلك الوادي وفيه قرى كثيرة ذات بساتين وانه قد وجد فيها شجر الموز وقيل انه يصلح فيها ويثمر ولم نزل راكبين كذلك سائرين في الوادي وفي تلك الخيوف فلم يكن أشد حرا من تلك الخيوف بل في بلاد الحجاز.

ثم كذلك إلى أن نزلنا القرية المعلومة التي ينزل فيها الركب وهي جديدة وفي هذه القرية مسجد جامع له بناء متقن تجرى العين من تحته من بناء الأمير رضوان رحمه الله تعالى وكم له في طريق الحجاز من مآثر ومعالم تدل على همته ثم ظعنا منه عند الظهر ثم ذهبنا على الطريق المعلومة وهي الوادي ولم نزل كذلك ولم نزل كذلك إلى أن وصلنا مسجد الغزالة وهي من الأمكنة التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم وهو المسمى عند المؤرخين بمسجد عرق الظبية فزرناه وسألنا الله تعالى فيه كل ما يصلح دينا ودنيا.


ثم صعدنا كذلك مع الوادي إلى وقت المغرب فبتنا إلى الصبح ومررنا ببناء عظيم وأظنه ما نقله شيخنا المذكور ونصه أتينا الروحاء وقت الظهيرة وتفرق الناس بأشجارها ولوقت الظهر ينتظرون ووجدنا بئرها لا ماء به وحوله بركة معطلة وبإزائها مسجد وثيق البناء صحيح وصلينا به الظره ولو قيض الله تعالى لذلك الموضع من يعمره لكانت فيه أعانة للحجاج لكن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وقد ذكر السيد السمهودي قريبا من البئر مسجدا من مساجده صلى الله عليه وسلم ولا أدري هل هو المبني الأول أو غيره.

ثم سرنا وصلينا العصر بملل بعد ما تجاوزنا السيالة ومررنا على شرف الروحاء وهو المكان المسمى الآن بقبور الشهداء وقد ذكر بعض الناس أن الشهداء الذين سمي بهم المكان قوم قتلوا هنالك ظلما.

وقد ذكر السمهودي أيضا مسجدا من مساجده صلى الله عليه وسلم بشرف الروحاء قال أبو سالم وكان هناك مكان محوط عليه بحجارة شبه مسجد يزوره الناس وأظنه هو وفي شرف الروحاء آثار آبار معطلة وبيان داثر وقد كانت في القديم هناك قرية ولم يبق بها الآن شيء من ذلك وأخبرنا أن وراء الجبل بلدا خاليا فيه آبار وبعض نخيل وأظنه أنه السقيا فإنها قريب من شرف الروحاء فلما تجاوزنا شرف الروحاء سرنا ورأينا هلال المحرم ليلة الاثنين حتى مغيب الشفق وأهل طيبة على مشرفها أزكى السلام وأطيبه رأوه ليلة الأحد انتهى.

فأقول لم نزل سائرين إلى أن بلغنا قبور الشهداء عند الظهر فوجدنا الركب المصري نازلا هناك ومررنا سائرين كذلك إلى أن صلينا المغرب ونزلنا إلى الصبح بل قبل طلوع الفجر ظعنا مبكرين عازمين نهارنا وليلنا دخول المدينة المشرفة فسرنا نهارا وليلا فتراسلت الناس أفواجا ، وتتابعت بحور الأركاب أمواجا ، كأنها البحر في


سيرها ، أو البرق في خفة أمرها ، ولم يسأم الناس مما لقوا من النصب والتعب لشدة الفرح ، الذي استولى على الترح ، وقد خف بعض ذلك بل أزاله من أصله وإذا عمرت القلوب بالمسرات ، ذهلت الأجسام عما تلاقي من المضرات ، وإذا تنعمت بروح القرب الأرواح ، لم تبال بما حصل من المشقة الأشباح ، وأي مسرة أعظم من الدنو من دار الحبيب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأي لذة أهنأ وأتم من رؤية حضرته صلى الله عليه وسلم والوقوف عند روضته التي هي غاية المنى والسؤل ، فلعمري لقد انتعشت الأجسام بعد ما ذبلت ، وطلعت شمس الأفراح بعد ما افلت ، وانبسطت أنوارها من القلوب إلى الوجوه فأشرقت ، وسرى أجلالها وأعظامها من الأفئدة إلى الرؤوس فأطرقت ، وظهر أثر النشاط والمراح في الركائب فأسرعت ، وخبئت من دون حاد ولا سائق وأوضعت ، وكأن ما ينالها من سموم النصب ولهيب التعب نسيم السحر ، وكأن عرفها السائل مع الأعناق بليل المطر ، لا تلوي إلى سمرة خضراء ، ولا تألو ما أسرعت في موماة غبراء.

قال أبو سالم وعند ما شاهدت من صنيعها الغريب ما شهدت ترنمت ، فوق الأكوار وأنشدت :

خليلي ما للعيس في سيرها تعدو
 

 

ومن قبل اعيت من يسوق ومن يحدو
 

أظن لها علما يقينا بأنها
 

 

لقبر رسول الله قد أصبحت تغدو
 

لذلك لم تجزع لحر أصابها
 

 

كما جزعت بالأمس إذ مسها الجهد
 

فلا تعجبوا من علمها باقترابها
 

 

وليس لها بالدار من قبل ذا عهد
 

ففضل رسول الله في الكون ظاهر
 

 

اقرت به العجماء والحجر الصلد
 

وأنوار أرض حلها قد تلألأت
 

 

أحست بها الأبصار والعظم والجلد
 

دنت فدنت أعلامها فبدالنا
 

 

من الشوق في الاحشاء ما لم يكن يبدو
 

 


 

عليها من الرحمان أزكى تحية
 

 

تدوم دواما ما لأخره حد
 

تكاد من الأشواق أرواحنا لها
 

 

تطير ولم تجزع وأن نالها كد
 

ولو لا الذي قد عافها من جسومنا
 

 

لطارت ولكن الجسوم لها قيد
 

وكنا نظن القرب يذهب بعض ما
 

 

بها فإذا بالقرب زاد لها الوجد
 

ولم لا وآن الوصل محكم ذكرها
 

 

غدا ناسخا ما كان يقرأه البعد
 

أناح لنا الرحمان فيها إقامة
 

 

بخير إلى أن يحوي الجسد اللحد
 

بجاه حبيب الله أفضل من به
 

 

توسل من لم يغنه الجد والجد
 

عليه الصلاة الله ما دام وصله
 

 

يزيد له شوقي إذا ذكرت نجد
 

ولم نزل كذلك بصواعق الشوق ترتعد الجوارح منها وتطش ، ولا تشاهد العين إلا مشاهدة الضمير فجناح العشق له ريش (1) ، والزوار في كل واد يهرعون ، وإلى الارتقاب في كل مرقب يسرعون ، ليشاهدوا بعض تلك القباب ، فتمتع العين قبل تتمع الجسم بالدخول من الباب ، وأول مكان ترى منه قبابها وأسوارها ، وتشاهد منه بالبصر والبصيرة أنوارها ، الجبل المسمى بمفرح ، إذ لا يبقى بعد الصعود إليه همّ مبرح ، فتسارع الناس عند الدنو منه لصعوده ، وتباشروا برؤية منزل الرسول وشهوده ، فلم يتخلف عن الصعود إليه ، إلا من لا قدرة له عليه.

قال شيخنا المذكور عن شيخه أبي سالم وفي ذلك قلت هذه الأبيات ، ذاكرا لبعض المعالم التي هي للقرب من أصدق الآيات :

يا صاحبي نلت المنى فاستبشر
 

 

ودنوت من دار الرسول الأطهر
 

__________________

(1) في الرحلتين العياشية والناصرية ولم نزل ذلك اليوم في أرغد عيش. وأن كان تباريح الشوق غير خال من الطيش ، فلا تسمع الأذان إلا ذكر الحبيبة مسكن الحبيب ، ولا تشاهد الأعين إلا مشاهد تمتّ إليها بنسب قريب.


 

وبدت معالم طيبة لك فاستمع
 

 

أوصافها من صادق لك مخبر
 

هذا مفرح كاسمه وكأنه
 

 

ياقوتة رشت بذائب عنبر
 

وأمامه البيداء يسطع نورها
 

 

لبصائر الزوار هل من مصر
 

وعلى يمينك قد بدا عير يرى
 

 

بالقرب كالثور العقير الأعفر
 

وانخ ركابك بالمعرس انه
 

 

لمبارك وبمائه فتطهر
 

واحد الركاب مع العقيق منعما
 

 

عينيك في ذاك المكان النير
 

يا حبذا أحد نراه يحبنا
 

 

ونحبه جبل جميل المنظر
 

فكأنما هو حلة من عسجد
 

 

صبغت جوانبها بمسك اذفر
 

وإذا اتيت لحرة غربية
 

 

وعلوت غاربها علوّ مشمّر
 

ودنا النقا وبدا المصلّى فاغتبط
 

 

بالقرب من أصل المفاخر وافخر
 

وأترك قبا من عن يمينك واجعلن
 

 

سلعناغ فديتك في الجناب الأيسر
 

واصمد تجاهك يعترضك مهنيا
 

 

بطحان دون مناخة والعنصر
 

ما بعد ذا إلا الدخول لطيبة
 

 

بسكينة تمشي بدون تكبّر
 

يهديك للحرم المكين شذاه من
 

 

باب السلام أدخله دون تصبّر
 

وعن الصلاة على النبي مسلما
 

 

مهما قربت لداره لا تفتر
 

واعلم بانك أن وقفت مصليا
 

 

ما بين روضة سيدي والمنبر
 

في روضة من جنة متقلبا
 

 

من (1) أرضها في طاهر ومطهر
 

تغشاك من رحمات ربك نفحة
 

 

تحظى بها دنيا ويوم المحشر
 

فلأنت بينهما يقينا واقف
 

 

ما بين جنة عدنه والكوثر
 

فإذا وقفت أمام وجه نبيه
 

 

حيّاك بالرضوان منه الأكبر
 

__________________

(1) في رواية هي.


 

فهناك تستحلي البصيرة إن صفت
 

 

اصل الجمال بدا بأعظم مظهر
 

فترى العوالم كله بجمالها
 

 

وجلالها حضرت بأقدس محضر
 

أصل الوجود ومنبع الجود الذي
 

 

عمّ المظاهر في جميع الأعصر
 

نور الإله به استنار عباده
 

 

دنيا واخرى ذي المحيّا الأزهر
 

محمود كل الخلق أحمد حامد
 

 

ومحمد بمقام حمد أشهر
 

صلى عليه الله خير صلاته
 

 

والآل والأصحاب أكرم معشر
 

لما تجاوزنا جبل مفرح بمسيفة قطعناها دون مين ، وصلنا إلى منتهى أبعد الحرمين ، وهو حرم الشجر الذي هو بريد في بريد ، وحده طرف البيداء التي بها الهموم تبيد ، وقطعناها بفرح وسرور ، ونشاط وحبور ، وجئنا قبيل الزوال ذا الحليفة قد نسي كل ألف من شدة السرور ألفه ، وهي البطحة المباركة المكينة ، وميقات ساداتنا أهل المدينة ، وبها المعرس الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعريس فيه ، فنحن في ذلك نقتفيه ، واغتسل من أصحابنا من أراده هنالك وتوضأت وصلينا بمسجد ذي الحليف وبالمعرس أيضا انتهى.

انعطاف إلى ما كنا بصدده وهو أننا سرنا بالليل إلى طلوع الفجر فقربنا المدينة المشرفة ثم كذلك إلى الإشراق بل إلى الضحى دخلنا المدينة المشرفة ونزل الركب المغربي عند الباب الذي يذهب منه إلى جبل أحد وتخلف أكثر أصحابنا ومعهم ولدي محمد حتى ظننت أنه نام في بعض المواضع وخفت أن يأخذه اللصوص فكنت اسأل عنه فأخبرت أنه تخلف مع الأصحاب راكبا على فرس الشيخ سيدي محمد المسعود وهو راكب على بلغتي إذ هو مريض قد أشرفه المرض على الموت وأوصاني على أهله وأولاده بأن أكون لهم حافظا ومراعيا إلى أن يصلوا مدكال فبرئ والحمد لله ثم بعد وصول ولدنا.


حاصله لما أشرفنا على المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام غشينا نور عظيم وبهاء قوي لا يخفى عن أهل الذوق السليم والطبع المستقيم إلا من حجب بالحجاب الجسماني والهوى النفساني ونزغات الشيطاني وأقول كما قال شيخنا المذكور ولم نزل يومنا هذا في حل وارتحال ، وانتقال من حال إلى حال ، حتى إذا لاحت حدائق النخيل من المدينة والقباب ، وتلك المآذن في الحرم الشريف على باب ، تذكرنا قول القائل ولقد صدق من قائل (1) :

ولما رأينا رسم من لم يدع لنا
 

 

فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبّا
 

نزلنا على الأكوار نمشي كرامة
 

 

لمن بان عنه إن نلمّ به ركبا
 

انتهى.

ولما استقر بنا المنزل ، واجتمعت فيه الأصحاب والأهل ، ذهبنا إلى الحرم الشريف ، والمسجد المنيف ، إلى أن وصلنا فدخلنا من باب السلام ، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام ، ولقد تاه القلب في الجلال ، والبهاء والكمال ، وانبسط علينا النور في الحال ، وكنا في التنقل في مراتب التجلي أعز انتقال ، فاطمأن الفؤاد وطاب الحمد والثناء على الوصول إلى روضة المتعال ، فبلغ القلب مناه فغاب عن الأكوان بكامل البدور وقمر العز فتنزه عن سواه غير أني خفت بل تيقنت أني لست أهلا لمشاهدة الرسول ، ولا ممن يتأدب بأدب الفحول ، نعم الفضل والمنة على الأصاغر لا يزول ، فتوجهت إلى الموضع الذي صلى فيه الرسول ، وهو القريب من العمود المخلق لأنه ليس بمجهول ، فركعت تحية المسجد ومع ذلك أني في مرض ونحول ، وهو مرض الإسهال وتقوى علي السقم غير أن القلب مني قوي يجول في العالم العلوي يسري وبالعلوم اللدنية يقول ، فلا يكاد يرجع بل يتيه ويتعالى في الارتفاع فهو بعيد عن التنزل

__________________

(1) في هامش الرحلة الناصرية وهو أبو الفضل الجوهري حيث قرب من المدينة المنورة.


والنزول ، فلم يمر علي زمان أحلى من هذا الزمان ، ولا استقررت بمكان أحلى من هذا المكان ، فذلك الوقت هو عيد الأرواح ، وجنة الأشباح ، وبستان الفؤاد يزهر بالأقاح ، وحور المعارف قد حليت بحلل الألمع والألماح ، فيها لها من صفقة قد علت وقامت بالأرباح ، فليس لذلك الزمان ثان ، ولا لذلك العصر أوان ، بخ بخ على زيارة الحبيب ، والأشراف على رحيم قريب ، حريص عليكم بالمنى ، رءوف بالغنا ، رحيم بالهنا ، لطيف بالسنا ، شفيق يودنا ، هنيئا مريئا لنا ، إذ قال مرحبا وأهلا وسهلا بوفودنا ، وهو أكرم من تكرم من أنبيائنا ورسلنا ، حاشاه أن يحرم تلك الوفود والزوار منا ومن أصحابنا ، بل ما عنده من خزائن الكرم لضيافه تقتنى ، فانه أجل أن يمنع بعض الناس بسوء فعله وما حصل له من العنا ، نعم بسط رداء كرمه لجميع من أتاه فلم يخب أحد مما تمنى ، فحقيق وجدير قد حصل للناس كلهم الغاية القصوى والمنى ، وكيف لا والله يقول حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم فليس إلا الفرح والحبور والهنا ، لأن كل أحد من الواقفين لديه تيقن من نفسه أنه حصل له منه صلى الله عليه وسلم ما به القصد والمعتنى ، هذا وإن العبد ذهب للقبر الشريف ، والمحل العظيم المنيف ، يستنشق سباحة طلعته ، صلى الله عليه وسلم وكريم نشأته ، وطيب ذاته الكريمة وجميل هيئته ، لأنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره الشريف وانه روضة من رياض الجنة ينظر القاصدين إليه بأن يكمل الكاملين ، ويغسل المتلوثين ، فكل يعامله على حسب نيته ، ويرفعه على حسب همته ، فلما توجهت إليه أقول كما قال شيخنا المذكور.

ما نصه فركعنا بمصلى النبي صلى الله عليه وسلم بإزاء العمود المخلق الكائن فيه روضة الجنة ، وعظمت عليّ من الله المنة ، فتقدمت إلى الحجرة الشريفة ، البهية المنيفة ، ولما واجهت الضريح ، وعدلت عن حديث النفس إلى البيت الصريح ، وأفصحت عما في النفس أي إفصاح ، وألححت أي إلحاح ، أخذت الدموع في الانحدار ، ومناداة البدار البدار ، على ذلك الحال الأول ، من توالي العبرات والعهد الذي ما تحول :


 

خلّي الدموع لوقتها
 

 

يا مقلتي وتمتعي
 

وتغنمي طيب اللقا
 

 

وردي لذيد المشرع
 

هذا الذي يوم القيا
 

 

مة راج خير مشفع
 

هذا الذي إن جاد أز
 

 

رى بالغيوث الهمّع
 

فترقبي خلع القبو
 

 

ل مع النّدى المتنوّع
 

وأنا الكفيل إذا
 

 

رحلت من البكا أن تشبع
 

فزرنا أكرم نبي وأفضل رسول ، وسلمنا عليه وعلى صاحبيه الفائزين من قربه بأعظم مأمول ، وأسنى رسول.

وصلنا إليه واتصلنا بقربه
 

 

فلله ما أحلى وصولا وصلناه
 

وقمنا وسلمنا عليه وانه
 

 

ليسمعنا من غير شك شككناه
 

ورد علينا بالسلام سلامنا
 

 

وقد زادنا فوق الذي نحن زدناه
 

كذا كان خلق المصطفى وصفاته
 

 

بذلك في الكتب الصحاح وصفناه
 

ومن كان وصّى بالسلام لأحمد
 

 

فبشراه بلّغنا السلام ونبناه
 

وثمّ دعونا للأحبة كلهم
 

 

وكم من حبيب بالدعاء خصصناه
 

وملنا لتسليم الإمامين بعده
 

 

فإنهما حقا هناك ضجيعاه
 

ومتعت بذلك الحرم
 

 

وكرعت في مناهل الفضل والكرم
 

انتهى.

نكتة وفائدة قد فعلنا ما أمرنا به وامتثلنا طبق ما نحن بصدده تقبل الله من الجميع ولله المنة فأيام إقامتنا بمسجده صلى الله عليه وسلم أن لازمنا الصلوات الخمس فيه والحمد لله ما صلينا صلاة في غيره وبالجملة فقد لازمت المسجد النبوي للصلاة


ولغيرها فلا نخرج منه إلا لما لا بد منه كالأعراض البشرية وزيارة البقيع وغيره من المزارات ولما استقربن الحال خرجنا لزيارة البقيع مع البعض من أصحابنا من المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.

قال شيخنا المذكور.

ذكر المشاهد التي زرناها بالمدينة المنورة إلى أن قال خرجنا إلى زيارة أهل البقيع ، ذوي المجد الأثيل والقدر الرفيع ، رضوان الله تعالى عليهم وتتبعنا الأماكن المشهورة إلى أن قال ودعونا الله عند كل مشهد بما نرجو الله قبوله لنا ولإخواننا وأحبائنا الحاضرين والغائبين ومشائخنا نسأل الله تعالى أن يعود ببركة ذلك علينا وعليهم في ديننا ودنيانا وقد استوفى السيد السمهودي في تاريخ المدينة ذكر المشاهد الظاهرة بالبقيع أحسن استيفاء فليراجعه من أراد تحقيق ذلك.

ولنذكر بعض المشاهد ممن زرناه وإلا فمقبرة المدينة لا مقبرة على وجه الأرض أشرف منها بالإجماع فهي خارجة من الخلاف الذي في تفضيل المدينة على مكة إذ لا نعلم مقبرة على وجه الأرض مثلها دفن فيها من سادات هذه الأمة وأفاضلها من الصحابة خصوصا الخلفاء وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأولاده وأكابر أهل بيته وسادات التابعين وتابعيهم بإحسان فهم آل زمرة تحشر مع النبي صلى الله عليه وسلم فيهم خلفاؤه وأعمامه وعماته وبناته وولده إبراهيم وأزواجه وأكابر أهل بيته والجم الغفير من أصحابه وأنصاره وأولادهم وأتباعهم فلا يشك مسلم أن ليس في امة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الزمرة التي تبعث من المدينة.

وقد روي عن الإمام مالك رضي الله عنه انه قال دفن بالمدينة أكثر من عشرة آلاف من الصحابة وبها شهداء أحد وليس في غزواته صلى الله عليه وسلم أكثر من


هذه الغزوة شهيدا وبها شهداء الخندق وبها شهداء الحرة وليس فيمن استشهد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أكرم منه شهيدا وكم فيها من مآثر ومشاهد يعلم بعضها بالنظر في تأليف من ألف في فضلها فأول من يلقاك من المشاهد إذا خرجت على باب بالنظر في تأليف من ألف في فضلها فأول من يلقاك من المشاهد إذا خرجت على باب المدينة المسمى بباب البقيع قبة فيها صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم على يسارك وأنت ذاهب في الزقاق الذي وسط البقيع إلى ناحية المشرق وإن ملت إلى اليمين مع سور المدينة فهناك مسجد صغير قيل انه موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج يستغفر لأهل البقيع وقيل هو زاوية دار عقيل بن أبي طالب التي دفن فيها وفيها دفن أكثر أهل البيت روي عن خالد بن عرفجة قال كنت أدعو ليلة إلى زاوية عقيل فمر بي جعفر بن محمد فقال لي : أعن أثر وقفت هنا؟ فقلت : لا. قال : هذا موقف النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ خرج يستغفر لأهل البقيع.

قال المراغي وقد أخبرني غير واحد ان الدعاء هناك مستجاب فإذا مررت كذلك تحت سور المدينة يمينا إلى أن توازي قريبا من زاوية سور المدينة الذي فيه مشهد السيد إسماعيل فهناك على يسارك القبة الكبيرة المؤثلة في الهواء وفيها مشهد العباس ومشهد الحسن بن علي ومشهد أمه السيدة فاطمة الزهراء على المشهور رضي الله عنهم أجمعين.

وقيل أمامهم لجهة القبلة ومشهد زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق وكثير من أهل البيت وبين هذا المشهد وزاوية دار عقيل مشاهد متعددة إلى جهة المشرق ومنها مشهد أمهات المؤمنين يروى أن فيها أمهات المؤمنين كلهن ما عدا خديجة وميمونة رضي الله تعالى عن جميعهن وهو في قبلة المشهد المنسوب لعقيل ومنها المشهد المنسوب لعقيل وفيه قبر ابن عمه أبي سفيان بن الحارث روي أن عقيل ابن أبي طالب رأى أبا سفيان بن الحارث يجول بين المقابر فقال يا ابن عمي ما لي أراك هنا فقال أطلب موضع قبر فأدخله داره فأمر بقبر فحفر في قاعتها فقعد عليه أبو سفيان ساعة ثم انصرف فلم يلبث إلا يومين حتى توفي ودفن فيه ومنها مشهد يقال أن فيه بنات النبي


صلى الله عليه وسلم كلهن رضي الله تعالى عن جميعهن ما عدا فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها وهو قرب مشهد عقيل ولا شك أن من مات من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم في حياته كان في قبة قرب قبر عثمان بن مظعون لما ورد في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات عثمان بن مظعون وضع عند رأسه حجرا قال اعلّم به قبر أخي وأدفن فيه من مات من أهلي وهذا المشهد قريب من ذلك.

ومنها مشهد سيدنا إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم فيه قبره وقبر عثمان بن مظعون فقد جاء في الحديث أن أول من دفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع عثمان بن مظعون فلما توفي ابنه إبراهيم قالوا يا رسول الله أين نحفر له قال عند فرطنا عثمان بن مظعون وفي الحديث ما يدل على أن بنات النبي صلى الله عليه وسلم هناك فقد روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما لما ماتت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألحقي بسلفنا عثمان بن مظعون والثابت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحضر ابنته رقية لغيبته ببدر وانه حضر ابنته أم كلثوم وزينب قال السمهودي أصل المروي في الطبراني وأرد في أحداهما ثم قال والظاهر إنهن جميعا عند عثمان بن مظعون لقوله عليه الصلاة والسلام لما وضع الحجر عند رأس عثمان بن مظعون اعلّم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي رواه ابن ماجه بفتح الجيم مخففة والحاكم وفي ذلك المشهد أيضا قبر فاطمة بنت أسد أم علي رضي الله عنه كما حققه السيد واستدل لذلك بأحاديث ثم قال وهذا صريح في مخالفة ما عليه الناس اليوم في المشهد المنسوب إليها في فم زقاق أقصى البقيع من شرقيه بل ليس من البقيع وفي هذا المشهد قبر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقد روي عن حميد بن عبد الرحمن قال أرسلت عائشة إلى عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما حين نزل به الموت أن هلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أخويك فقال ما كنت مضيقا عليك بيتك إني كنت عاهدت ابن مظعون أينا مات دفن إلى جنب صاحبه.


وفي المشهد أيضا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه روي عن ابن دهقان قال دعاني سعد بن أبي وقاص فخرجت معه إلى البقيع وخرج بأوتاد حتى إذا أتى موضع زاوية دار عقيل الشقية الشامية أمرني فحفرت حتى إذا بلغت باطن الأرض ضرب فيها الأوتاد ثم قال إن هلكت فأدلهم على هذا الموضع يدفنوني فيه فلما هلك قلت ذلك لولده فخرجنا حتى دللتهم على ذلك الموضع فوجدوا الأوتاد فحفروا له هنالك وفي هذا المشهد أيضا قبر عبد الله بن مسعود فقد روي ابن سعد في طبقاته ان ابن مسعود رضي الله عنه قال ادفنوني عند قبر عثمان بن مظعون وفي المشهد أيضا قبر خنيس بن حذافة السهمي زوج حفصة قبل النبي صلى الله عليه وسلم فقد روي أنه دفن عند عثمان بن مظعون وفيه أيضا قبر أسعد ابن زرارة رضي الله عنه.

قال السيد السمهودي بعد ذكره لما تقدم مبسوطا بأدلته فينبغي السلام على هؤلاء كلهم عند زيارة مشهد سيدنا إبراهيم معه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على القول بأنها بالبقيع وهو الأرجح انتهى.

قلت وقد تقدم إنها في قبة العباس مع ابنها الحسن وذريته وهو الأولى إن شاء الله تعالى قاله أبو سالم.

ومنها مشهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه بموضع يسمى حش كوكب في أقصى البقيع من ناحية المشرق عليه قبة عظيمة هائلة وفي قبلته خارجه محوط من خشب مخروط فيه قبر النقشبندي رضي الله عنه ومنها مشهد ينسب لحليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم شامي مشهد عثمان إلى جانب الطريق عليه قبة لطيفة.

ومنها مشهد الإمام مالك رضي الله عنه إذا خرجت من باب البقيع كان مواجها


لك على يمين زقاق البقيع الذي يشق وسطه وإلى جانبه يقال أنها لنافع مولى ابن عمر وقيل لنافع القارئ وقيل لبعض ولد عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ومنها المشهد المنسوب لفاطمة ابنة أسد بأقصى البقيع وقد تقدم عدم ارتضاء السيد لذلك قال عند ذكره لهذا المشهد والظاهر انه مشهد سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله عنه ومن المشاهد القريبة من البقيع وليست منه مشهد سيدنا إسماعيل بن جعفر الصادق وهو كبير يقابل مشهد العباس في المغرب وهو ركن سور المدينة هناك وبني قبل السور فصار بابه من داخل المدينة والمسجد الذي بجانب المسجد لزين العابدين وعرصة المسجد داره والبئر التي بين الباب الأول والمشهد بئره وقد ذكر انه يتداوى بها.

وقال شيخنا أبو سالم وهناك بئر أخرى في الرحبة الواسعة التي هي خارج المشهد يقال أنها هي التي يستشفى بمائها.

غريبة قال شيخنا أبو سالم في رحلته لما قدم ركب أهل العراق وكان غالبهم روافض بل كلهم وكانوا يكثرون زيارة مشهد السيد إسماعيل رضي الله عنه كغيره من مشاهد أهل البيت وكانوا يأتون إليه أفواجا فلما ينقطع زائر منهم أيام إقامتهم بالمدينة قال فبينما نحن ذات يوم جالسون إذ جاءت طائفة منهم فيهم بعض من يشار إليه منهم فزاروا وسلموا وكان من جملة سلامهم إن قالوا السلام عليك يا سيدنا إسماعيل وبالغوا في تعظيمه إلى أن قالوا نشهد أنك على دين أخيك موسى يعنون موسى الكاظم رضي الله عنه ونشهد أنك غير مخالف له متبع لطريقه في هذيان كثير.

وسبب ذلك والله اعلم أن الرافضة قبحهم الله منهم طائفة تقدم إسماعيل على أخيه ويقولون أنه الإمام بعد أبيه وأنه أحد الأئمة الأثني عشر المعدودين عندهم يعتقدون فيهم العصمة وهذه الطائفة تسمى الإسماعيلية وكثير منهم بأرض اليمن الآن لهم مذاهب ينتحلونها وآراء في العقائد يعتقدونها ومن سوى هؤلاء الروافض


يعتقدون الإمامة لأخيه موسى الكاظم رضي الله عنه ويعتقدون أن أخاه لا ينازعه في ذلك ويرون إن الإسماعيلية كاذبون عليه مفترون في ادعائهم الإمامة له ولأجل ذلك ينزهون إسماعيل عن مخالفة أخيه رضي الله تعالى عنهما ومن علم أحوال هؤلاء الأئمة من أهل البيت وأسلافهم وأولادهم رضي الله عنهم وعلم ما كانوا عليه من تعظيم السنة ووفور العلم وتعظيم أصحاب جدهم صلى الله عليه وسلم علم براءة ساحتهم من كذب هؤلاء الأرجاس وأفترائهم عليهم أحاديث ما أنزل الله بها من سلطان ، ولا جاء في سنة نبيه بيان ، ولما خرجت الطائفة المذكورة من المشهد وجاءوا إلى البئر الخارجة وقفوا عليها وترحموا ودعوا وقال لهم كبيرهم أن هذه البئر هي التي دخل فيها الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه فغاب عن أعين الناس إلا الآن وهم يظنون أنه قد مات أو كلاما هذا معناه فقضينا العجب من حمقهم وقبح اعتقادهم في آل البيت الذي آل بهم إلى تنزيههم عن الموت وذلك معتقد الروافض بأجمعهم في الإمام الثاني عشر من أئمتهم وهو محمد بن حسن العسكري رضي الله عنه يعتقدون أنه إلى الآن حي وانه هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان الموعود به في الحديث الصحيح أنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا قلت والعجب كل العجب من متابعة بعض أهل التصوف في ذلك لهم حسبما نقله سيدي عبد الوهاب الشعراني عن بعض مشائخه وانه اجتمع به وأخبره بمقدار عمره وانه جاوز السبعمائة سنة إذ ذاك بل في كلام بعضهم ما يشير إلى أن الشيخ محيى الدين يقول بذلك ولو لا الإطالة لنقلت كلامهم في ذلك والعلم عند الله تعالى فإن صح عن هؤلاء الأئمة أنهم قالوا ذلك فنحن ممن يعتقدهم ويجزم بصدقهم فيما يقولون لأنهم خيار الأمة إلا أنا نكل العلم إلى الله تعالى في فهم ما ورد عنهم في ذلك إذ ليس في الشريعة قاطع يدل على كذب الروافض في هذه المسألة بخصوصها وإن كانوا كاذبين في غيرها وموافقة بعض أئمتنا الصوفية لهم في ذلك من جهة الكشف لا يقدح في كمال منصبهم لعدم القاطع في كذبهم ولا يدل


أيضا على صدق الروافض فيما سوى ذلك مما تبين كذبهم فيه وافتراؤهم فإن موافقة المحق للمبطل في جزئية لا دليل على بطلانها لا يدل على صدق المبطل فيما سوى ذلك ولا على كذب الصادق فيما سوى ذلك وقد وافق كثير من الأئمة المحققين أهل الكشف الصادق آراء الفلاسفة في جزئيات مما ادعوه لم يقم الدليل على بطلانها كما وافق كثير منها أيضا الجم الغفير من المحققين من علماء الظاهر أهل الكلام فالا يشكل عليك ما تجده في كلام أئمة الطريق رضي الله عنهم موافقا للفلاسفة تارة وللروافض أخرى فذلك لا يقع في كلامهم غالبا إلا فيما لم يقم دليل على بطلان قولهم فيه وان فرض فيما سوى ذلك وما أبعده من جلالة منصبهم فهو مؤول قطعا فشد يدك على ما قررنا وهذه الفائدة ساق الله تقريرها في هذا المحل ولم يكن تستطيرها قبل ذلك لنا ببال انتهى.

ومنها مشهد على يسارك وأنت مار في زقاق البقيع يقال انه لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه وقد ذكر السيد السمهودي المشاهد كلها التي ذكرناها إلا هذا والذي نسب لحليمة فلم يذكرهما ولا أدري هل حدث بناؤهما بعده أو لم يتضح له صحة نسبتهما لمن ذكر مع أن السيد السمهودي قد ذكر أبا سعيد فيمن دفن بالبقيع وروى عن عبد الرحمن ابن أبي سعيد قال قال لي أبي يا بني أني قد كبرت وذهب أصحابي وحان موتي فخذ بيدي فأخذت بيده حتى جاء إلى البقيع فجئت أقصاه مكانا لا يدفن فيه فقال يا بني إذا هلكت فاحفر لي هاهنا فإذا ثبت أن قبره أقصى البقيع فلا يبعد أن يكون هذا قبره.

وأما قبر حليمة فقال لم أر أحدا ذكر أنها دفنت بالبقيع والله تعالى اعلم وعلى كل حال فيزار كل مشهد نسبة إلى الله أو إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ولو لم تصح نسبة المشهد إليه فإن لمجرد النسبة أثرا في حصول البركة.


ومن المشاهد التي تزار بالمدينة وليست بالبقيع ثلاثة أحدها مشهد مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري وهو من شهداء أحد رضي الله عنهم ومشهده غربي المدينة بلصق السور من داخله وعليه قبة قديمة البناء ومحله من سوق المدينة القديم روي عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقل من شهداء أحد إلى المدينة أن يدفنوا حيث أدركوا فأدرك مالك بن سنان عند أصحاب العباء أي الذين يبيعون العباء في طرف الحناطين ولابن زبالة فوافوه في السوق فدفن عند مسجد أصحاب العباء وهنالك كانت أحجار الزيت ثانيها مشهد ذي النفس الزكية وهو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين وهو أخو السيد إدريس أول أهل البيت قدوما إلى المغرب وعامة شرفاء أهل المغرب من نسله إلا شرفاء سجلماسة فإنهم من نسل النفس الزكية استوطن أسلافهم الينبع فقدم جدهم منه إلى المغرب في السابعة والله اعلم ومشهده بناء في جوف مسجد كبير شرقي سلع وفي قبلة المسجد منهل من عين الأزرق وهذا هو المستفيض بين أهل المدينة.

قال السيد وذكر سبط ابن الجوزي أن كثيرا من الناس كان قد بايعه فخرج على المنصور بعد حبسه لأبيه وأقاربه فجهز إليه المتصور عمه عيسى بن موسى في أربعة آلاف وذكر قتله عند أحجار الزيت أي عند مشهد مالك بن سنان وأن جسده دفن بالبقيع إلى أن قال وثالثها مشهد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وهو بأحد فهذه المشاهد هي المعروفة بالمدينة فينبغي لزائرها أن يزورها ويسلم على أصحابها ويتوسل بهم إلى الله تعالى في بلوغ مآربه.

نكتة مما ينبغي لزائر المدينة الإكثار من الصلاة في المسجد النبوي فقد روى الإمام أحمد والطبراني في الأوسط ورجاله ثقاة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه من


صلى في مسجدي أربعين صلاة لا تفوته صلاة كتب له براءة من النار وبراءة من العذاب وبريء من النفاق ولفظ الصلاة وإن كان شاملا للفرائض والنوافل فالظاهر من الحديث خصوص تلك بالفرائض بدليل زيادة الطبراني لأن الفوات فيها أظهر ولا يبعد إلحاق النوافل الموقته بأوقات معلومة بها كالوتر وركعتي الفجر وأن ألحقت بها الرواتب أيضا والضحى والتهجد خصوصا عند من لا يرى التحديد فيها كالإمام مالك رضي الله عنه اتسع الفضل ورجي حصول ذلك الفضل لمن أقام ولو يوما واحدا وحافظ على تلك الصلوات في المسجد النبوي كحجاج المغرب فإنهم في بعض السنين لا يقيمون إلا يوما واحدا فليتنبه لهذه الدقيقة وليحافظ عليها من قصرت إقامته بالمدينة ليحصل له هذا الفضل العظيم الذي فيه خير الدنيا والآخرة وأما من تطول إقامته بالمدينة ثمانية أيام فانه يحصل له هذا الفضل بالفرائض دون النوافل كأهل الشام فإنهم يتأخرون بالمدينة عن الأركاب المغربية والمصرية ويتسع مجالهم في المدينة وينتفعون بالمشاهد من غير منازع ولا مدافع فيقيمون العشرة أيام فأكثر ويتمتعون بمشاهد تلك البقاع ونصبت الأسواق ، واتسعت الأرزاق ، وقسمت الصدقات ، وكثرت الارتفاقات.

وبالجملة فلا ينتفع أهل المدينة بركب انتفاعهم بأهل الشام فإنهم يقدمون بتجارات كثيرة وطعام وزيت وأشربة يبيعونها بالمدينة عند قدومهم ويدخرون ما بقي إلى الإياب فيبيعون كل ذلك بالمدينة.

قال أبو سالم لأهل المدينة عند قدومهم عادة مذمومة وهو انه لا تبقى مخدرة من النساء شريفة كانت أو وضيعة إلا خرجت تباشر البيع والشراء بنفسها ولهن في ذلك الوقت على الرجال أتاوة يؤدونها لهن يبتعن بها ما أحببن من اللائق بهن من طيب وشبهه وربما لا تقنع أحداهن من زوجها إلا بالخميس دينارا فما فوقها فقد حكي ان


امرأة بعض المدرسين بها أعرفه طلبت منه في ذلك اليوم ما تخرج به إلى السوق على العادة فدفع لها عشرة دنانير ذهبا فاستقلتها وذهبت من شدة الغضب فرمت بها في المرحاض وأتلفتها عليه وقالت أمثلي يخرج إلى السوق بهذا المقدار فلم يملك من أمره إلا أن ذهب وتسلف خمسين دينارا فدفعها لها وهذه حسرة عظيمة وذل للرجال الذين جعلهم الله قوامين على النساء فلا ينبغي لذي همة أن يرضى بذلك بيد أن نساءهم يبالغن في الستر الظاهر بحيث لا يبدو من المرأة ولو مغرز إبرة حتى من أطرافها يلبسن الخفاف السود ويترفعن ويسدلن من أزرهنّ ما يكون نهاية في الستر إلا أنهن يكثرن من الطيب عند الخروج فيوجد عرف الطيب منهن من مسافة فيكون ما سترنه ظاهرا بدينه باطنا وبهذا فسر بعض العلماء قوله صلى الله عليه وسلم رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة لأن الحكم في الآخرة إنما هو للحقائق ومن هذه صفته من النساء وان اكتست في الظاهر فهي في الحقيقة عارية لأن حقيقة التعري إبداء ما حقه أن يخفى كما ان التستر إخفاء ما لا ينبغي أن يظهر ولا خفاء أن عطرة المرأة من أعظم زينتها وألذ ما يشتهي منها وقد أمرت بإخفاء ما هذا سبيله من أوصافها فإذا ظهر منها ذلك فهي في الحقيقة عارية وإن اكتست فإن من العورات ما لا تواريه الكسوة ولا يواريه إلا تركه رأسا أو الخلوة ككلام المرأة فالصحيح أنه عورة كذلك عطرها فلا يواريه إلا تركه ولذلك جازلها الطيب المؤنث وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه لأن اللون تستره الثياب بخلاف الريح فلا يستره إلا الترك رأسا أو عدم الخروج فليتأمل. انتهى.

ذكر المساجد التي تزار بالمدينة لنسبتها للنبي صلى الله عليه وسلم فمنها مسجد قبا وهو المسجد الذي أسس على التقوى في أصح الأقوال وقيل هو مسجده عليه الصلاة والسلام كما ورد في حديث وجمع بأنه يطلق على كل منهما وينبغي زيارة هذا المسجد ويختار كونها يوم السبت كما ورد في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي مسجد قبا كل سبت راكبا أو ماشيا وكان عبد الله يفعله يعني ابن عمر


رضي الله عنهما وورد في فضل هذا المسجد أثار كثيرة منها ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لو كان مسجدنا هذا بطرف من الأطراف لضربنا إليه أكباد الإبل وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لأن أصلي في مسجد قبا ركعتين أحب إلي من أن آتي إلى بيت المقدس مرتين لو يعلمون ما في قبا لضربوا إليه أكباد الإبل وعن زيد بن أسلم رضي الله عنه الحمد لله الذي قرب منا مسجد قبا ولو كان بأفق من الآفاق لضربنا إليه أكباد الإبل وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال الصلاة في مسجد قبا كعمرة إلى غيرها من الأحاديث والأخبار وقد أتيناه فدخلناه وصلينا في مصلاه صلى الله عليه وسلم سجدة الضحى وهو إلى حرف الاسطوانة التي في الصف الموالي لمحراب المسجد عن يمين المصلي فيه وهناك أماكن أخر ذكر أنه عليه الصلاة والسلام صلى فيها منها في رحبته ومنها في زاويته الشرقية من الصف الأول.

وقد ذكر السيد السمهودي ذلك كله وبينه أحسن بيان وخارج المسجد من قبلته موضع يسمونه مسجد علي قال السيد لعله مسجد دار سعد بن خيثمة فقد ورد انه عليه الصلاة والسلام اضطجع فيها وتوضأ من المهراس الذي فيها قال وفي قبلته أيضا دار كلثوم بن الهدم الذي نزل عليه الصلاة والسلام لما قدم قبا قلت ولعل موضعه مسجد صغير آخر لم نجد من يسميه قاله أبو سالم.

وقريب من مسجد قبا كناسة كبيرة من شرقيه يقال إنها مسجد الضرار ودخلنا الحديقة التي فيها بئر اريس وشربنا من مائها وتوضأنا منه ومنها مسجد الجمعة وهو في طريق قبا نحو ميل أو أقل من مسجد قبا على يمين الذاهب من المدينة على الطريق التي تمر بين النخل ومن مر على طريق الحرة الغربية فهو عن يساره فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من قبا في هجرته أدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن الوادي وهي أول جمعة صلاها عليه الصلاة والسلام بالمدينة وهذا المشهد اليوم


في منخفض من الأرض قد أحاطت به حدائق النخل من أكثر جهاته وفي شماليه أطم خراب قيل أنه محل عتبان ابن مالك رضي الله عنه وفيه أثر مسجد صغير غير مسقف يقال انه المكان الذي صلى به صلى الله عليه وسلم من بيته ومسجد الجمعة في مستبطن الوادي الذي يحول بينه وبين قومه إذا سأل ومنازل قومه في غربي الوادي على طرف الحرة ومنها مسجد الفضيخ وهو مسجد صغير شرقي مسجد قبا على شفير الوادي على نشر من الأرض مرضوم بحجارة سود.

فقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير فضرب قبته قريبا من مسجد الفضيخ وكان يصلي في موضع مسجد الفضيخ ست ليال وسمي مسجد الفضيخ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بفضيخ وهو فيه فشربه وقيل غير ذلك ويعرف الآن بمسجد الشمس. قال السيد ولا أعرف سبب هذه التسمية ومنها مسجد بني قريظة قرب حرتهم الشرقية على باب حديقة هناك وعنده خراب أبيات شمالي الحديقة من دور بني قريظة وأطم الزبير بن باطيا القرظي داخل في هذا المسجد ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى سعد بن معاذ رضي الله عنه لما نزل بنو قريظة على حكمه فلما كان قريبا من المسجد قال عليه الصلاة والسلام للأنصار رضوان الله تعالى عنهم أجمعين قوموا إلى سيدكم وليس المراد مسجد المدينة لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن بها بل مسجد بني قريظة كما أشار إليه الحافظ ابن حجر رضي الله عنه وأخطأ من زعم أن لفظ المسجد غلط وهذا المسجد كبير عليه حظيرة من حجارة قريب من القامة وفي زاويته الغربية الشمالية دكة كبيرة هي موضع منار المسجد قبل انهدامه فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيت امرأة من الحضر وأن المكان الذي صلى فيه هو موضع هذا المنار.


ومنها مسجد مشربة أم إبراهيم عليه السلام فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام صلى في مشربة أم إبراهيم وسميت بذلك لأن مارية ولدت سيدنا إبراهيم بن نبيا صلى الله عليه وسلم فيها وكان النبي صلى الله عليه وسلم أسكنها هناك فهي من أموال مخيريق التي هي من صدقاته صلى الله عليه وسلم وهذا المسجد شمالي مسجد بني قريظة قريب من الحرة الشرقية ومنها مسجد بني ظفر من الأوس شرقي البقيع بطرف الحرة الشرقية ويعرف الآن بمسجد البغلة فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني ظفر وانه أتى لبني ظفر في مسجدهم فجلس على الصخرة التي في المسجد ومعه عبد الله (1) بن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه وأمر صلى الله عليه وسلم قارئا فقرأ حتى أتى على هذه الآية (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) الآية فبكى الحديث.

وعند هذا المسجد أثار في الحرة من جهة القبلة يقال انه أثر حافر بغلته صلى الله عليه وسلم وهناك آثار على حجر كأنه أثر مرفق يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتكأ عليه ووضع مرفقه الشريف عليه وعلى حجر آخر أصابع والناس يتبركون بها ومنها مسجد الأجابة وهو لبني معاوية بن مالك من الأوس وهو شمالي البقيع قريب منه على يسار السالك إلى العريض بإزائه تلول هي آثار قرية بني معاوية ففي صحيح مسلم من حديث عامر بن سعيد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية حتى مر بمسجد بني معاوية دخل فركع ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سأتله أن لا يهلك أمتي فأعطانيها وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها وعن سعد بن أبي وقاص أنه كان مع النبي صلى الله عليه

__________________

(1) في غير الرحلتين العياشية والناصرية عبد الرحمن.


وسلم فمر بمسجد بني معاوية فدخل فركع فيه ركعتين ثم قام فناجى ربه ثم انصرف وعن محمد بن طلحة بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني معاوية على يمين المحراب نحو ذراعين قال السيد فليتحر ذلك مع الدعاء قائما.

ومنها مسجد الفتح والمساجد التي في قبلته وتعرف اليوم كلها بمساجد الفتح والأول هو المرتفع على قطعة من جبل سلع في المغرب يصعد إليه بأدراج شمالية وشرقية وهو المراد بمسجد الفتح عند الإطلاق ويقال له أيضا مسجد الأحزاب والمسجد الأعلى.

وفي مسند الإمام أحمد برجال ثقاة عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد الفتح ثلاثا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرف البشر في وجهه قال جابر فلم ينزل في أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة وروي انه عليه الصلاة والسلام مر بمسجد الفتح الذي على الجبل وقد حضرت صلاة العصر فرقي فصلى به صلاة العصر وروي انه عليه الصلاة والسلام دعا في مسجد الفتح يوم الأحزاب حتى ذهب الظهر وذهب العصر وذهب المغرب ولم يصل منهن شيئا ثم صلاهن جميعا بعد المغرب.

قال أبو غسان وسمعت غير واحد ممن يوثق به ان الموضع الذي دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجبل هو اليوم إلى (1) الاسطوانة الوسطى الشارعة في رحبة المسجد قال السيد ومحل ذلك اليوم ما يقابل محراب المسجد من الرحبة لتوسطه فانه كان على ثلاثة أساطين بني المشرق والمغرب فمسقفه رواق واحد كما هو اليوم

__________________

(1) في الرحلة الناصرية الموالي إلى.


لكن غيرت أساطينه وذكر الدعاء الذي ينبغي أن يدعو به في ذلك الموضع وهو لا إله إلا الله العظيم الحكيم (1) لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا [إله إلا الله رب السموات والأرضين ورب العرش العظيم](2) اللهم لك الحمد هديتني من الضلالة فلا مكرم لمن أهنت ولا مهين لمن أكرمت ولا معز لمن أذللت ولا مذل لمن أعززت ولا ناصر لمن خذلت ولا خاذل لمن نصرت ولا معطي لمن منعت ولا مانع لمن أعطيت ولا رازق لمن حرمت ولا حارم لمن رزقت ولا رافع لمن خفضت ولا خافض لمن رفعت ولا خارق لمن سترت ولا ساتر لمن خرقت ولا مقرب لمن أبعدت ولا مبعد لما قربت اللهم أنت عضدي ونصيري بك أحول وبك أصول وبك أقاتل اللهم يا صريخ المستصرخين والمكروبين ويا غياث المستغيثين ويا مفرج كروب المكروبين ويا مجيب دعوة المضطرين صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما واكشف عني كربي وغمي وحزني وهمي كما كشفت عن حبيبك ورسولك صلى الله عليه وسلم كربه وحزنه وهمه في هذا المقام وأنا استشفع به إليك صلى الله عليه وسلم في ذلك فقد ترى حالي وتعلم عجزي وضعفي يا حنان يا منان يا ذا الجود والإحسان أسألك من خير ما سألك منه عبدك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم ويدعو بما أحب ويبغي أن يضم لذلك ما دعا به الشافعي عند دخوله على الرشيد في محنته فقد روى أبو نعيم من طريق الشافعي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا به يوم الأحزاب وهو دعاء عظيم وان كان رفعه غير صحيح كما قال البيهقي وهو شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام اللهم أني أعوذ بنور قدسك وبركة طهارتك وبعظمة كلامك من كل عاهة وآفة وطارق الأنس والجن إلا طارق يطرق بخير يا رحمان اللهم أنت ملاذي فيك ألوذ وأنت غياثي فيك

__________________

(1) في الرحلة الناصرية الحليم.

(2) ما بين القوسين ساقط من نسختين ومن الرحلة الناصرية.


استغيث يا من ذلت له رقاب الفراعنة وخضعت له مقاليد الجبابرة اللهم ذكرك شعاري ودثاري ونومي وقراري أشهد أن لا إله إلا أنت أضرب على سرادقات حفظك وقني رغبتي بخير منك يا رحمان.

قال وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يوم الأحزاب شهد الله إنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم أن الدين عند الله الإسلام ثم قال وأنا أشهد بما شهد به واستودع الله هذه الشاهدة وهذه الشهادة وديعة لي عنده يؤديها لي يوم القيامة اللهم أني أعوذ بنور قدسك وعظيم ركنك وعظمة طهارتك من كل آفة وعاهة ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير اللهم أنت غياثي بك استغيث وأنت ملاذي بك ألوذ وأنت عياذي بك أعوذ يا من ذلت له رقاب الجبابرة وخضعت له أعناق الفراعنة أعوذ بك من خزيك ومن كشف سترك ونسيان ذكرك والانصراف عن شكرك أنا في حرزك ليلي ونهاري ونومي وقراري وظعني وأسفاري وحاتي ومماتي ذكرك شعاري وثناؤك دثاري لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك تشريفا لعظمتك وتكريما لسبحات وجهك أجرني من خزيك ومن شر عبادك واضرب علي سرادقات حفظك وأدخلني في حفظ عنايتك وجد علي منك بخير يا أرحم الراحمين انتهى.

قال وتسمية هذا المسجد بمسجد الفتح لأن الاستجابة وقعت به وجاء حذيفة بخير رجوع الأحزاب ليلا به فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وقد فتح الله عز وجل لهم ونصرهم وأقر أعينهم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم ابشروا بنصر الله وفتحه وقول ابن جبير إن سورة الفتح أنزلت به لا أصل له انتهى.

قلت إنما أنزلت بين مكة والمدينة في شأن الحديبية فرجع النبي صلى الله عليه


وسلم منها وقد حيل بينهم وبين نسكهم وكان الصحابة بين الكآبة والحزن فنزلت تسلية لهم وبشرى.

وأما المساجد التي في قبلته فقد روي عن سعد بن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد الفتح الذي على الجبل وفي المساجد التي حوله.

قال السيد وهو ظاهر في أنها ثلاثة غيره فأحدها الذي يلي المسجد الأعلى يعرف بمسجد سلمان الفارسي وثانيها ففي قبلة هذا المسجد يعرف بمسجد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وثالثها في قبلة الثاني على طرف جبل سلع جانحا لجهة الشرق ويعرف بمسجد أبي بكر وهو أصغرها وفي باب المعروف منها بعلي ماجل ماؤه ينزل إليه بدرج وأهل المدينة يخرجون إلى هذه المساجد لقصد التفرج في أيام كثيرة ولهم يوم معلوم في السنة يخرجون إليها بالأخبية والأطعمة الكثيرة فيبيتون بها في لهو وطرب وهو يوم النصف من شعبان.

وقال شيخنا أبو سالم وقد خرجنا مرة لزيارة المساجد فوجدنا الأعلى منها مملؤا نساء ولم نتمكن من الدخول إليه وهن يطبخن فيه أنواع الأطعمة ونساء المدينة لهن عوائد مذمومة في الخروج إلى التنزه والتفرج في البساتين والأماكن المنفسحة ويسمون ذلك القائلة فيقولون نقيل اليوم في الموضع الفلاني وخروج الرجال لذلك أكثر فتكلف المرأة زوجها من النفقة ما لا قدرة له عليه ومن الأماكن التي هي في عدد المساجد وينبغي التبرك بها والصلاة فيها كهف سلع وهو كهف بني حرام فقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس به وكان يبيت به ليالي الخندق.

قال السيد السمهودي والظاهر انه المراد بما في الأوسط والصغير للطبراني من أن معاذ بن جبل خرج يطلب النبي صلى الله عليه وسلم فدل عليه في جبل ثواب فخرج


حتى رقي جبل ثواب فبصر به في الكهف الذي اتخذ الناس إليه طريقا إلى مسجد الفتح فإذا هو ساجد فقال فهبطت من رأس الجبل وهو ساجد فلم يرفع حتى أسأت به الظن فظننته قبضت روحه قال جاءني جبريل بهذا الموضع فقال ان الله تعالى يقرئك السلام ويقول ما تحب أن تصنع بأمتك قلت الله أعلم فذهب ثم جاء إلي فقال أنه يقول لا أسوءك في أمتك فسجدت فأفضل ما أتقرب إلى الله السجود.

قال السيد جبل ثواب لم أقف له على ذكر لكن وصفه الكهف بما ذكر ظاهر في إرادة الكهف المذكور بسلع على يمين المتوجه من المدينة إلى مساجد الفتح من الطريق القبلية بقرب شعب بني حرام فإن عن يمينه هناك مجرى سائلة تسيل من سلع إلى بطحان فإذا دخلها صعد يسيرا في المشرق وكان الكهف عن يمينه وأعلى منه في المشرق وكهف آخر لكنه صغير جدا فالأول هو المراد وإذا توجه من هذه السائلة طالب مسجد الفتح كان شعب بني حرام عن يمينه وهو شعب متسع به آثار مساكنهم وأثر مسجدهم الكبير الذي زاد عمر بن عبد العزيز في بنائه واختلف في صلاته صلى الله عليه وسلم بهذا المسجد بناء على أن تحولهم إلى هذا الشعب كان في زمانه عليه الصلاة والسلام فانه روي أنه كان في زمان عمر رضي الله تعالى عنه اه قال أبو سالم وأثر المسجد اليوم باق بأسفل الوادي إلا أنه لا بناء عليه وإنما عليه حظير صغير وهو لا يعرفه كثير من الناس ولا يوبه به كذلك الغار المذكور لا يعرفه كثير من الناس ولا يقصد للزيارة ومنها مسجد القبلتين وهو لبني سلمة وسمي مسجد القبلتين لأن القبلة حولت فيه.

قال السيد والأرجح أن تحويل القبلة كان بمسجد القبلتين والنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي به وليحيى عن محمد بن الأخنس قال زار رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بشر ابن البراء من بني سلمة في بني سلمة فصنعت له طعاما فآن الظهر فصلى


رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه في مسجد القبلتين الظهر فلما أن صلى ركعتين أمر أن يوجه إلى الكعبة باستدار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة واستقبل الميزاب وهي القبلة التي قال الله فلنولينك قبلة ترضاها فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين وهو غربي بطحان وسلع قريب من العقيق في مكان مرتفع والطرايق إليه في أكام سود من الحرة وشعاب ومنها مسجد السقيا اللاتي ذكرها في الآبار وليست السقيا التي بينها وبين المدينة مرحلة بل محل آخر بالحرة الغربية وهذا المسجد على يسار الذاهب إلى المدينة من العقيق في الحرة الغربية على طريق الحاج عند ما يقرب من المساكن ويشرف على المدينة وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض جيش بدر بالسقيا وصلى في مسجدها ودعاء هنالك لأهل المدينة ان يبارك لهم في مدهم وصاعهم وأن يأتيهم بالرزق من هاهنا وهاهنا.

قال السيد وقد تطلبت المسجد بهذا المحل فرأيت رضما على ربوة هناك فأرسلت إليه بعض العمال ليحفر عن أساسه فظهر تربيعه وبقية محرابه ومن جدرانه أزيد من نصف ذراع في دوره مبيضة بالفضة فيفي على أساسه الأول.

قال الشيخ أبو سالم وهو اليوم مبني ببناء وثيق يأوي إليه الغرباء في بعض الأحيان خصوصا أيام الموسم فإن الركب المصري ربما وصلوا بالنزول في بعض السنين إلى تلك الناحية ومنها مسجد ذباب ويعرف اليوم بمسجد الراية وهو على جبل صغير قريب من سلع من شرقيه قريب من ثنية الوداع على يسار الداخل إلى المدينة من طريق الشام فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ذباب وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ضرب النبي صلى الله عليه وسلم قبته على ذباب يعني في غزوة الخندق والأرجح أن الخندق كان من ناحية ذباب قال السيد وقد رأيت لذباب ذكرا في أماكن كثيرة كلها متفقة على وصفه بأنه الجبل المذكور بحيث لا تردد


عندي فيه.

قال ولعل اشتهاره بمسجد الراية لقول الواقدي في وصف اصطفافهم على الخندق وكان يزيد بن هرمز في موضع ذباب يحمل راية الموالي وصفهم كراديس بعضها خلف بعض إلى رأس الثنية يعني ثنية الوداع.


ذكر جبل أحد وما به أو بطريقه من المساجد النبوية

وذكر مشهد سيد الشهداء حمزة ومن معه من الشهداء

رضي الله تعالى عنهم

جرت عادة أهل المدينة شرفها الله تعالى بزيارة قبر سيدنا حمزة رضي الله تعالى عنه كل يوم خميس وربما باتوا هنالك ليلة الخميس في أغلب الأحوال.

قال شيخنا أبو سالم ولا أعلم لاختيارهم الزيارة في الخميس سببا إلا أن يكون ما ورد أن الأموات يعلمون بزائرهم يوم الجمعة ويوما قبله ويوما بعده فلما كان يوم الجمعة يضيق المشي فيه بسبب الاشتغال بمقدمات الصلاة وزيارة البقيع ويوم السبت لزيارة قبا فلم يبق إلا يوم الخميس.

وزيارة أحد والشهداء به من السنن المأثورة ففي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات وفي حديث أبي داود خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نريد قبور الشهداء حتى إذا أشرفنا على حرة راقم فلما تدلينا منها فإذا قبور فقلنا يا رسول الله أقبور إخواننا هذه قال قبور أصحابنا فلما جئنا قبور الشهداء بأحد على رأس كل حول فيقول سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار وكان إذا واجه الشعب قال سلام عليكم بما صبرتم فنعم أجر العاملين وروي أن فاطمة رضي الله تعالى عنها كانت تزور قبر عمها حمزة رضي الله تعالى عنهما ترمه وتصلحه وقد علمته بحجر وروى الحاكم عن علي أن فاطمة رضي الله عنهما كنت تزور عمها حمزة رضي الله عنهما كل جمعة فتصلى وتبكي عنده وروى البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبور الشهداء بأحد فقال اللهم أن عبدك ونبيك يشهد أن هؤلاء شهداء وإن من زارهم وسلم عليهم إلى يوم القيامة


ردوا عليه والمشهور أن الذين أكرموا بالشهادة بأحد سبعون رجلا أفضلهم وسيدهم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وروي أن مصعب بن عمير رضي الله عنه دفن معه ف قبر واحد وأن عبد الله بن جحش معهما قال السيد والصحيح أنه ليس معه أحد في قبره وأن مصعبا وعبد الله دفنا بقربه فيسلم على الثلاثة في مشهد حمزة رضي الله عنهم والمشهد عليه قبة عالية متقنة وبابه مصفح بالحديد وحوله بناء متسع فيه بئر وفيه أخيلة للوضوء متصلة بالسطح.

قال السيد والقبر الذي عند رجلي سيدنا حمزة رضي الله عنه والذي في الصحن ليسا من قبور الشهداء وباب المشهد في سائر الأيام مقفل لا يفتح إلا يوم الخميس يأتي القيم من المدينة بالقصد لذلك ولأهل المدينة موسم كبير في رجب يختلفون فيه لزيارة حمزة والشهداء رضي الله عنهم يأتي الناس إليه من أقطار الحجاز من مكة واليمن والطائف والينبع فيحشر هنالك خلائق لا يحصون يقاربون ما يجتمع في موسم الحج ويخرج أهل المدينة إلا القليل بأولادهم ونسائهم ويخرجون معهم المضارب الحسان والخيام الكبار ويخرج أمراء المدينة وعسكرها وتنصب الأسواق العظيمة هنالك يخرجون من أوائل رجب ويتلاحق الناس كل على قدر حاله فيتكامل خروجهم في اليوم الثاني عشر وهو اليوم المشهود عندهم ويوم الزينة فلا يبقى بالمدينة إلا أهل الأعذار ومن شاكلهم ويحصل هنالك في تلك الليلة من أنواع اللهو والطرب واللعب بأشياء كثيرة والرمي بالمدافع والمحارق ويبيت الناس طول ليلهم ويومهم في القراءة والزيارة حول القبر ويوقد هنالك من الشمع شيء كثير.

قال الشيخ أبو سالم وأصحاب شيخنا القشاشي هم المتولون لوظيفة القراءة حول القبر لا تنقطع القراءة في الليل بأجمعه والنهار بتمامه قال وكبيرهم شيخنا الملا إبراهيم رضي الله عنه معهم لا يفارق ذلك المحل وكيفية القراءة أن تجتمع جماعتهم كلهم فيبدأ


أحدهم فيقرأ جزءا فيستمع الباقون فإذا فرغ من جزئه أخذ الذي يليه في القراءة والآخرون يستمعون ثم كذلك سائر الليل والنهار.

قال وحكي أن بعض الفقهاء بالمدينة كان ينكر على أهل المدينة خروجهم إلى أحد في رجب ويقول لهم أن ذلك من البدع المذمومة لما يحصل في ذلك من أنواع اللهو والسرف في المطاعم وغيرها والتكلف في النفقات والخروج من المدينة بالأهل والأولاد والخيم الشبيه بشد الرحال بل هو مع ما في ذلك من التشبه بمواسم الحج في الهيئة واعتقاد القربة واعتياد يوم في السنة إلى غير ذلك من الأمور التي لا توافق ظاهر الشرع وكذلك الفقيه لا يخرج معهم إذا خرجوا ويشدد النكير عليهم في ذلك فبينما هو ذات يومن من الأيام التي تهيأ الناس فيها للخروج جالس في الروضة أو قريبا منها إذ غلبته عيناه فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدخل ويخرج من الحجرة ويقوم ويقعد كفعل المتهيئ للسفر وأثاث السفر معدة بين يديه فقال له يا رسول الله ما هذا الذي أرى أتريد الانتقال عنا والخروج من المدينة قال لا إنما أريد الخروج لزيارة عمنا حمزة مع أهل المدينة أو كلاما هذا معناه فانتبه الفقيه من نومه وتهيأ للخروج مع الناس فتعجبوا من ذلك وسألوه فأخبرهم بذلك ولا بدع فإن النبي صلى الله عليه وسلم تعلقا معنويا وموافقة روحانية لأمته في سائر شئونهم وتقلباتهم فيهتم بما يهتمون ويفرح بما يفرحون ويسوءه ما يسوءهم فما بالك بأهل المدينة الطيبة المطيبة وكل ذلك رحمة منه لهم ورأفة بهم وحنانا ولا يمنعه من ذلك كون بعض شؤونهم قد يلابسها ويخالطها خلاف المشروع فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته معهم على هذا الحال وفيهم المسيء والمحسن والطائع والعاصي بل المومن والمنافق فيعلم جاهلهم ويرشد ضالهم ويرفق بالشرير الأخلاق منهم حتى ينقاد ولم تحمله إساءتهم ولا عصيان بعضهم بل نفاقه على مفارقتهم والتخلي عنهم إذ لو تخلى عنهم لعوجل المسيء بالهلاك وخذل المطيع في طاعته ولم يبال الله بهم باله فكذلك حاله صلى الله عليه


وسلم مع أمته بعد موته وقد قال حياتي خير لكم ومماتي خير لكم الحديث فهو معهم صلى الله عليه وسلم في كل أطوارهم وتقلباتهم بمدده الرباني وسره الحقاني يستغفر لمسيئهم ويشفع له ويشهد لمحسنهم ويستوهب له من الله الزيادة ولا يخفى عليه شيء من أحوالهم ولا يغفل عنهم طرفة عين في كل شئونهم فلا يستبعد حضوره صلى الله عليه وسلم بروحانيته في محافل المسلمين ومواسهم ومحال اجتماعهم على أي حال كانوا فلو فارقتهم روحانيته صلى الله عليه وسلم الشريفة طرفة عين لضلوا عن سواء الطريق ، ولهوت بهم الضلالة في مكان سحيق ، فسبحان من منّ به على عباده ، وجعله برزخا بينه وبين أهل وداده ، فما أرأفه بنا من إله إذ جعله رسولا إلينا ، ورحمة علينا ، نسأله سبحانه أن لا يخلينا من مدده صلى الله عليه وسلم طرفة عين آمين.

وتفهم من هذا ما يحصل من الاجتماع العظيم في محال بعض الصالحين واشتماله على بعض المناكر ومع ذلك يحضره الأولياء وأرباب القلوب من الصالحين فيشاهدون حصول مدده لكل زائر ، وسرينا سره في كل حاضر ، وذلك كمولد سيدي أحمد البدوي بمصر ومولد الإمام الشافعي وعند سيدي أبي مدين وسيدي أبي يعزى وسيدي أبي العباس السبتي بأرض المغرب وعند مولاي عبد السلام بن مشيش يوم المولد النبوي وغير ذلك من الأماكن الشهيرة المنسوبة لكثير من الأولياء شرقا وغربا.

فقد ذكر سيدي عبد الوهاب الشعراني في كثير من تواليفه عن جماعة من أهل الكشف أنهم يشاهدون النبي صلى الله عليه وسلم في مولد سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه وانه يحضره كل سنة مع اشتماله على كثير من الأمور التي لا تنبغي.

قال قد أخبرنا شيخنا أبو مهدي عيسى الثعالبي عن بعض مشائخه أن سيدي عبد الوهاب الشعراني عزم مرة على التخلف عن مولد سيدي أحمد البدوي وإن لا يذهب إليه لما يقع هنالك من المناكر فلما عزم على ذلك وقرب الوقت رأى في المنام


سيدي عبد العالي خديم الشيخ سيدي أحمد البدوي وخليفته من بعده فقال له مباسطا يا عبد الوهاب لا تنقطع عن زيارتنا ونحن نطعمك ملوخية والملوخية عن أهل المصر والريف من أشهى الأطعمة التي لا كبير مؤنة فيها فلما استيقظ عزم على المشي فذهب فكان من الأمر الغريب الدال على صدق الرؤيا لية وصوله لمكان الشيخ أتفق انه لم يطبخ أحد تلك الليلة في الزاوية كلها ولا في القرى التي حولها إلا الملوخية فكانت طعامه وطعام أهل تلك الناحية كلها في تلك الليلة والحكايات الدالة على أمثال هذا كثيرة من انتصار الأولياء لمن آذى من حضر محالهم أو انتهك حرمتهم ولو كان من أدنى ممن يستحق ذلك في باديء الرأي ومع هذا كله فلا يتخذ هذا ذريعة إلى الاستهانة بإقامة الحدود على من وجبت عليه في تلك المحال وإلى التغافل عن إزالة المناكر الواقعة هنالك لمن قدر عليها وإلى التعامي عن ذلك بل التنبه لذلك والاشتغال به لمن له قدرة عليه من أفضل القربات لمن حسنت نيته ولا يمنعه من ذلك ما يقع لبعض من تعاطي ذلك من الأمور التي هي كرامة لذلك الولي فإن ذلك في الغالب لا يقع إلا لمن لم تكن له نية صالحة في النهي عن المنكر وقصد بذل إظهار نفسه أو تنقيص ذلك الولي فإن فرض وقوعه لحسن النية فهو مما يزيده عند الله قربة ويقيم حرمة عبده المنسوب إليه المكان ولله في ذلك أسرار خفية لا تخفى على أهل القلوب الصافية.

قال وإلى مثل هذا التقرير يجنح شيخنا علامة الوقت سيدي عبد القادر الفاسي رضي الله عنه فين يأوي إلى قبور الصالحين من الجناة وقد يكون على أحدهم حد من الحدود فلا ينبغي إهماله وإن أخرج من المحل كان في ذلك هضم لحرمة الولي واستهانة بقدره عند العامة فليلخص من ابتلي بذلك عمله لله تعالى وليصدق الله في أمره فإن الله جاعل له من ذلك مخرجا والله الموفق انتهى.

تتمة مما يجب التنبه لمثل ما سبق ما يقع عند الصالحين في وطننا من المناكر


والمحرمات التي لا تحصى كثرة كاجتماع النساء والرجال الذين فيهم فتنة عظيمة فإن أكثر ذلك الشبان والشابات المتنعمات فمن شاهد ذلك تاه عقله وخاب سعيه وضل قصده وفسد مذهبه وقبح عمله إلا من حفظه الله وعصمه بقصده الرباني وسره النوراني وحبه الصمداني لأن روحانيته صلى الله عليه وسلم امتزجت به فلا يضره ما يقع في ذلك المكان من المناكر لأنه محجوب عن التلبس بها والإناطة بماهياتها وإن شاهدها بحواسه الظاهرة لأن قلبه مجذوب وممحو عن سواه فقالبه مشغول بالأحكام الظاهرة وقلبه منور بنور الحقيقة فتاه في حضرة المكون وإن إلى ربك المنتهى إلا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وذلك كالاجتماع ببجاية آخر رمضان فانه موسم عظيم يجتمع فيه العامة والخاصة وكذا يوم عرفة عند قبر القطب سيدي يحيى العيدلي فإن النساء والرجال يجتمعون هنالك وكذا عند الولي الصالح سيدي علي بن شداد وسيدي علي بن موسى بل وعند سيدي عبد الرحمن الثعالبي (نفعنا الله ببركاته آمين) في الجزائري وسيدي سعد السفري (1) بقسنطينة وفي جبلنا المثقوب وكذا قبر جدنا سيدي أحمد الشريف وقبر سيدي علي بن عبد العزيز وكذا مسجد حنيف وغيرهم من المواضع التي يكون الاجتماع فيها في الظاهر على الله وفي الباطن على شهوات النفس وخطرات الشياطين ووساوس اللعين فإن مفاسد تلك المحال أعظم من خيرها.

نعم قد شاهدنا من تلك الجموع حين كنا نجتمع معهم قوة الحب في الله والشوق لديه بل والله كنت شابا لا يخطر لي خاطر فاسد وإنما شغفت بحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وغيري ممن له قوة نفس وشغف في النساء قد حصل له مقصوده من هؤلاء الجموع كما حكي لي عن بعض الطلبة من فساقهم وكذا بعض الفقراء المدعين بالكذب بيد أني لم أشاهد منهم ذلك.

__________________

(1) في نسخة الصفراوي.


وبالجملة فإن كان في تلك الجموع العلماء العاملون والصديقون والصالحون وغيرهم ممن له نصيب قوي في الله والرغبة لديه بأن يكون له تعظيم الشريعة وتعظيم أهلها فالغالب أن (1) من له نية صافية وقصد صحيح أفلح (2) إذ الشوق رباني والحضرة الإلهية والدائرة نورانية فلا يخيب قاصدها إن صفا قلبه من اللهو والفساد فلا شك انه يفوز بنيته لأنهم من قوم لا يشقى بهم جليسهم فلا يقدح بما وقع فيه من المناكر لكثرة المجتمعين لأن روحانيته صلى الله عليه وسلم سارية في إسرارهم فلا يخلو محلهم ذلك من أهل التصريف ورجال الغيب فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين من الرحمة والأسرار النبوية والفتوحات [الإلهية لما علمت أن كل جمع يستحيل تواطؤه على الباطل لا بد فيه من الرحمة الإلهية والفتوحات](3) النبوية (4) والعلوم اللدنية والأسرار النورانية ولا يضرهم المخالف لهم في أفعالهم ومقاصدهم وأحوالهم الشريفة لأن جمعه صلى الله عليه وسلم لا يخلو من المنافقين والعاصين وكذا من الكفار غير انه لا يرضى بذلك وأن حصل له العلم بشيء من ذلك نهى عنه لأنه لا يقر على معصية وأما غيره قد يحصل لهم العلم بذلك فلا يجدون سبيلا للنهي أو للمنع أما لكثرة المجتمعين أو ذلك موكل لأرباب الولاية فإنهم المكلفون به أو قلوب الصالحين من ذلك الجمع غائبة عن ذلك المنكر.

حاصله كل سوق من الأسواق أو جمع من الجموع لا يخلو عن أهل اللهو والباطل لكن إن كانوا غير مقصودين فلا يلتفت إلى ذلك إذ النظر إلى من يصلح منهم فلا يخيب من له قصد صحيح وإن كان أهل اللهو هم المعتبرون فلا يصلح المجتمع

__________________

(1) في ثلاث نسخ من.

(2) في ثلاث نسخ الفلاح.

(3) ما بين القوسين ساقط في ثلاث نسخ.

(4) في نسخة الربانية.


بهم والقصد لديهم فاعلم هذا رحمك الله وأشدد يدك عليه حاصله الحق يدور مع أهل المحفل فإن كان الغالب فيهم أهل العلم والعمل والجذب الصحيح والصدق الصريح فقاصدهم يفوز من غير شك لأنهم العبرة وإن كان المحفل أعد لأهل الفساد ومن أجلهم وقع فلا شك أن قاصدهم خائب لا يفلح أصلا وان كان فيه أهل الخير فلا التفات إليهم إذ المقصود أهل اللهو وسطوة المجلس لهم فالأحوط عدم الاجتماع بهم وهذا هو الفارق بين المحفلين فالمحفل الأول ضوء شمسه تتزايد والمحفل الثاني شمسه منكسفة على الدوام والحمد لله على ما من الله به علي في هذا المقام.

قال شيخنا المذكور ما نصه ومن الأماكن التي ينبغي زيارتها في أحد قبور الشهداء سوى قبر حمزة ومن معه وأماكنهم ليست معلومة العين على التحقيق لكنها معلومة الجهة فأما مصعب بن عمير وعبد الله بن جحش فليسلم عليهما في مشهد حمزة كما تقدم وأما سهل بن قيس من بني سلمة فقبره دبر قبر حمزة شاميا بينه وبين الجبل وأما عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام ففي الموطأ أنهما في قبر واحد مما يلي المسيل قال الواقدي ومع عمرو بن الجموح قبر خارجة بن زيد وسعيد بن الربيع والنعمان بن مالك وعبد الله بن الحسحاس قال أبو غسان وقبرهم مما يلي المغرب من قبر حمزة نحو خمسمائة ذراع.

وقال السيد وقد تأملته فوجدته كذلك (1) بالربوة التي غربي المسيل الذي هناك ومجرى العين بقربهم من القبلة وقد روي أنا أبا أيمن مولى عمرو بن الجموح معهم أيضا وكذا خلاد بن عمرو بن الجموح فيسلم على هؤلاء الثمانية هنالك قال وأما بقية الشهداء فلا تعرف قبورهم والذي يظهر أنها قرب قبر الموضع المذكور وبقرب قبر حمزة رضي الله عن جميعهم وأسماؤهم مذكورة عن أهل السير.

__________________

(1) في الرحلتين العياشية والناصرية فوجدت ذلك.


وفضل جبل أحد على الجملة معلوم مشهور فقد قال عليه الصلاة والسلام أنه يحبنا ونحبه وكان يأنيه وقال انه على باب من أبواب الجنة فترابه يستشفى به وقال الزركشي ينبغي أن يستثني من منع نقل تراب الحرم تربة حمزة رضي الله عنه أي المأخوذة من المسيل الذي به مصرعه لاطباق الخلف والسلف على نقلها للتداوي للصداع.

قال السيد وتربة صهيب أولى بذلك وللطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأحد هذا جبل يحبنا ونحبه على باب من أبواب الجنة وهذا عير جبل يبغضها ونبغضه على باب من أبواب النار وعير جبل كبير على يسار ذي الحليفة وأنت خارج من المدينة وهو يقابل أحدا إلى ناحية مكة من المدينة وأحد إلى ناحية الشام.

قال السيد وسمي أحد أحدا لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هنالك أو لما وقع من أهله من نصر التوحيد ولا اسم أحسن من اسم اشتق من الأحدية بخلاف عير الذي هو اسم الحمار المذموم أخلافا والحب في أحد من الجانبين حقيقة كما صححه النووي وغيره ولذا كان من جبال الجنة إذ المرء مع من أحب ولا مانع من وضع الحب فيه كما وقع التسبيح من الجبال وقد خاطبه صلى الله عليه وسلم مخاطبة من يعقل فقال لما أضطرب أسكن أحدا ولا ينكر وصف الجماد بحب الأنبياء ما حنّت الأسطوانة لمفارقته صلى الله عليه وسلم حتى سمع القوم حنينها.

ومما ينبغي لزائر أحد أن يأكل شيئا من نباته فقد روي عن زينب بنت نبيط وكانت تحت أنس بن مالك رضي الله عنهم أنها كانت ترسل أولادها فتقول اذهبوا (1) إلى أحد فأتوني من نباته فإن لم تجدوا إلا عضاها فأتوني به فإن أنس بن مالك رضي الله

__________________

(1) كذا في جميع النسخ وفي الرحلة العياشية ولائدها فتقول أذهبن إلخ وفي الرحلة الناصرية وليدتها فتقول أذهبي إلخ.


عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا جبل يحبنا ونحبه قالت زينب فكلوا من نباته ولو من عضاهه قال فكانت تعطينا منه قليلا قليلا فنمضغه انتهى.

لطيفة قال أبو سالم وقد وقع البحث بين الطائفة المالكية ونحن بالمدينة عما يقطع من نبات الحرم المنتفع به للأكل كالخبيرز وغيره فانه يؤتى به ويباع في الأسواق فهل يحل للمالكي ومن لا يرى جواز ذلك شراؤه وأكله فكنت أميل إلى الجواز إذا كان القاطع لذلك والبائع له ممن يرى جواز ذلك في مذهبه لأنه فعل ما يسوغ له شرعا لأنا نقول بأصابة كل مجتهد وإن كنا نرى أن غيره أصوب والممنوع عندنا إنما هو قطعه فلو وجد الإنسان منه شيئا مقطوعا بنفسه من غير أن يكون له سبب في قطعه جاز له الانتفاع به وهذا بعد القطع ووصوله إلى الأسواق بوجه سائع لمتناول ذلك صار في حقنا كالمقطوع بلا سبب إذ لا سبب لنا في قطعه ولا يقاس النبات على صيد الحرم الذي هو ميتة لظهور الفرق بين الصيد والنبات والإجماع على حرمة صيد الحرم والخلاف في نبات حرم المدينة ولو فتح باب الامتناع من الشراء لأدى ذلك إلى فساد كبير وحرج في المعاملات بالامتناع عن ذبائحهم والشراء منهم والبيع لهم لوقوع الخلاف بين الأئمة في فروع كثيرة من الذبائح والصيد وأبواب الربا فيمنع البعض ما يجيزه غيره فلو كنا لا نشتري إلا ممن يتقي الربا على مذهبنا ويشترط في الصيد والذبيحة واللقطة ما نشترطه لأدى ذلك إلى ضيق وحرج وتضليل بعض الأئمة لبعض وهو بعيد من نظر الشارع فلما صح لنا الاقتداء به في الصلاة صح لنا أيضا في غيرها مما يقع فيه الارتباط بين الفعلين فإن البيع حقيقة متوقف حصولها على وجود فعل فاعلين من بائع ومشتر فلا يشترط في صحة البيع إلا كون كل فعل واحد منهما موافقا للمشروع في مذهبه ومعتقده وكذلك صلاة المأمون متوقفة صحتها على وجود فعل فاعلين هما الإمام والمأموم فإذا كل منهما ما تصح به الصلاة في مذهب إمامه


صحت الصلاة ولا يلزم كون الإمام فاعلا لما تصح به الصلاة في مذهب المأموم على المذهب المشهور.

قال وبعد أن كتبت هذا رأيت في نوازل البرزلي ما يدل على أن اجتناب مثل ذلك من الورع وتشتد فيه الكراهية عند بعد المأخذ ونص ما ذكر وقد سئل اللخمي عن تناول ما اختلف فيه الفقاء كشافعي رأى مالكيا غصب طعام فنقله أو عقد عقدا فاسدا في عين وخلطها وقال ملكت ذلك على مذهبي فهل ملكه ملكا صحيحا لا شبهة عليه فيه أم لا وهل يجو للشافعي أن يعامله بالشراء منه والأكل له أم لا فأجاب لا ينبغي لمن قلد الشافعي أن يفعل ذلك وهذا مما يتأكد فيه الورع وإن قلد مالكيا في هذا وأمثاله فلا بأس به وإن كان شافعيا مقلدا لمالك في هذا ولعل هذا مما تشتد فيه الكراهة لعبد المأخذ فيه البرزلي لظاهره أن العزيمة في هذا أرجح من الرخصة إلا أن يقال أن هذا مما تعارض فيه الخطر والإباحة فالورع تركه انتهى.

قال فقد ظهر من قوله لا ينبغي ومن قوله مما يتأكد فيه الورع أن لك سائغ لا ممنوع وهذا كله إذا لم نقل بجواز التقليد للمذاهب المختلفة مع القول بصحتها وأما إن قلنا به وهو قول جم غفير من المحققين منهم عز الدين ابن عبد السلام فقد ارتفع الأشكال واتضح المقال انتهى كلامه.

ومن فضائل أحد ما روي عن جابر رضي الله عنه مرفوعا أن موسى وهارون عليهما السلام أقبلا حاجين فمرا بالمدينة فخافا من يهود فخرجا مستخفيين فنزلا أحدا فغشي هارون الموت فقام موسى فحفر له ولحد ثم قال يا أخي أنك تموت فقام هارون فدخل في لحده فقبض فحثى موسى عليه التراب. قال السيد وهناك شعب يعرف بشعب هارون يزعمون انه بأعلاه وهو بعيد جدا وبأعلى الجبل بناء اتخذه بعض الفقراء قريبا.


قال أبو سالم وقد شاهدت هذا البناء يوم طلوعنا إلى الجبل في الرجبية وهو صورة مسجد قريب منه موضع معد لماء المطر وهو في قبة (1) الجبل في مكان عال مشرف على المدينة وما حولها من البقاع فيه نزهة للناظرين خصوصا وقت طلوعنا إليه في فصل الربيع وبعض الناس يسمون تلك القبة قبة هارون قال وقد أخبرني بعض الناس أن بانيها رجل كان يتعبد هنالك واسمه هارون فسميت به ولم تزل إلى الآن يتعاهدها الناس للعبادة والخلوة وما أولاها بذلك فقد وجدت بقلبي عند الوقوف بها والصلاة هنالك ما لا مزيد عليه من الحلاوة والتلذذ بالعبادة وكيف لا ومستقبل القبلة فيها يكون الحرم النبوي بين يديه والقبة الشريفة بين يديه وبقاع المدينة المشرفة كلها تلقاءه ومكة تجاهه حتى أنه ليخيل عليه انه مشرف على الحرمين الشريفين وما بينهما وما فيهما من الأماكن المشرفة وعلى كل حال لم أر مكانا ينشرح فيه الصدر ويصفو القلب من الأكدار وتتجلى فيه عظمة الربوبية وجلالة النبوءة كهذا المكان ويقرب منه في ذلك جبل حراء وجبل ثور بمكة.

وفي أصل الجبل غار يزعمون ان النبي صلى الله عليه وسلم اختفى فيه ولا يصح ذلك ففي مسند أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما وجال الناس جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار إنما كان تحت المهراس انتهى.

وفي أعلى الشعب عند مضيقه من حيث يشرع في الصعود للجبل الموضع المسمى بالمهراس وهو مواضع منقورة في الجبل بين صخور عظيمة يجتمع فيه المطر فلما تخلو منه. ومنه غسل جرحه صلى الله عليه وسلم يوم أحد كما في الصحيح وتحت المهراس بقليل موضع يقال انه موضع الصخرة التي نهض صلى الله عليه وسلم ليعلوها وجلس طلحة تحته رضي الله عنه وقال ابن هشام في السيرة بلغني عن ابن عباس رضي

__________________

(1) كذا في الرحلتين العياشية والناصرية وفي جميع النسخ قنة.


الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الدرجة المبنية في الشعب أي فليست هي الصخرة المذكورة.

ومن المساجد التي تزار في أحد المسجد الملاصق بأحد على يمينك وأنت ذاهب في الشعب إلى المهراس وهو صغير منهدم. قال السيد والناس يسمونه مسجد الفسح ويقولون أن فيه نزلت (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ) الآية ويقال أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه الظهر والعصر يوم أحد بعد انقضاء القتال وعن رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد الذي بأحد في شعب الخرار على يمينك لازق بالجبل.

قال أبو سالم وبين هذا المسجد ومشهد حمزة في البيداء التي هناك مسجد صغير مبني بالحجارة المنحوتة مرتفع عن الأرض أقل من قامة يصعد إليه بدرج غير مسقف ولا مرتفع الحيطان يقال له مسجد الثنية واحدة ثنايا الإنسان قال أن فيه كسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم وهذا المسجد لم يذكره السيد السمهودي رضي الله عنه (1).

ومنها مسجد ركن جبل عينين الشرقي على قطعة من الجبل وهذا الجبل في قبلة مشهد سيدنا حمزة رضي الله عنه وهو الجبل الذي كان عليه الرماة يوم أحد وموضع السجد هو المكان الذي طعن فيه سيدنا حمزة رضي الله عنه وقد روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد على عينين الطرق الذي بأحد عند القنطرة. قال السيد يعني بالقنطرة قنطرة العين التي كانت هناك قديما.

ومنها أيضا مسجد الوادي على شفيره شامي جبل عينين قريب من المسجد قبله يقال انه مصرع حمزة رضي الله عنه وأنه مشى بطعنته من الموضع الأول إلى هذا الموضع

__________________

(1) في جميع النسخ زيادة وهي محل الورع الثاني.


فصرع وقد روي أن حمزة رضي الله عنه لما قتل أقام فيه موضعه تحت جبل الرماة ثم أمر به النبي صلى الله عليه وسلم فحمل من بطن الوادي ويسمى هذا المسجد أيضا بمصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال السيد وتسميته بالمصلى أما لكونه موضع مصلى الصبح على ما جاء في غزوة أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه الصبح بموضع القنطرة وعليهم السلاح يعني قبل القتال وأما لما ورد من صلاته صلى الله عليه وسلم على حمزة.

ومن المساجد مسجد طريق السافلة وهي طريق اليمنى الشرقية إلى مشهد حمزة رضي الله عنه يقال انه مسجد أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وروى البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه كان برحبة المسجد فرأى النبي صلى الله عليه وسلم خارجا من الباب الذي يلي المقبرة فخرج على أثره فدخل حائطا من الأسواق فتوضأ ثم صلى ركعتين فسجد سجدة أطال فيها وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أن جبريل عليه السلام بشرني انه من صلى علي صلى الله عليه ومن سلم علي سلم الله عليه وفي بعض طرفه ذكر السجود فقط وقال فسجدت لله شكرا قال السيد بعد نقله لما تقدم والأسواق قريبة من محل هذا المسجد فلعله مسجد السجدة المذكورة.

قال أبو سالم وفي الطريق إلى أحد أيضا عند آخر النخل مسجد صغير محوط عليه بأحجار يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس فيه للاستراحة بعد الرجوع من أحد ولم يذكره السيد رحمه الله تعالى.

ومن المساجد التي ينبغي زيارتها والصلاة فيها مساجد مصلى الأعياد التي صلى النبي صلى الله عليه وسلم العيد فيها وقد ورد انه صلى العيد في أماكن متعددة


والمشهور منها الآن ثلاثة كلها غربي المدينة خارج الباب المصري بين الموضع المعروف بالمناخة وبطحان أحد يسمى مسجد مصلى العيد والآخر ينسب لعلي والآخر لأبي بكر رضي الله تعالى عنهما.

قال السيد ولعل سبب نسبتهما إليهما كونهما صليا فيهما العيد أبو بكر رضي الله عنه في خلافته وعلي رضي الله عنه لما حصر عثمان رضي الله عنه ولا يبعد (1) أن يصليا في غير مصلى النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى يستسقي فبدأ بالخطبة ثم صلى وقال هذا مجمعنا ومستمطرنا ومدعانا لعيدنا ولفطرنا واضحانا فلا يبنى فيه لبنة ولا خيمة وقد حمل بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم ما بين بيتي ومصلاي روضة من رياض الجنة على مصلى العيد فتتسع الروضة وفضل الله تعالى أوسع وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر فمر بالمصلى استقبل القبلة ووقف يدعو ومصلاه صلى الله عليه وسلم عند العلم الذي عند دار كثير بن الصلت وهناك أيضا مسجد ينسب لسيدنا عمر رضي الله عنه ولعل السبب كما تقدم وهذا آخر القول في المساجد المعلومة العين بالمدينة المشرفة وأطرافها وقد زرناها والحمد لله رب العالمين مع حسب الإمكان ويتقبل الله بالقبول التام.

__________________

(1) في الرحلة العياشية وإلا فيبعد.


ذكر الآبار التي ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم تفل فيها أو شرب

من مائها أو توضأ فيها فاكتسبت بذلك فضلا على غيرها فصارت

مقصودة بالزيارة والاستشفاء بمائها

ولم نذكر منها إلا ما زرناه وشربنا من مائه وهي سبعة أولها.

بئر اريس كجليس نسبة إلى رجل من اليهود اسمه اريس وهو الفلاح بلغة أهل الشام وفي الصحيح خبر خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أبا موسى الأشعري خرج في أثره حتى دخل بئر اريس وتوسط فيها وكشف عن ساقيه وأن أبا بكر جاء ثم عمر ففعلا مثل ذلك ثم جاء عثمان وبشر الجميع بالجنة الحديث بطوله وفي الصحيح أيضا أن خاتم النبي صلى الله عليه وسلم كان في يد أبي بكر ثم في يد عمر ثم في يد عثمان حتى سقط منه في بئر اريس فنزحت فلم يوجد وأما ما اشتهر على الألسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم تفل فيها فقد قال العراقي في تخريج أحاديث الأحياء لم أقف له على أصل قال السيد ومن الغريب قول العز ابن جماعة في منسكه قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم تفل فيه وهذه البئر في حديقة غربي مسجد قبا قريبا منه وماؤها غزير يسنى منه إلى بركة في الحديقة وفي هذه الحديقة أنواع من الفواكه والأشجار وبها عنب كثير فلما يدخل أحد للزيارة في وقت العنب إلا ويشتريه ويأكله فيها حتى ظن بعض العوام أن ذلك من القربات وأهل المدينة يقصدون هذه الحديقة للقائلة فيها للتفرج والتنزه وقد جعل لمائها نفق من أسفلها على وجه الماء حتى يتصل ماؤها بالبئر التي يقال لها العين الزرقاء وهي في حديقة أخرى قريبة من بئر أريس وهي بئر كبيرة قد أمدت بمياه آبار متعددة منها بئر اريس فصارت متبحرة يشخب فيها ميزابان عظيمان من مياه غيرها من الآبار فاتخذت لها أسراب من تحت الأرض إلى أن خرجت إلى بطحان ثم إلى غربي المدينة فقسمت جداول فأدخل منها إلى المدينة ما احتيج إليه فأظهرت داخل المدينة في مناهل متعددة وبني لها بناء متقن يهبط إليها في


نحو ثلاثين درجة محكمة البناء متقنة الوصف واسعة المشي منها يستقي أهل المدينة كلهم لشربهم.

قال أبو سالم والذي رأيت منها ثلاثة مواضع أحدها شرقي المسجد بينه وبين باب البقيع في المكان المسمى الآن بالحارة (1) والآخر خارج باب السلام في الناحية الغربية عند سوق المدينة بالبلاط والآخر شامي المسجد بعيدا منه إلى ناحية باب الشامي وأما خارج المدينة فأخرجت في محال متعددة أيضا ثم لم تزل تقرب من وجه الأرض قليلا كما انحدرت في أرض المدينة إلى أن خرجت على وجه الأرض قريبا من الغابة شرقي مسجد رومة بينه وبين أحد وعليها هنالك مزارع وقد رأيت جدولا منها قريبا من مسجد الراية في طرف ذباب يهبط إليه في نحو ثلاث درج وهذه العين المباركة من أغزر العيون وأحلاها ماء وألذه بها جل انتفاع أهل المدينة ومنها كل السبيلات الموقوفة بالمدينة ومنها تملأ الدوارق التي توضع في الحرم الشريف للشرب وهي لا تكاد تحصى كثرة فما أعظم بركتها وأوسع نفعها ولقد شاهدت من يستشفي بمائها فيشفى وقد حملنا بعض مائها للاستشفاء ولله در القائل :

لئن قيل في زرق العيون شئامة
 

 

فعندي أن اليمن في عينها الزرقا
 

وتسميتها بالعين الزرقاء من لحن العامة وصوابه عين الأزرق لأن مروان الذي أجراها لمعاوية كان أزرق العينين فلقب بالأزرق وكان أجراؤها لهذه العين بأمر معاوية لما ولاه المدينة وكان لمعاوية رضي الله عنه اهتمام بذلك فأجرة في المدينة وما حولها عيونا كثيرة قد دثرت كلها ولم يبق إلا هذه العين المباركة وقد اعتني بشأنها من قبل السلطنة فلها أوقاف معلومة وجرايات تأتي من عند السلطان ولها أمير معلوم وله خدام يتفقدون أحوالها على ممر الأزمنة ويصلحون ما وهي منها ولو لا ذلك لدثرت

__________________

(1) في الرحلة العياشية الحرّة.


كغيرها من العيون.

قال الواقدي رحمه الله تعالى وكان بالمدينة على زمان معاوية صوافي كثيرة كان يجدّ بالمدينة وأعراضها ألف وسق وخمسين ألف وسق ويحصد مائة ألف وسق حنطة انتهى فهذا الذي كان يجدّه معاوية وحده فما بالك بما كان لغيره من الرعايا ووجوه الناس فقد كان للصحابة رضي الله تعالى عنه وأبنائهم في ذلك الزمان ضياع وقرى ومزارع كثيرة بالمدينة وما حولها وما أظن هذا العدد الذي كان يستغل لمعاوية رضي الله عنه بالمدينة قط يستغل في زماننا هذا من أرض الحجاز كلها مع سعة أقطارها ما عدا نجدا فإن بها مزارع كثيرة وبهذا نعلم نسبة زماننا هذا إلى الأزمنة الماضية في سعة الأرزاق وكثرة الخلق مع ان اهتمامهم في ذلك الوقت بالدين كان أكثر من اهتمامهم بالدنيا فأنت ترى كيف انبساطها عليهم وأما الآن فالاهتمام كله بالدنيا ولم يبق من الاهتمام بالدين إلا ما نسبته إلى الاهتمام بالدنيا نسبة الفلك الأعظم إلى الجزء الذي لا يتجزأ وهذا أعظم دليل على قرب انقراض الدنيا واستبدال عمرانها بالخراب وأنهارها بالسراب فإن عمرانها إنما هو بأسباب الدنيا ووالدين (1) وأنت ترى ما آل إليه أمرهما معا فنسأل الله تعالى الخروج من الدنيا بلا محنة ولا بدعة آمين.

قال السيد ومن الغرائب ما ذكره الميورقي في فضائل الطائف عن شيخ الخدام بدر الشهابي (2) انه بلغه أن ميضاة وقعت في عين الأزرق بالطائف فخرجت بعين الأزرق بالمدينة انتهى.

قال شيخنا أبو سالم ولعل هذه الحكاية وأمثالها هي السبب في اعتقاد كثير من جهلة الحجاج أن العين الزرقاء أصلها من مكة وأنها هي التي جاءت إلى مكة من

__________________

(1) في الرحلة العياشية والبنين.

(2) كذا في الرحلة العياشية وفي الرحلة الناصرية الشهاب وفي جميع النسخ التهامي.


ناحية عرفة من جبال وراءه ويقولون أنه لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة تبعته فهي التي ظهرت بمر الظهران ثم بخليص ثم ببدر ثم بالخيوف كلها إلى أن وصلت المدينة ويصممون على ذلك حتى أني رأيت بعض من هو معدود من الفقهاء يعتقد ذلك فقلت له كما قال الإمام أبو بكر بن العربي رضي الله عنه في مسألة الصلاة على النجاشي حيث قال بعضهم رفع له حتى رآه فصلى عليه أن الله تعالى على ذلك لقادر وأن نبينا صلى الله عليه وسلم لأهل لذلك وفيما صح من معجزاته صلى الله عليه وسلم والآيات الظاهرة على يديه غنية عن انتحال ما لا أصل له وبطلان كون هذه العين من مكة أوضح من أن يذكر فانه لم يكن في زمانه صلى الله عليه وسلم بعرفة ولا بمكة ولا بالمدينة عين تذكر على هذا النعت ولا ما يقرب منه وإنما أجريت هذه العيون بعد ذلك بأزمان.

الثانية بئر البصة بضم الباء وتخفيف الصاد المهملة كما هو الدائر على ألسنة أهل البلد وقال صاحب القاموس انه بالتشديد كأنه من بص الماء بصا رشح وأن روي بالتخفيف فمن وبص يبص وبصا وبصة كوعد يعد وعدا وعدة إذا بلغ أو من وبص لي من المال أي أعطاني فقد روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي الشهداء وأبناءهم ويتعاهد عيالهم قال فجاءني يوما فقال هل عندك من سدر أغسل به رأسي فإن اليوم الجمعة قلت نعم فأخرجت له سدرا وخرجت معه إلى البصة فغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وصب غسالة رأسه ومراقة شعره في البصة وهذه البئر قريبة من البقيع على طريق قبا في حديقة نخل على طرف بطحان وماؤها أخضر وهناك بئر أخرى صغيرة.

قال المطرزي والناس يختلفون فيهما أيتمها بئر البصة والصغرى هي التي تلي أطم مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ورجح السيد أنها الصغرى حاكيا


عن غيره في الأطم المذكور انه الذي يقال لبئره البصة قال والكبرى لا تنسب لللاطم لبعدها منه وقد ابتني بقرب الصغرى مسجد واتخذ لها درج ينزل فيها إليها وقد شربنا من مائها أي الكبرى وغسلنا رؤوسنا اقتداء به صلى الله عليه وسلم والمنة لله وحده.

الثالثة بئر بضاعة بضم الموحدة على المشهور وحكي كسرها وفتح الضاد المعجمة وأهملها بعضهم وبالعين ثم هاء غربي بئر حا إلى جهة الشمال فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم انه يستقى لك من بئر بضاعة وهي يطرح فيها ما يكره من النتن فقال الماء لا ينجسه شيء وفي رواية إلا ما غلب على ريحه ولونه وطعمه وعن سهل بن سعد بصق النبي صلى الله عليه وسلم في بضاعة وسقيته بيدي منها وعن سهل أيضا بئر بضاعة قد بصق النبي صلى الله عليه وسلم فيها فهي يتنشّر بها ويتيمن قال المجد في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بئر بضاعة فتوضأ من الدلو وردها إلى البئر وبصق فيها وكان إذا مرض المريض في أيامه يقول اغسلوني من بئر بضاعة فيغسل مكأنما نشط من عقال.

وقالت أسماء بنت أبي بكر كنا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيام فيعافون وهي في حديقة كبيرة ذات نخل أقرب أبواب المدينة إليها باب الشامي عن يمين الخارج منه قليلا وحولها مسجد وبركة ماء.

الرابعة بيرحا بفتح الموحدة وكسرها وبفتح الراء وضمها وبالمد فيهما وبفتحهما والقصر فيعلى من البراح وهي الأرض المنكشفة وقيل بئر أضيف إلى حاء من حروف الهجاء وهو اسم رجل أو امرأة أو مكان وخبرها في الصحيح وأنها كانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب وهي اليوم في حديقة صغيرة قريبة من سور المدينة شماليه بينهما الطريق وأقرب أبواب المدينة إليها باب البقيع وهي بينه وبين الباب الشامي.


قال السيد والظاهر أن بعضها اليوم داخل السور وقد دخلناها والحمد لله وشربنا من مائها وسقيت الحاضرين معنا من أصحابنا رجاء للبركة وأكلنا من خضرها المسقي بمائها.

الخامسة بئر رومة بضم الراء وبالهمز ودونه وفي الحديث نعم القليب قليب المزني فاشتراها عثمان فتصدق بها وورد أيضا نعم الحفيرة حفيرة المزني يعني رومة وعنه صلى الله عليه وسلم من يشتري رومة فله مثلها في الجنة وكان الناس لا يشربون منها إلا بثمن فاشتراها عثمان فجعلها لله وكانت لرجل من غفار أو مزينة أو ليهودي اسمه رومة فنسبت إليه وهي بئر جاهلية روي أنه استقي منها لتبّع لما نزل بقناة وهي بأسفل العقيق قرب مجتمع الأسيال وهي بعيدة من المدينة وإلى الجوف أقرب والطريق إليها على مساجد الفتح ثم يعدل يسارا إلى ناحية مسجد القبلتين ثم يمر تحته أسفل منه قاصدا العقيق فهي هناك وبقربها مزارع فزرناها وشربنا من مائها واستقينا منها ما شربناه مدة.

السادسة بئر اليسيرة من اليسر ضد العسر وتعرف الآن ببئر العين بكسر فسكون وهو لغة الصوف الملون وهي معروفة بالعوالي مليحة جدا منقورة في الجبل وعندها سدرة فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بني أمية بن زيد فوقف على بئر لهم فقال لهم ما اسمها فقالوا عسيرة فقال لا ولكن اسمها اليسيرة وبصق فيها وبرّك فيها وروى ابن سعد في الطبقات عن عمر بن أبي سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم سماها اليسيرة وأن أباه أبا سلمة غسل بعد موته بين قرنيها وقد زرتها والحمد لله وشربت من مائها وهي في عوالي المدينة قريبا من مسجد بني قريظة وعلى بابها حديقة كبيرة حسنة (1).

__________________

(1) في الرحلة العياشية السادسة هي بئر غرس والسابعة هي بئر اليسيرة.


السابعة بئر غرس بضم فسكون وقال المجد بفتح فسكون وضبطه بعضهم بالتحريك كشجر وهي بئر شرقي قبا على نصف ميل من مسجدها إلى جهة الشمال وقد ورد أن رباحا غلاما للنبي صلى الله عليه وسلم كان يستقي من بئر غرس مرة ومن بئر السقيا مرة ولابن حبان في الثقات عن أنس انه قال ايتوني بماء من بئر غرس فأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب منها ويتوضأ. ولابن ماجة بسند جيد عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنا مت فاغسلوني بسبع قرب من بئر غرسر وكانت بقبا وكان يشرب منها وفي رواية لم تحلل أوكيتهن وكانت البئر لسعد بن خيثمة وروي انه عليه الصلاة والسلام توضأ وأهرق بقية وضوئه فيها وروي أيضا أنه قال رأيت الليلة أني أصبحت على بئر من الجنة فأصبح على بئر غرس فتوضأ منها وبزق فيها وأهدى له عسل فصبه فيها وقد جعل لها درج ينزل إليها منها وحولها حديقة وبجانبها مسجد وقد زرتها والحمد لله فهذه الآبار السبعة هي المشهورة اليوم عند أهل المدينة وقد نظمها الزين المراغي فيما أنشد عنه السيد في بيتين وهما :

إذا رمت آبار النبي بطيبة
 

 

فعدتها سبع مقالا بلا وهن
 

اريس وغرس رومة وبضاعة
 

 

كذا بصة قل بير حاء مع العهن
 

قلت وبقي بئر ان أخريان يتبرك بهما ، إحداهما بئر السقيا فقد ورد أنه عليه الصلاة والسلام كان يستعذب له لماء من بئر السقيا والسقيا هذه هي آخر منزلة النقا على يسار السالك على بئر على وهي بالحرة الغربية وحولها بركة عظيمة لورود الحاج أيام نزولهم هنالك والثانية بئر زمزم وهي قريبة من السقيا على يمين الطريق حتى زعم بعضهم أنها بئر السقيا وهي بئر مليحة في حديقة نخل حولها بركة وبناء وسميت زمزم تشبيها لها بزمزم في التبرك بها ونقل مائها للآفاق ولم أقف على هاتين البئرين أما زمزم فوعدنا الأخ سيدي أحمد الاخصاصي أنه يقدم معنا إليها يوم خروجنا ولم يقدر لنا لك فتأسفنا


أسفا عظيما أنا لله وإنا إليه راجعون وأما السقيا فلم يكن لي بها علم إذ ذاك والسقيا هذه غير السقيا المذكورة في الحديث في قول الراوي لقيته بتعهن وهو قائل السقيا بل تلك مكان قريب قرب شرف الروحاء.

وقد عدّ السيد رحمه الله آبارا متعددة سوى هذه ثم قال فمن ذكر أنها سبعة فقط قصور منه وإنما اقتصرنا على ذكر ما شاهدناه وزرناه منها وشربنا من مائها.

ومن المواضع التي يتبرك بها بالمدينة تربة صعيب فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بالحارث فإذا هم روبى فقال ما لكم يا بني الحارث روبى فقالوا أصباتنا يا رسول الله هذه الحمى فقال فأين أنتم عن صعيب قالوا يا رسول الله ما نصنع به قال تأخذون من ترابه فتجعلونه في ماء يتفل عليه أحدكم ويقول باسم الله تراب أرضنا بريق بعضنا شفاء لمريضنا بأذن ربنا. ففعلوا فتركتهم الحمى قال طاهر بن يحيى العلوي عقب رواية ذلك عن أبيه صعيب وادي بطحان دون الماجشونية وفيه حفرة مما يأخذ الناس منه وهو اليوم إذا وبي إنسان أخذ منه قال ابن النجار وقد رأيت أنا هذه الحفرة والناس يأخذون منها وذكروا أنهم قد جربوه فوجدوه صحيحا قال وأنا سقيته غلاما لي مريضا من نحو سنة تواظبه الحمى فانقطعت عنه من يومه وذكر هو كالمطري ان ترابه يجعل في الماء ويغتسل به من الحمى.

قال السيد فينبغي أن يفعل أولا ما ورد ثم يجمع بين الشراب والغسل. قلت وقد وصلت إلى وادي صعيب إلى موضع هذه الحفرة وأخذنا من ترابها واستصحبناه معنا لبلادنا بقصد التداوي.

قال أبو سالم وقد نص غير واحد على جواز نقله للتداوي كماء زمزم للتبرك ولم يزل على ذلك عمل الناس قديما وحديثا. قلت والخلاف في نقل تراب الحرم وأحجاره


والكيزان المصنوعة من ترابه معلوم مشهور والورع ترك نقله لاحتمال خصوصية الاستشفاء به لأهل الحرم وإمكان حمل الحديث عليهم والعلم عند الله وقد ذكر أيضا الاستشفاء من الحمى بتراب مشهد حمزة انتهى.

ومما زرناه موقف وقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ومشربة أم إبراهيم ونخيل سلمان الفارسي وقصة النخيل مشورة في الصحيح وغيره وفيه آيات باهرة ، ومعجزات ظاهرة ، والله تعالى يوفقنا ويعننا بمنه ويمنه آمين وهو المستعان ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم انتهى كلام شيخنا المذكور فانه حسن لأنه مشتمل على فوائد ونكت مستحسنة لا يملها ذو الذوق السليم والطبع المستقيم.

انعطاف إلى ما كنا بصدده فأني قد زرت المدينة المشرفة ثلاث مرات وشاهدنا تلك المشاهد المذكورة على الجملة لضيق مدة الإقامة فيها وإنما يحصل كمال التفتيش والبحث على المواضع المنورة والأماكن المشرفة بمجاورة المدينة المنورة واستيطانها على الدوام فلا يزول الاشتياق إلا بطول المكث فيها لما علمت أن المسافر لا تقر عينه بالبلدان حال كونه مشتغلا بالسفر وشئونه فإن القلب واحد لا يمكن تعلقه بأمور مختلفة لا سيما أضداد المعتني به يعلم ذلك من شد أزاره لتحقيق المراتب ونعوت المقامات لأن الضد لا يجتمع مع ضده نعم قوة الفضل من الكريم الوهاب وشفاعة أفضل الخلق على الإطلاق ، ومنة الغني الخلاق ، أمطرت سحائب الفتح فإن لم يصبنا منه وابل فطل.

فلما استقر بنا القرار في مدينة الرسول وشاهدنا تلك المشاهد النبوية الفردانية الصمدانية القدسية الروحانية المحمدية الأحمدية ظهرت لنا معالم الأنوار ، ونتائج النبي المختار ، وثمرة الود وكشف الأستار ، وحضرة القهار ، فانعكس في قلوبنا


روحانيته عليه الصلاة والسلام فامتزجت بقوالبنا وظهر نوره صلى الله عليه وسلم على الأجباح ، فناط متمكنا منا بعلم الأرواح ، فغاب منا عالم الصفات في محو صفاته صلى الله عليه وسلم فاستعقب ذلك سريان آثار اللهوت ، فتمكن في المحل الذي هو الناسوت ، فلم يبق لوجود الخلق أثار لأن سطوة الحق لا يبقى معها غيره إذ كل شيء ما خلا الله باطل.

ولذلك طبقات الطبقة الأولى مشاهدة الأفعال والثانية مشاهدة الصفات والثالثة مشاهدة الذات فمن شاهد من الحق تجلي الأفعال اضمحلت أفعاله لأفعاله وكذا من تجلي الحق [عليه بأوصافه اضمحلت أوصافه لأوصافه ومثله تجلى الذات فمن تجلى الحق عليه](1) أيضا بذاته اضمحلت ذاته فلم يبق لسواه أثر فهذا مقام المحو والفناء لأن الكون كله ظلمة فمن لم يشاهد الحق فيه أو معه أو قبله فقد أعوزه وجود الأنوار ، وغابت عليه شمس المعارف في كنه الكون من غير قرار ، فالحق سبحانه لا يثبت معه شيء فالوجود وجود واحد بل جميع الموجودات متحدة فلا أصل لها بل هي مستمدة من عين الوجود وبالجملة صاحب المحو يغيب فعله في فعله ووصفه في وصفه وذاته في ذاته تبارك وتعالى فإذا قوي عليه حال الشهود نسبت إليه شطحات حتى ينطق عن حاله ، وعن قوة شهوده وإثبات اتصاله ، ومحو انفصاله ، برعود الهيبة والجلال فيقول في حضرة الحق والكمال وعالم الأمر وهو قوله إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فتتجرد الروح عن مادة الاستعداد فيقول صاحب الشطحات أنا الحق لكونه مغلوبا في حاله ، ومضطرا في مقاله ، فتكون الشريعة قائمة عليه وعلى منواله ، فإن العارف بالله تعالى يقول رامزا لهذا المقام أعني ابن مالك ما نصه :

وذو ارتفاع وانفصال أنا هو
 

 

وأنت والفروع لا تشتبه
 

__________________

(1) ما بين القوسين ساقط في نسخة.


أي الضمير المرتفع أي الغائب عن الأكوان بوصوله إلى المكون وانفصاله عن الخلق واتصاله بالحق أنا هو إذ هو محو محض وفناء صرف وأن صاحب الصحو رجع إلى ظاهر الشريعة فيقول في حال صحوة وأنت والفروع أي الصديقون لا تشتبه أي لا تلتبس لأن الصديق لا يلتبس بالزنديق ، فإن ما خامر القلوب فعلى الوجه يلوح آثاره ، الأسرة تدل على السريرة ، وأن الناس أيضا حوانيت مغلقة فإذا تكلم الرجلان تبين العطار من البيطار ، ما كان فيك ظهر على فيك ، كل إناء بما فيه يرشح ، ولأن الكلام صفة المتكلم ، ويعرف صدق الرجل بثلاث عند مغاضبته أن لازم الحق واتصف بالصدق فلهو ذاك وإلا فليس هناك انتهى.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه المرء مخبو تحت لسانه فإن تكلم فمن حينه وإن سكت فمن يومهم انتهى.

هذا وإن شطحات العارف تقوي ما ذكرناه وتؤيد ما أصلناه نعم شطحه على قدر غيبته عن الأكوان وقوة اتصاله بالمكون لأن عالم الأرواح بقدر تمكنه وسريانه في عالم الملك والملكوت وكذا ما دونه من عالم الجبروت تتقوى بصيرته وتتجلى أنواره فتتدلى له العلوم الإلهية ، والمواهب الربانية ، والواردات الجسمانية ، فتضمحل نفسه وتتلاشى أحواله فيغلب عليه الشهود وتتراكم عليه الرعود والصواعق من زواجر الخوف وسرادق الهيبة ولوائح الجلال فيكون كله بكله فلا يرى في حضرته سوى محبوبه فإن التفت عنه زل قدمه وسقط حضه فيترامى جذبا ويملتئ عشقا ويكتسي معرفة فيتغذى بتجريد التوحيد وتجريد التفريد فينادي بلسان الحقيقة إلا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وحينئذ تكون عنده مفاتيح الغيب فيعرف مسالك البر أعني الشريعة وطرق البحر أعني الحقيقة ثم يثمر بثمرات التجلي بأوصافه ويتخلق بمعاني أسمائه ليكون طاهر القلب بالتعريف ، وجميل الظاهر ، بالتكليف ، فتنطبق عليه الصفة


المشبهة فيحسن (1) فاعلها بأدبار المحن ، وإقبال المنن ، فيظهر فيه اللهوت ، ويضمحل منه الناسوت ، فإذا تنوب أوصافه عن أوصافه وأفعاله عن أفعاله وذاته عن ذاته ووجوده عن وجوده فليس له ثبوت في عالم الحق فإن استولى عليه ذلك بالمدد ارتقى في المراتب ، وتعالى في الدرجات والمواهب ، وبحسب ذلك تكون مراتب الأولياء وذلك من بحر المعارف وعليها تبنى الشطحات والأمور الربانية الروحانية والأوصاف الملكية وأهل الديوان لا تخلوا أحوالهم ومددهم ومواردهم ومعارفهم ومواجدهم من هذا البسط لأن بسطها إنما يكون من الحقيقة الأحمدية والدائرة المحمدية والنقط النبوية فإن الحروف قد جاءت لمعنى وهي الأعضاء المكسوة بالتكاليف وكلها في جمع الجمع أعني الحقائق ثم إن الأفعال المتصرفة والمنصرفة إنما تكون في مساجد الرفع وهي الشريعة فمن لا شريعة له لا حقيقة له ومن لا حقيقة له فشريعته رسم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وعند ذلك تناديه حقائق الأكوان إنما نحن فتنة فلا تكفر فإن ترقى نادته هواتف الحق الذي تطلبه أمامك وإن إلى ربك المنتهى.

نعم والله يقول (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها) وباب كل شيء بين فأبوابها الحقائق السلوك والترقي (2) وأخذ العهود وإلا فتنعكس شمسه وينكسف نوره لأن ثدي المعارف لا يثبت ولا يتقوى إلا بغذاء الأرواح فالرضاع عندهم حولين كاملين فإن تصفية النفس وتنوير القلب إنما يكون بالفطام من الهوى ومن الغيبة عن السواء غير أن صاحب التربية لا بد وأن يكون خاليا عن التلوين (3) منعوتا بنعوت التمكين (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ

__________________

(1) هنا بياض في نسختين وفي نسختين لم ينبه عنه وفيهما فيحس ولعله الأصوب.

(2) كذا في نسخة وفي ثلاث التربي.

(3) كذا في جميع النسخ.


الْمُنْكَرِ) الآية بيد أن المطمئن يداوي المتحرك.

وقد قال أبو علي الثقفي لو أن رجلا بلغ العلوم كلها وصاحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بشيخ عارف أو أخ ناصح أو مفت محقق وإلا فلا تعبأنّ به فليس من الله في شيء انظر القشيري ولذا قال بعضهم من لم يكن له شيخ كان الشيطان شيخه لأن النفس كثيرة التلبس عظيمة الخدع والمكر توهم الإنسان أنه صادق وهو كاذب وانه موف بعزمه وهو ناكث إلى غير ذلك من أوصافه الذميمة وهذه العلوم من خزائن الغيب تنبع في القلوب وتظهر في الفهوم من غير مفتاح بل هي لدنية وهيبة صمدانية فردانية إلهية ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا رأي حكمة أعظم من هذه فتكون على حسب الفضل قل بفضل الله وبرحمته وأهل هذا الشأن يسرعون بالجواب ، لزوال الحجاب ، لفتح (1) رب الأرباب.

تتمة إنما ذكرت هذا الكلام ، من فتح الرحيم العلام ، إذ هو فيض إلهي من خزائن الغيب ، وعطاء الغيب ، فأعرضت عن ذكر التحفة التي ذكرها شيخنا المذكور لما فيها من التشابه ووشحت هذه النبذة بما يقرب للإفهام ، ولا تزل فيه الأوهام ، وقد علمت أن عجائب القرآن لا تنقضي وقد قال شيخنا المذكور ما نصه.

قال الإمام أبو سالم.

لطيفة أخبرنا الشيخ شهاب الدين رئيس الموقتين بالمدينة المشرفة أن والده لما كان في الأسر تكلم مع راهب من رهبانهم فقال له الراهب أنكم معشر المسلمين تزعمون أن كتابكم لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فقال له الشيخ تاج الدين نعم نقول بذلك فقال له أين تجد في كتابكم أسمي فقال له ما اسمك فقال له كبك فأخرج له تاج

__________________

(1) في نسخة بفتح.


الدين المصحف فأراه ما بعد الراء من قوله ما شاء ركبك فتعجب الراهب من ذلك وصدق بأن في الكتاب كل شيء قال وهذه فراسة قوية وهداية سنية من الشيخ رضي الله عنه ولا شك أن في الذكر كل شيء ولكن لا يهتدي إلى ذلك إلا من خصه الله تعالى بالفهم الرباني والعلم الإلهي.

قال وقد ذكر لي بعض الناس أنه رأى منصوصا وقوع هذه الحكاية لغيره قلت ويحتمل أن يكون هذا الراهب أخذ هذه الحكاية ممن سبقه إليها ممن تقدم وثبتت في ذهنه وأبرزها في معرض الاختبار للشيخ أو أقترحها من غير ثبوت سلف فيها ويكون من وقع الحافر على الحافر والله تعالى اعلم.

قال من نظير ما تقدم من اشتمال القرآن الكريم على أخبار كل شيء حتى علم الحدثان والوقائع ما أخبرني به شهاب الدين أحمد بن التاج أن ملك بلاد الروم السلطان سليم أحد ملوك الترك وهو أول داخل منهم لمصر وتملكها من يد السلطان الغوري سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة كان سبب تملكه لها انه لما تملكت بلاد الشام حدثته نفسه بالتملك على بلاد العراق إذ هي أصل منشأهم ومساكن أسلافهم التركمان فخرج من بلد اصطنبول التي هي قاعدة ملكهم فلما وصل إلى الشام بعساكره تعذرت عليه العلوفة لغلاء حصل في تلك الناحية فاحتاج إلى الميرة والتزود من مصر فكتب بذلك إلى الغوري يستأذنه في الامتيار من بلده وكان الشاه ملك عراق العجم في ذلك الوقت لما سمع بتحرك السلطان سليم كاتب الغوري وكانت بينهما صداقة يطلب منه أن يشغله عنه وأن يثبطه ما استطاع وصادف ذلك من الغوري غيرة من السلطان سليم وأنفة من تملكه بلاد الشام وخشي أن اتسع ملكه أن يستولي على مصر ومصر إذ ذاك هي أم البلاد الإسلامية وملكها أعظم الملوك لانتقال الخلافة العباسية من العراق بعد واقعة التتار إلى مصر وعند ما طلب السلطان سليم من الغوري الميرة


تعلل له بان ذلك لا يمكن في هذا الوقت لغلاء الأسعار واعتذر له بأعذار ضعيفة ففطن سليم لما قصد وعلم انه إنما أراد تعويقه عن المسير إلى العراق فحدثته نفسه بالركوب إليه وصرف العنان عن غزو العراق إلى غزو مصر فاستشار في ذلك من كان بحضرته من العلماء وذكر لهم عذره وأن الغوري منعه من التزود من بلده وهو محتاج إلى الزاد فكلهم قال إن ذلك لا يبيح لك قتاله لأنه ملك بلاده ولم يخلع لك يدا من طاعة ولا بادأك بحرب فكيف يحل لك الهجوم عليه في بلاده ومحاربته بلا سبب وكان من جملة العلماء الحاضرين المحقق ابن الكمال باشا وأصغرهم فقال له أيها الأمير أنه يباح لك غزوه في كتاب الله أنك تدخل مصر في هذه السنة فقال له وكيف ذلك فقال له لا أفتي بين يدي هؤلاء الأئمة وهم مشائخ الإسلام حتى تؤجلهم سبعا لينظروا ويتدبروا فإن الله تعالى يقول : (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) فكيف لا تكون هذه النازلة في كتاب الله تعالى الذي فيه تبيان كل شيء فقال لهم سليم أني أجلتكم سبعا عسى أن تجدوا أو يتبين لكم ما قال. فقالوا كلهم أيها الأمير ما كان جوابنا الآن هو جوابنا بعد سبعة فقال ابن الكمال لا بد من التأجيل وقصده والله اعلم إظهار مزيته عند الملك وأنه اهتدى لما عجزوا عنه بعد التدبر والتلوم إذ لو أبدى ما عنده في المجلس لربما أدعى أن ذلك يمكن الاهتداء إليه بالتأمل والتدبر فأجلهم الأمير سبعا فلما انقضت جمعهم فسألهم فقالوا له جوابنا فيما مضى جوابنا الآن فقال له ابن الكمال أيها الأمير أنهم ليقرءون في كتاب الله العظيم إنك لتدخل أنت وجنودك هؤلاء مصر في هذه السنة إلا أنهم لا يهتدون لفهمه فقالوا أين هو فقال قوله تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) فضحكوا وقالوا أين هذا مما نحن فيه فقال لهم أن قوله تعالى ولقد في قوة لفظ سليم بحساب الجمل فإن كل واحد من اللفظين مائة وأربعون عدده فتكون إشارة الكلام سليم كتبنا في الزبور من بعد عشرين وتسعمائة أن الأرض يرثها لأن الذكر عدده بدون أداة التعريف ما تقدم


قال والأرض في الآية الكريمة على قول كثير من المفسرين هي أرض مصر والعباد الصالحون في هذا الوقت هم جنودك إذ لا أصلح منهم في عساكر المسلمين بأقطار الأرض لإقامتهم سنة الجهاد وفتحهم أكثر البلاد النصرانية وهم على مذهب أهل السنة والجماعة وغيرهم من عساكر البلاد أما ممن فسدت عقائدهم كأهل العراق وأكثر اليمن والهند وأما ممن ضعفت عزائمهم عن إقامة شعائر الإسلام كالمغرب وأما ممن استولت عليهم الدنيا كمصر وبالغ في تقرير هذا المعنى وسر السلطان سليم بقوله وسلم له الفقهاء حسن الاستنباط ولطف الإشارة إلا أنهم قالوا له إن هذا لا يكفي في إباحة قتال من لم يخلع يدا من طاعة ولا حارب أحدا من المسلمين وإن كانت الإشارة القرآنية تدل على أن هذا سيكون فلا بد من إظهار وجه تعتمده الفتوى الفقهية فقال ابن الكمال أيها الأمير أما هذا فهو أيضا متيسر وذلك بأن تبعث إلى السلطان الغوري وتقول له أني لما قدمت إلى هذه الأوطان ولم يتيسر الغرض الذي قدمنا لأجله عزمنا على التوجه للحجاز لأداء فريضة الحج وليس لنا طريق ولا تزود إلا من بلادكم فأردنا أن تأذن لنا في المرور ببلادكم والتزود منها فانه لا محالة مانعك وصادّك عن المرور ببلده فإذا صدك عن حج البيت جاز لك قتاله وصار محاربا فاستحسن الفقهاء رأيه في ذلك لأن الحيل في مذهبهم سائغة ، وانتهاج طريقها عندهم شريعة شائعة ، فكتب السلطان سليم إلى الغوري في ذلك فراجعه الغوري بجواب سيء وصرح بمنعه وصده وانه لا يشرب من نيل مصر جرعة ماء إلا أن مشى على ظهور الموتى إلى غير ذلك من التهديد فتقوى حينئذ عزم السلطان سليم على غزو مصر وتهيأ لذلك فكان ما كان من استيلائه عليها ومحو الدعوة الغورية من مصر وإنحائه وقتله أكثر العلماء والصلحاء والخليفة العباسي وكثير من أرباب المناصب وكان أمر الله قدرا مقدرا فعظمت بذلك مكانة ابن الكمال عنده وخيره فيما شاء من الولايات فاختار الفتوى فتولاها وحسنت سيرته فيها وتصدى لنشر العلم وتعظيم أهله والله يتقبل منه


آمين.

ونظائر هذه الحكايات والاستنباطات كثيرة يتعاطاها أربابها على أن التسلق على مصل هذا وتعاطي فهمه من القرآن مما لا ينبغي إلا لذي بصيرة نورانية يصدق كشفه فتحه وإلا فالهجوم عليه ببضاعة العقل خطر فإن الواقع قد لا يكون كذلك فيؤدي إلى نسبة شبه الكذب لخبر الله تعالى وأن بالفحوى والإشارة والقرآن ينزه عن مثل ذلك فإن الله تعالى ما أنزله على عبده لهذا وإن كان موجودا فيه وإنما أنزله هدى وموعظة وذكرى لأولي الألباب فاستعمال الفكر في معانيه التي حض الله عليها ورسوله أولى من استعماله في أمثال هذه الأمور التي لم يرد عن الشارع ولا عن السلف الصالح اعتبار جنسها في أمثال هذه الأمور وأن اعتبرها بعض السلف لكن في غير هذا الجنس كاستخراج ابن عباس رضي الله عنه تعيين ليلة القدر من بعض آيات سورته وأما المتأخرون فمنهم من اعتبره في هذا الجنس كاستخراج بعضهم فتح بيت المقدس على يد صلاح الدين ابن أيوب من قوله تعالى : (غُلِبَتِ الرُّومُ) إلى قوله : (فِي بِضْعِ سِنِينَ) إلا أنه أمر نادر لا ينبغي أن يعتمد وذو الحال الصحيح ، والكشف الصريح ، لا ينبغي أن يقتدي به والله الموفق للصواب اه وإياك وأن تقفو ما ليس لك به علم فتقع في مهواة لا قعر لها من العطب حذرا حذرا.

ومن التقينا به بالمدينة خطيب الحرم الشيخ إسماعيل قرأنا عليه حديث إنما الأعمال بالنيات فأجازني ونص إجازته أحمد الله سبحانه ونسأله أن يصلي ويسلم على نبيه وأشرف خلقه مولانا محمد وآله وصحبه وإتباعه وأحبابه أخذت قراءة القرآن والحديث عن العارف بالله تعالى الشيخ علي الشمولسي (1) عن الشيخ الحلبي صاحب السيرة عن القاضي شمهورش عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أجزت الشيخ

__________________

(1) كذا في ثلاث نسخ وفي نسخة الشبراملسي وفي الرحلة الناصرية الشمولي.


العارف بالله تعالى أحمد بن محمد ابن ناصر أن يروي بهذا السند الشريف العالي المنيف حديث سيد المرسلين وحبيب رب العالمين ككتاب البخاري وغيره من الكتب وقد قرأ علي حديث إنما الأعمال بالنيات نفع الله تعالى به المسلمين وجعلني وأياه في بركة سيد المرسلين آمين. إلى أن قال ومن عادة أهل المدينة أيضا في كل ليلة جمعة أن يجتمع الناس بعد صلاة العشاء في آخر أروقة المسجد النبوي الموالي لصحن المسجد فتأتي جماعة من المنشدين فينشد كل واحد قصيدة أو قصيدتين بصوت رخيم ، وتطريب وتقسيم ، والناس محدقون ولهم إتباع يردون عليهم مثل ما تقدم في ليلة المولد إلا أنهم لا يحتفلون لذلك في ليلة الجمعة كاحتفالهم لليلة المولد ولا قريبا منه.

ومن عادته في يوم الجمعة الخروج للبقيع ووضع الرياحين الكثيرة على القبور خصوصا المشاهد المعلومة فيكون عندها أضغاث من الرياحين ويؤتى به إلى الحجرة الشريفة أيضا ويلقى من طيقان الشبابيك إلى داخلها فلا يزال هنالك حتى يذبل ويذوى ويخرج في كناسة الحجرة ويقتسمها الأغوات بينهم مع باقي الشمع الذي يوقد داخل الحجرة وما يتساقط من الطيب فيجمعون ذلك فيهدون منه لأصحابهم وللأكابر ويبعثون منه إلى من يهاديهم من أهل الآفاق.

ومن عادتهم يوم الجمعة أن يكنس المسجد النبوي كله ويؤتى بأغطية من ديباح أسود مخوص بالذهب فتعلق على أبواب المسجد ويؤتى برايتين سوداوين من ديباج مخوص أيضا فيركزان عن يمين المنبر وشماله وتكسى درج المنبر من أعلاه إلى أسفله ديباجا من ذلك النعت ويعلق أيضا على أبواب الحجرة الشريفة فإذا كان قبل الزوال بقريب من ساعتين طلع المؤذنون على المآذن فيبتدئ مؤذن الرئيسة بالذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة آيات من القرآن فإذا فرغ تلاه صاحب السليمانية على نحو من ذلك ثم لا يزالون كذلك يتناوبون الذكر والصلاة على النبي


صلى الله عليه وسلم والتلاوة على المآذن كلها إلى أن يخرج الإمام بأثر الزوال يقتسمون الوقت بذلك فإذا قرب دخول الإمام قام احد المؤذنين على سرير المؤذنين فينشد ما شاء الله فإذا دخل الإمام ورقي المنبر أذن المؤذنون دفعة واحدة داخل المسجد على السرير الذي في وسط المسجد وكيفية أذانهم انه يبتدئ رئيسهم فيقول الله أكبر الله أكبر فيقوله الآخرون بعده دفعة واحدة ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله مثنى فيقولونه أيضا بعد فراغه منه دفعة واحدة وهلم جرا إلى آخر كلام المؤذن وأما الخطابة فهي كالإمامة موزعة بين فقهاء المدينة لكل واحد مقدار معلوم من الأيام على قدر حصته التي يأخذها من جامكية الخطباء فمنهم مقل ومكثر وذلك إما بالوراثة من أسلافهم أو بالشراء من الولاة وهو الغالب ومنهم من تدور نوبته في كل شهر مرة ومنهم من لا تصل إليه النوبة إلا مرة في السنة ومنهم بين ذلك على حسب أنصبائهم في المال المأخوذ على ذلك.

ومن عادة المدرسين بالمدينة أيضا تعطيل القراءة في المكاتب والتدريس يوم الثلاثاء ويوم الجمعة ويقرءون فيما سوى ذلك من الأيام خلاف عادتنا في المغرب من التعطيل يوم الخميس ويوم الجمعة.

قال شيخنا أبو سالم وكنت أيام أقرائي بالحرم الشريف يكلفونني القراءة يوم الخمسي فيشق ذلك علي لكونه خلاف المعتاد لدينا ولخروجنا في ذلك اليوم لزيارة أحد وغيره من المشاهد فطالبتهم كل المطالبة أن نعوض الخميس بالثلاثاء فأبوا كل الإباءة فجريت على عادتهم كما قيل :

إن جئت أرضا أهلها كلهم
 

 

عور فغمّض عينك الواحده
 

قلت ولا أدري ما السبب في تعطيل الثلاثاء والخميس والجمعة فسببها مشهور قلت والسبب في ذلك كما في شراح الرسالة أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما


أطال في بعض أسفاره اشتاقه أهل المدينة فلما سمعوا بأيابه تلقاه الناس رغبة وشوقا فتسابق إليه الصبيان فيأتوا معه ليلة الخميس والجمعة فأجازهم جائزة وأنهم لا يقرءون يوم الخميس ويوم الجمعة إلى صبيحة يوم السبت وهذا حاصل معناه.

ثم قال شيخنا المذكور ومن عادتهم أيضا في الحرمين الشريفين التهنئة بالشهر أي شهر كان خلاف المعتاد لدينا بالمغرب فإن التهنئة عندنا إنما تكون بالأعياد وما شاكلها ولديهم لا بد من التهنئة في أول يوم من كل شهر فيذهب كل واحد إلى من له عليه حق بولاية أو شيخوخة أو صحبة حتى يهنئه بالشهر في منزله ولله در القائل :

أن الأهلة في السماء مناجل
 

 

بطلوعها تتحصّد الاعمار
 

أبدا يهنيء بعضنا بعضا بها (1)
 

 

وطلوعها بأفولنا انذار
 

ومن عادتهم في إقامة الصلوات الخمس في الحرم الشريف تقديم الصلاة في أول الوقت ما عدا الصبح للحنفي فيؤخره إلى قرب الأسفار فيصلون الظهر أول ما تزول الشمس وما يقبل غالب الناس إلا بعد الصلاة فيذهبون بعد الصلاة إلى منازلهم لنوم القائلة وكان ذلك يشق على الغرباء قبل اعتيادهم لذلك فتكاد صلاة الظهر تفوتهم في المسجد لأنهم لا يتأهبون لها إلا بعد الأذان وليس بين الأذان والصلاة قدر يسع التأهب فمن لم يتأهب للصلاة قبل دخول الوقت فاتته الصلاة في الجماعة غالبا وذلك خلاف السنة في تأخير صلاة الظهر إلى ربع القامة أو أزيد للإبراد في شدة الحر فأنا لله وإنا إليه راجعون على تفويت الفضائل في أماكن قطب الأفاضل وأول من يصلي من الأئمة الشافعي ثم الحنفي إلا في صلاة المغرب فيتقدم الحنفي لضيق الوقت عنده كالمالكي ولا يؤم بالمدينة من الأئمة سواهما من أهل المذاهب إلا في الجمعة فيصلي صاحب النوبة على أي مذهب كان فيتناوب الإمامان الصلاة في المحراب النبوي فإن

__________________

(1) في ثلاث نسخ بمصابها.


صلى أحدهما فيه صلى الأخر في المحراب الذي على يمين المنبر الشريف وأما المحراب العثماني الذي في الصف الأول فلا يصلى فيه إلا في بعض أيام الموسم إن كثر الناس.

ومن عادتهم في الصلاة على الجنائز إدخال الجنازة إلى الحرم الشريف فيصلى عليها بالمسجد ثم يمر بها أمام الوجه الشريف ويوقف بها وقيفة ثم يذهبون بها إلى محلها من البقيع أو غيره إلا جنائز الروافض كالنخاولة فإنها لا يدخل بها المسجد ولا يؤتى بها إلى المواجهة بل يأتي بها أصحابها إلى خارج المسجد من ناحية الروضة ثم يرجعون ولقد أحسن من سن لهم ذلك من الولاة فحق من يبغض ضجيعي الرسول صلى الله عليه وسلم ورفيقيه في المحيا والممات أن يبعد عن حماه حيا وميتا قيض الله من يخليهم منها إلى تيماء واريحاء آمين.

ومن عادتهم في الأملاكات أن يكون عقد النكاح بالمسجد الحرام فيأتي أكابر المدينة من أرباب المراتب والمناصب والخطيب فيجلسون صفين من المنبر إلى الحجرة الشريفة صف مستقبل القبلة وصف مسند ظهره إلى جدار القبلة وبإزاء الخطيب المتعاقدان فيشرع في الخطبة فيثني على الله بما هو أهله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ثم يذكر المتعاقدين ويشير إليهما ويرضيان بذلك ثم يؤتى بأطباق الرياحين وتوضع بين الصفين وأطباق من اللوز والسكر ويفرق ذلك على الحاضرين ويقوم المنشد ينشد قصيدة أو قصيدتين في مدح النبي صلى الله عليه وسلم فيفترق المجلس ويقوم الحاضرون إلى المتعاقدين ويهنئونهما وهذه صورة أملاك كل ذي وجاهة ورياسة من أمير أو تاجر أو صاحب خطة وأما غيرهم فعلى حسب ما يتفق لهم فإذا كان ليلة الدخول أتي بالرجل ومعه جماعة كبيرة من أصحابه وأقاربه ومعهم الشموع حتى يوقف به على باب المسجد بعد العشاء الأخيرة فيدخل ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو فيخرج ثم يذهب به كذلك يزفونه إلى بيت المرأة في دار أهلها عكس


المعتاد في كثير من البلاد أن المرأة هي التي تزف إلى زوجها وأن الدخول في بيت الزوج وعند هؤلاء لما كانت العادة الدخول بالمرأة في بيت أهلها صار الزوج هو الذي يزف فإذا أصبح الزوج ذهب من بيت الزوجة إلى بيته وأخذ في إطعام الناس طعام الوليمة وجاء الناس لتهنئته وفي الليلة المقبلة تأتي الزوجة من دار أهلها إلى دار الزوج ولكل قطر عادة ولكل قوم سادة وعادة السادة سادة العادات.

ومن عادتهم في التعامل أنهم يسمون الأربعين مايديا (1) صرفا فيقولون عشرة أصرف وعشرون صرفا يعنون كل أربعين قيراطا من قراريط الفضة المسكوكة يعد صرفا كقولنا في بلادنا لهذا المقدار مثقالا ويقولون للدينار من الذهب شريفيا وسلطانيا ويقولون للريال المسكوك من الفضة ريالا وقرشا.

قلت وهذا خلاف مصر في القرش فانه أقل من الريال ويقولون للقيراط المسكوك محلقا وفي مصر يقولون له فضة ومؤيديا ويقولون للصاع الذي به التعامل ربعيا ويسمون الصروف المتقدمة إذا ذكرت مجموعة ذهبا فيقولون عشرون ذهبا وثلاثون ذهبا يعنون عشرين صرفا من غير قصد إرادة الذهب إذ التعامل بالذهب إنما هو بالدنانير وأجزائها.

ومن عادتهم في الشراء من الأعراب الذين يجلبون اللبن والجبن والسمن والغنم أن يشتري منهم قوم من الأعراب الساكنين بالمدينة وأطرافها ولهم اسم يختصون به كالبرغازين عندنا فيدخلونه الأسواق ويشتري منهم أهل المدينة وهذا من تلقي السلع المنهي عنه ولكنهم قد ألفوا ذلك واستمرت عليه عادتهم وألف ذلك القادمون أيضا لو أن أحدا من أهل المدينة أراد أن يشتري منهم لم يبيعوه إلا بأضعاف ما يشتريه

__________________

(1) كذا في الرحلتين وفي ثلاث نسخ وفي نسخة ميريا ولعله مؤيديا.


البرغازون فإذا جاء البرغازون أخذوه منهم بأقل من ذلك ويركنون إليهم ويميلون إلى قولهم ويعرفون كيفية المساومة معهم فلا يتعاصون عليهم لقرب الشكل من الشكل وغيرهم ليس بتلك المثابة فلا يكاد أحد يشتري منهم لحفائهم وغلظ طبائعهم فاستسهل الناس الشراء من البرغازين بربح قليل زيادة على ما اشتروا به من الأعراب واغتفروا التلقي لذلك اللهم إلا أن يكون الموضع الذي يحطون فيه ما يأتون به من اللبن وغيره معلوما عندهم لذلك ولا يقصدون سواه ولا يتعدون لغيره لبيع ما يأتون به من سوق أو حانوت أو دكان فيكون ذلك كالسوق لسلعهم فلا نهي إذا إذ لا تلقي حينئذ لكون السلع بولغ بها سوقها ومحل بيعها وابتياعها.

ومن عادتهم في كراء الرواحل من القوافل الذاهبة إلى مكة والينبع أن بالمدينة رجالا يعرفهم غالب الجمالين فمن احتاج الكراء من أرباب الدواب أو أرباب السلع أتى إليهم فيعقدون لهم الكراء مع صاحبه ويتكلفون بما عسى أن يصدر من الجمال من غرر في الطريق بهروب أو مكر ويسمى أحد هؤلاء المخرج فلا يعقد أحد كراء إلا بحضرة أحدهم وجلوسهم في الغالب بباب المصري ويأخذون بذلك حلاوة من الجمال ومن المكري وذلك دأبهم بمكة أيضا : وفواكه المدينة المشرفة في غاية الجودة خصوصا عنبها ورطبها وأما الخضر فأكثرها وجودا الجزر والباقلاء والملوخية والبامية والبصل واللفت والخضر البرية ليس فيها إلا الخبيز ولا يأكل أحد في تلك البلاد المسن القديم والشحم الغوي إلا أضرابه ما لم يكن حديث عهد بالبلد فإذا طالت إقامته في البلد تطبع بطبعهم.

قال أبو سالم وطبع ذلك البلد الشريف وهواؤه فلما يوافق أحدا من أهل مغربنا الأقصى ممن بلده ريف ذات مياه وخصب وإنما يوافق أمزجة أهل الصحراء كنوات وتفورارن وأهل السودان وذلك والله أعلم لفرط حرارة بلاد هؤلاء فقلما رأيت


أحدهم مريضا في تلك البلاد إلا مرضا خفيفا وقلما رأيت أحدا ممن بلده كبلادنا ريف وخصب إلا وقد ألظ به المرض إلا القليل ممن طالت إقامته جدا في البلد وتطبع بطبع أهلها قال من يوم قدومنا للمدينة كل ما تكلمنا معه من أصحابنا المجاورين يقول لنا استعدوا الحمى المدينة فلا بد لكم منها فإنها تحفة النبي صلى الله عليه وسلم وكرامته لجيرانه لتمحيض ذنوبهم وكان بعض أصحابنا يتمغص من ذلك ويشق عليه سماعه منهم ويقول نحن نرجو أن تكون كرامة النبي صلى الله عليه وسلم لنا بغير ذلك فكان أولنا وقوعا في المرض وأطولنا إقامة فيه والله يغفر له ويكفر ز لله قال ولا بعد ولا نكر في تسمية الحمى استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها أذهبي إلى الأنصار فإن لهم عينا يدا أو كما قال عليه الصلاة والسلام وروى الإمام أحمد وغيره برجال الصحيح عن جابر رضي الله عنه استأذنت الحمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من هذه فقالت أم ملدم فأمر بها إلى أهل قبا فلقوا ما لا يعلمه إلا الله فأتوه فكشوا ذلك إليه فقال ما شئتم أن شئتم دعوت الله أن يكشفها عنكم وإن شئتم تكون لكم طهورا قالوا أو تفعل قال نعم قالوا فدعها وفي رواية وإن شئتم تركتموها وأسقطت بقية ذنوبكم انتهى.

ولا تحفة ولا كرامة لزائريه صلى الله عليه وسلم أعظم مما يطهرهم من الآثام وهل فارقوا الأهل والأولاد ، وقطعوا الأغوار والأنجاد ، وامتطوا ظهور النجائب ، وفلوا بأرجلها ناصية السباسب ، إليه صلى الله عليه وسلم ألا لتحط عنهم أوزارهم ، وتغسل أدرانهم ، فجزاه الله عن أمته ، أفضل ما جرى به نبيئا عن قومه.

وقد حقق العارف الإمام ابن أبي جمرة رضي الله عنه أن المغفرة أعلى ما يناله العبد منه الله قائلا أن الرحمة وأن نال منها الإنسان ما عسى أن يناله فيمكن أن يبقى معها


بقية ذنب فيؤاخذ بها بخلاف المغفرة ولذلك أمتن الله بها على نبيه صلى الله عليه وسلم.

قلت فينبغي إذا للعارف (1) أن يكون أهم ما لديه تعطي أسباب المغفرة من الله كصلاة التسبيح كل يوم مرة أو أسبوع أو شهر أو سنة أو مرة في العمر فقد ورد فيها ما يحمل الراغب في ربه ، المشفق من ذنبه ، على ان لا يدعها ، لا يقدم عليها سواها ، وأفضل أوقاتها ما بين الزوال وصلاة الظهر أن تأتي ذلك وإلا فسائر النوافل تصلى فيه أوقاتها من ليل أو نهار وتصلى تارة على ما رواه ابن المبارك رضي الله عنه وتارة على غيره من تقديم القراءة على الأذكار والجلوس للاستراحة قائلا الأذكار فيها قبل أن ينهض قائما وقبل التشهد فشديد الضنين عليها ولا يشغلنك عنها شاغل واستبشر بنعمة من الله وفضل أن وفقك الله وأهلك لتعاطيها ونشطك لها إذ لو أراد بك الأخرى عياذا بالله لثبطك عنها فتكاسلت وتوانيت ولا يزهدك عنها زاهد فإن العارفين بالله بالغوا في الحث والحض عليها والله يوفقنا وأياك.

ولنذكر هنا الأحاديث الدالة على الخصال المكفرة لما تقدم وتأخر من الذنوب جمع الإمام الحافظ ابن حجر في جزئه المسمى بالخصال المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة تيمنا وتبركا فأقول عن ابن حجر بسنده إلى حمران ابن أبان مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه قال دعا عثمان بماء فأكثر ترداد الماء على وجهه ويديه فقلت حسبك قد أسبغت الوضوء والليلة شديدة البرد فقال صب فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يسبغ أحد الوضوء إلا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ومسنده وأخرج أبو عوانة في مستخرجه على مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع المؤذن فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد

__________________

(1) في الرحلة الناصرية للعاقل.


نبيا وفي رواية رسولا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال له رجل يا سعد ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب يا عباس يا عماه ألا أعطيك إلا أمنحك ألا أخبرك ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره خطأه وعمده صغيره وكبيره سره وعلانيته عشر خصال أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغت من القراءة في أول كل ركعة وأنت قائم قلت سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرا ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرا ثم تهوى ساجدا فتقولها عشرا ثم تسبح فتقولها عشرا ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا فذلك خمس وسبعون مرة في كل ركعة تفعل كذلك في أربع ركعات أن استطعت ان تصليها في كل يوم مرة فأفعل فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة فإن لم تفعل ففي كل شهرة مرة فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة فإن لم تفعل ففي عمرك مرة انتهى.

وأخرج ابن وهب في مصنفه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا آمن الإمام فآمنوا فإن الملائكة تؤمن فمن وافق تآمينه تآمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

وأخرج آدم بن أبي إياس في كتاب الثواب له عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى سبحة الضحى ركعتين إيمانا واحتسابا كتب الله له بها مائتي حسنة ومحا عنه مائتي سيئة ورفع له مائة درجة أو مائتي درجة وغفر له ذنوبه كلها ما تقدم وما تأخر إلا القصاص.


وأخرج أبو عبد الرحمان السلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ إذا سلم يوم الجمعة قبل أن يثني رجليه فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس سبعا سبعا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأعطي من الأجر بعدد كل من آمن بالله واليوم الآخر وفي إسناده ضعف شديد جدا.

وأخرج الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

وأخرج أحمد بن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليلة القدر في العشر البواقي من قامهن ابتغاء حسبتها فإن الله تبارك وتعالى يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهي ليلة وتر تسع أو سبع أو خامسة أو ثالثة أو أحدى وعشرون.

وأخرج أبو سعيد النقاش في أماليه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صام يوم عرفة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

من أهلّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة أخرجه أبو داود عن أم سلمة من جاء حاجا يريد وجه الله فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفع فيمن دعا له أخرجه أبو نعيم عن عبد الله بن مسعود إذا خرج الحاج من بيته كان في حرز الله فإن مات قبل أن يقضي نسكه وقع أجره على الله وإن بقي حتى يقضي نسكه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أخرجه أبو يعلى وأحمد بن منيع عن جابر.

من صلى خلف المقام ركعتين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وحشر يوم


القيامة مع الأمنين ذكره القاضي في الشفاء. من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أخرجه الثعالبي وابن مردويه في تفسير هما.

من علم ابنه القرآن نظرا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومن علمه أياه ظاهره فكلما قرأ آية رفع الله بها للأب درجة حتى ينتهي إلى آخر ما معه من القرآن أخرجه الطبراني عن آنس.

وأخرج أبو محمد عبد الله بن محمد في فوائد الأصبهانيين عن أم هانيء وكانت تكثر الصلاة والصيام والصدقة فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه ضعفها فقال لها سأخبرك بما هو عوض من ذلك تسبحين الله مائة مرة فتلك مثل مائة رقبة تعتقينها متقبّلة وتحمدين الله مائة مرة فتلك مثل مائة بدنة مجللة تهدينها متقبلة وتكبرين الله مائة مرة وهناك يغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.

من عدّ في البحر بعين موجة وهو يكبر غفر الله له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر وإن الأمواج لتحتّ الذنوب حتّا ذكره أبو الحسن الربيعي في فضائل الشام. وروي أيضا عن أنس عنه عليه الصلاة والسلام مدينة بين الجبلين على البحر يقال لها عكا من دخلها رغبة فيها غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومن خرج منها رغبة عنها لم يبارك له في خروجه وبها عين تسمى عين البقر من شرب منها ملأ الله بطنه نورا ومن أفاض عليه منها كان طاهرا إلى يوم القيامة هذا حديث منكر جدا.

من قاد مكفوفا أربعين خطوة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أخرجه ابن مندة في أماليه عن ابن عمر.

من سعى لأخيه المؤمن في حاجة قضيت له أو لم تقض غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكتبت له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق أخرجه ابن الناصح في فوائده


عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ما من عبدين متحابين في الله وفي رواية ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان ويصليان على النبي صلى الله عليه وسلم إلا لم يفترقا حتى يغفر لهما ذنوبهما ما تقدم منها وما تأخر أخرجه أبو يعلى عن آنس من أكل طعاما ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومن لبس ثوبا جديدا فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أخرجه أبو داود عن آنس وأخرج الحكيم الترمذي عن عثمان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله عز وجل إذا بلغ عبدي أربعين سنة عافيته من البلايا الثلاث من الجنون والجذام والبرص فإذا بلغ خمسين سنة حاسبته حسابا يسيرا فإذا بلغ ستين سنة حببت إليه الإنابة فإذا بلغ سبعين سنة أحبته الملائكة فإذا بلغ ثمانين سنة كتبت حسناته وألقيت سيئاته فإذا بلغ تسعين سنة قالت الملائكة أسير الله في أرضه وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفع في أهله قال الحكيم هذا من جيد الحديث وذكرتها لمناسبتها لما نحن بصدده من المغفرة رغبة أن يعمل بها من وقف عليها أو ببعضها فقد أجزت بها من أراد العمل بها من المؤمنين رجاء الثواب وحسن المآب.

ومن عادتهم إذا قرب زمن انقضاء الحر وأقبلت هوادي زمن البرد وظهرت البرودة في الهواء صباحا ومساء أخذوا يدثرون أبدانهم في الثياب الكثيفة التي تلبس في أيام البرد الشديد ويقولون أن البرد في أول أبانه يسرع فساد الأمزجة وهو أضر من البرد الشديد الذي يكون في وسط الشتاء ويقولون أن الناس يلبسون من غليظ الثياب في آخر الخريف ما لا يلبسون في صميم الشتاء وشديد الزمهرير.

قال شيخنا أبو سالم وكنا نحن لألفنا البرد الشديد في بلادنا نتلقاه بأبداننا ونعري


له أطرافنا فرحا بقدومه لما قاسينا من شدة الحر الذي لم نعهد مثله في قطرنا فكانوا ينهوننا عن ذلك ولا ننتهي ويقولون ليس هواء هذه البلدة وبردها كالتي تعهدون فكنا لا نلتفت لذلك ثقة بما نعهد في أنفسنا في بلادنا من الصبر على بردها الذي لا يكون برد هذه البلدة بالنسبة إليه إلا كنسبة زمان الاعتدال قال فكان ذلك مع قدر الله تعالى هو السبب في حصول المرض المتطاول لنا ولأصحابنا ويشهد لمقالهم في ذلك قول أمير المؤمنين مولانا علي بن أبي طالب رضي الله عنه اتقوا البرد في أول أبانه وتلقوه في آخر أوانه فانه يفعل بالأبدان ما يفعل بالأشجار فأوله محرق وآخره مورق ذكره الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار له قال ولقد صدقوا في ذلك خصوصا في تلك البلاد فان بدن الإنسان يكون مشتعلا حرارة ويبسا لغلبة الحر فإذا فاجأ البرد البدن في تلك الحرارة أضر به بخلاف البرد الذي يجيء في آخر الأبان فانه يصادف البدن قد سكنت حرارته والله أعلم.

ومن عادتهم أن لا يتولى خدمة الحجرة الشريفة والمسجد إلا عبيد أغوات موقوفون على ذلك لا يشاركهم غيرهم وشيخ الحرم هو كبيرهم والأغا بلغتهم كناية عن الخصي من العبيد واختاروا وقف الخصي دون غيره لكونه أطهر وأنزه وأكثر فراغا من الأشغال إذ لا أهل له ولا ولد يشتغل بهم وهو أبعد من دنس الجنابة ومباشرة النساء وهم عدد كثير قريب من الثمانين يزيدون وينقصون بحسب كثرة الراغبين في الوقف وقلتهم والأربعون منهم هم الكبار الذين يأتي رزقهم ومئونتهم من بيت المال وما زاد على ذلك إنما يرزقون من الأوقاف التي لهم بالمدينة أو مما يأتيهم من الهدايا والصدقات من أقطار الأرض ويسمى ما سوى الأربعين البطالين لأنهم إنما يستعملون في الأشغال التي هي خارج الحجرة والمسجد النبوي من الأعمال الممتهنة ولا يجلسون مع الأكابر في الدكة إنما يجلسون خارجها ولهم ضبط وسياسة كسياسة الملوك فلكل واحد منهم رتبة معلومة وشغل معلوم فإذا مر بالأصاغر أحد الأكابر


قاموا له كلهم وكذا الأكابر فيما بينهم فأكبرهم شيخ الحرم فهو يتجدد في الغالب أما في سنة أو سنتين أو أكثر ولا يأتي إلا من دار السلطان من عبيده ويليه النقيب ويليه المستسلم وهو الذي يتولى قبض الصدقات وما يهدى لهم أو للحجرة وبيده مفاتيح الحجرة وحواصل الزيت والشمع وبيده جميع ما يتصرف فيه الأغوات من مصالح المسجد ومن أوقافهم فإذا مات واحد من الأربعين دخل واحدج من البطالين في موضعه وهو من كان شيخ البطالين والترتيب في ذلك بالتقدم فمن تقدم مجيئه يقدم على من تأخر مجيئه وليس فيهم شافعي ولا حنبلي بل كلهم حنفية ومالكية على مذاهب ساداتهم الذين أوقفوهم وذلك لأن الشافعية والحنابلة لا يرون صحة وقف الحيوان ومن أوقف عبدا من الأغوات على الحجرة نسب إليه سواء كان من التجار أو من الأمراء أو العلماء فيقال أغا فلان وكلهم يبيتون في المسجد عدا شيخ الحرم والنقيب وأما الآخرون فلا يبيت واحد منهم بداره إلا لعذر بين من مرض أو نحوه ولكنهم جزاهم الله خيرا عن تعظيم المكان وتوقيره وتبجيله وكلهم أهل خير وبركة قد اختارهم الله لخدمة اشرف البقاع وشرفهم بالنسبة إلى اشرف الخلق صلى الله عليه وسلم ولله در الإمام البوصيري إذ يقول :

وإذا سخر الإله أناسا
 

 

لسعيد فإنهم سعداء
 

ومن عادة الأغوات كل ليلة إذا فرغ الناس من صلاة العشاء ورواتبها قاموا بأيديهم الفوانيس الكبار وهي الفنارات عندنا مشعلة ليخرجوا الناس من المسجد فيأتون إلى المواجهة والصف الأول فيقف بعضهم أول الصف ووسطه وآخره فيخرجون كل من فيه فإذا لم يبق أحد بذلك الصف تكلموا بكلمة ذكر رافعين أصواتهم بها فينتقلون إلى الصف الذي يليه ثم كذلك حتى لا يبقى في المسجد أحد سواهم فيغلقون أبواب المسجد ويطفؤن المصابيح كلها إلا التي في مواجهة الوجه الشريف والتي داخل الحجرة فيخرجون من المسجد إلى الصحن وإلى الأروقة التي


بجانبه فيخرجون فرشهم من الحواصل فينامون هنالك ولا ينام أحد منهم في المسجد بل ولا يأتيه إلا من قصد منهم الصلاة.

ومنهم أناس على قدم صدق في العبادة وغالب نوم الصغار منهم في مؤخر المسجد ومن وراء المسجد في الناحية الشامية ميضاة كبيرة فيها بئر كبيرة واخلية وفتح لها باب إلى مؤخر المسجد ولا تفتح إلا ليلا بعد غلق الأبواب وتسرج فيها المصابيح لوضوء الأغوات وإزالة حقنة من احتاج إلى ذلك ليلا فإذا غلقت الأبواب هدأت الأصوات منهم وخشعوا فلا تكاد تسمع من أحد منهم كلمة فمن احتاج منهم إلى كلام أحد منهم كلمه كأخي السرار.

قال أبو سالم ولقد رأيتهم يبالغون في خفض أصواتهم بالليل حتى بالسعال والعطاس وتنزل عليهم السكينة وتلحقهم هيبة المكان وليس منهم مجرد استعمال لما يخالط قلوبهم من هيبة المكان.

قال ولقد أخبروني أنه لا يقدر أحد منهم بالليل أن يصل إلى الروضة وأطراف الحجرة والمواجهة إلا الأفراد منهم وأنهم ليسمعون بالليل قعقعة السقوف وفرقعة الشبابيك حتى يظنوا أن أحد أبواب الحجرة فتح وأن بعض السقوف وقع فلا يجدون شيئا من ذلك وذلك والله اعلم لتنزل ملائكة الرحمة على قبره صلى الله عليه وسلم أو قدوم بعض رجال الغيب للزيارة ويظهر أثر ذلك باللي لهدو الأصوات به وخلو المكان وأن كان تنزل الملائكة على قبره صلى الله عليه وسلم وغشيان الرحمة له لا ينقطع ليلا ولا نهارا.

قال ولقد شاهدت من الهيبة والعظمة في أحدى الليالي التي بتها في المسجد ما أعجز عن وصفه ولقد كنت اجتهد إذا عسعس الليل أن أصل إلى المواجهة واقف


للتسليم والدعاء فما أصل إلى ذلك حتى تكاد أوصالي تنقطع هيبة فإذا وصلت وسلمت وأردت إطالة الوقوف للدعاء كما كنت أفعل نهارا فلا أقدر فاخفف السلام والدعاء فارجع.

قال ولقد سمعت بعض ما ذكر من فرقعة السقف وما أشبه ذلك فملئت منه رعبا إلا أني كنت أشتغل عنه والتلهى عن سماعه بقراءة القرآن سرا فيها لها من ليلة هي عندي نتيجة عمري وفريدة أيامي فلئن كانت ليلة القدر خير من ألف شهر فهذه الليلة عندي كألف ليلة القدر اللهم لا أحصي لك ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك فلك الحمد على جزيل عطائك ، ولك الشكر على سوابغ آلائك ، فإذا كان بعد الثلث الأخير من الليل جاء رئيس المؤذنين ففتحوا له وصعد إلى المآذنة الرئيسية وإذن وشرع في الدعاء والذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيقوم كل من في المسجد من الأغوات فيتوضئون ثم يصبحون كل ما في المسجد من المصابيح فإذا فرغوا من الأصباح وقرب الصباح فتحوا أبواب الحرم ولا يأتي وقت فتحها حتى يجتمع بأبواب المسجد جماعات كثيرة من المتهجدين ينتظرون الفتح فإذا فتحت الأبواب دخلوا مزدحمين وتسابقوا الصف الأول من الروضة فيما بين القبر والمنبر فمن سبق إلى موضع كان أحق به فإذا أراد القيام لحاجة كزيارة أو تجديد وضوء بسط نمرة له في محله فلا يجلس فيه أحد ولو أبطأ وكثيرا ما يعتدى في ذلك أقوام فيدخلون مع أول داخل من غير طهارة لقصد السبق إلى الموضع وتحجيره فإذا بسط فيه فروته أو منديله ذهب إذ ذاك إلى الطهارة وأسبابها وكثير منهم يبطيء في الطهارة فيحجر على الناس المحل وربما عرض لأحدهم حاجة في منزله أو في السوق فيترك النمرة في محله فلا يقربه أحد وأن أبطأ كثيرا وفي ذلك من الضرر على المصلين ما لا يخفى على أن في دخولهم مزدحمين واستباقهم إلى الروضة حتى ربما سمع لأقدامهم من شدة العدو دوي سوء أدب لا يخفى وربما يحتج لذلك محتج بقوله عليه الصلاة والسلام لو يعلم


الناس ما في الصف الأول لاستبقوا إليه فلا بد من تقييد ذلك بما لا يخل بأدب البقعة المطهرة وساكنها لقوله عليه الصلاة والسلام وأتوها يعني الصلاة وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاتموا.

قال والمراد بالمسابقة في الحديث المتقدم الاهتمام بشأنه والحرص على الصلاة فيه من غير عدو بالأقدام ومزاحمة بالمناكب.

وساداتنا الأغوات رضي الله عنهم وجازاهم خيرا لا يغفلون طرفة عين عن حراسة الحرم الشريف وتأديب من أساء فيه الأدب بلغط أو رفع صوت أو نوم ولو في قائلة إلا في مؤخر المسجد ومن وجدوه مضطجعا من دون نوم للاستراحة فإن مد رجليه إلى ناحية الحجرة زجروه وان استقبل القبلة بوجهه أو الحجرة من غير أن يكون مستدبرا لها تركوه ولا يغفلون عن حضور المسجد في ساعة من ليل أو نهار فإن خرجت طائفة جلست طائفة ولهم ديار وخدم وأتباع وضياع وخيل وسعة دنيا ولا يشغلهم ذلك عما هم بصدده من خدمة المسجد بل لبعضهم أزواج وسراري اتخذوها للتلذذ بما سوى الجماع وأحكامهم فيما بينهم منضبطة غاية الانضباط ولا يحكم فيهم سلطان ولا غيره ولا يولي عليهم ولا يعزل منهم إلا بأمر شيخهم ولا يرث معهم بيت المال شيئا إن مات أحدهم إنما يتوارثون بينهم ومن وجبت عليه عقوبة أو أدب منهم أدبوه من غير أن تكون لأحد عليهم ولاية كل ذلك تعظيما لجانب النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون لأحد ولاية على عبيده وخدم حجرته الشريفة ولا يدخل معهم من العبيد الذين يهدون من الآفاق إلا من رضوا إدخاله بمال يدفعه عنه سيده أو يدفعه هو إن كان له مال ومع ذلك يبقى في مرتبة الصغار المشتغلين بالخدمة الخارجة فإن رضوا حاله وحسنت أخلاقه تركوه حتى تأتي نوبته في الدخول في زمرة الأربعين وإن ظهرت منه خيانة أو سوء أخلاق أو سرقة أو شيء يشينه نفوه إلى حيث شاء من البلاد.


وبالجملة فلعبيد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخدام مسجده جلالة قدر وعظيم منصب وسعة أرزاق وكرم أخلاق وهم أحقاء بذلك ولكبيرهم كلمة نافذة في المدينة وتصرف تام ويد مبسوطة وهو أحد عظماء الولاة بالمدينة تنفذ أحكامه وتمضى تصرفاته في القوي والضعيف والشريف والمشروف ويطأ عقبه الكبراء والأشراف.

وإذا كان أول رجب جعل الناس يقدمون من أقطار الحجاز واليمن كمكة والطائفة ونجد وجدة وما ولاها من أطراف اليمن لشهود الرجبية وزيارة سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه فما من يوم إلا وتدخل فيه قافلة من مكة ونواحيها ولم يزل الناس يتلاحقون فخرج أهل المدينة إلى أحد من اليوم الخامس والسادس من الشهر ورجعوا في اليوم الثاني عشر ولم يبق بالمدينة إلا القليل وخرج العسكر لحراسة الناس في الطرقات من المدينة إلى أحد كما تقدم شرح ذلك.

وبعد الرجوع من أحد نزل الوافدون بالمدينة ينتظرون الرجبية وهي ليلة سبع وعشرين منه ليلة المعراج وقدم خلق كثير من الأعراب وكانت بالمدينة سوق عظيمة وامتلأ المسجد وجوانبه فما من يوم إلا ويزداد فيه الخلق كثرة فإذا كانت الليلة السابعة والعشرون تكامل حشر الناس فمن لم يدخل إلى المسجد من قريب من العصر قلما يجد موضعا لصلاة المغرب والعشاء فيغص المسجد بمن فيه ويفتح الحرم طول الليل ويبيت الناس في ذكر وقراءة وصلاة كل على حسب ما يسنح له إلى الصباح فإذا أصبح الناس أخذ الأعراب في التوديع فيسمع لهم حنين كحنين الإبل في المسجد وصياح وصراخ رافعين أصواتهم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاستغاثة به فيرق قلب سامعهم ويحن ويشفق لهم على جفائهم وجهلهم فلا يأتي مساء ذلك اليوم حتى لا يبقى بالمدينة منهم إلا القليل وعسى الله أن ينفعهم بحسن نياتهم.


وإذا استهل شهر شعبان أخذت القوافل في الرجوع إلى مكة ويرجع غالب من جاء من أهلها ولا يبقى إلا القليل ممن يريد شهود رمضان بالمدينة.


ذكر بعض أودية المدينة التي تسيل إذا كثرت الأمطار فيخرج أهل

المدينة للتنزه بها

فمنها وادي العقيق وهو أيضا من المواضع المباركة التي ينبغي زيارتها ففي الصحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بوادي العقيق أتاني الليلة آت فقال صل في هذا الوادي المبارك وروي مرفوعا العقيق واد مبارك وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه كان إذا انتهى إليه أن وادي العقيق قد سال قال اذهبوا بنا إلى هذا الوادي المبارك وإلى الماء الذي لو جاءنا جاء من حيث جاء لتمسحنا به وقال فيه عليه الصلاة والسلام هذا الوادي يحبنا ونحبه وهو واد كبير غربي المدينة وراء الحرة الغربية يأتي سيله من أماكن بعيدة وربما دام شهرا فأكثر ووري أنه صلى الله عليه وسلم ركب إلى العقيق ثم رجع فقال يا عائشة جئنا من هذا العقيق فما ألين موطأه وأعذب ماءه فقلت يا رسول الله أفلا تنتقل إليه قال وكيف وقد ابتنى الناس وعن أنس رضي الله تعالى عنه خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي العقيق فقال يا أنس خذ هذه المطهرة وأملأها من هذا الوادي فانه يحبنا ونحبه وعن سلمة قال كنت أصيد الوحش وأهدي لحومها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا خرجت ونلقاك إذا جئت. وأسفله مما يلي الجرف هو المسمى بالعرصة إلى غربي رومة وما فوق ذلك إلى النقيع يسمى العقيق.

قال أبو سالم والمشتهر في زماننا بالعقيق من غربي رومة إلى ذي الحليفة قال عياض النقيع صدر العقيق وهما عقيقان أدناهما عقيق المدينة وهو أصغر وأكبر فالأصغر فيه بئر رومة والأكبر فيه بئر عروة والعقيق الآخر على مقربة منه وهو من بلاد مزينة انتهى. وسمي عقيقا لأن سيله عق في الجرف أي شق وقطع وقيل سمي بذلك لحمرة


موضعه.

قال السيد ومر تبع بالعرصة وكانت تسمى بالسليل فقال هذه عرصة الأرض فسميت العرصة ومر بالعقيق فقال هذا عقيق الأرض فسمي به وفي العقيق بئر عروة بن الزبير رضي الله عنه وهي من أغزر الآبار ماء وأعذبها وأحلاها وهي بئر شهيرة فيها أخبار وأشعار.

قال الزبير بن بكار رأيت الخرّاج من المدينة إلى مكة وغيرها ممن يمر بالعقيق يتخففون من الماء ويتزودونه من بئر عروة وإذا قدموا منها بماء يقدمون به على أهليهم يشربونه في منازلهم عن مقدمهم قال ورأيت أبي يأمر به فيغلى ثم يجعل في القوارير ويهديه إلى أمير المؤمنين هارون.

قال جابر الربعي فيها :

يعرضها الأتي من الناس أهله
 

 

ويجعلها زادا له حين يذهب
 

وقال السري بن عبد الرحمن الأنصاري :

كفنوني إن مت في درع أروى
 

 

واستقوا لي من بئر عروة مائي
 

سخنة في الشتاء باردة م
 

 

الصيف سراج في الليلة الظلماء
 

وأنشد عبد الرحمن لأم يوسف وهو في غاية العذوبة والسلاسة :

على ساكني بطن العقيق سلام
 

 

وان اشهروني بالفراق وقاموا
 

حظرتم علي النوم وهو محلل
 

 

وحللتم التعذيب وهو حرام
 

إذا بنتم عن حاجر وحجرتم
 

 

على السمع أن يدنو إليه كلام
 

فلا ميّلت ريح الصبا فرع بانة
 

 

ولا سجعت فوق الغصون حمام
 

 


 

ولا انفقعت فيه الرعود ولا بكى
 

 

على حافتيه بالعشيّ غمام
 

فما لي وما للربع قد بان أهله
 

 

وقد فرضت من ساكنيه خيام
 

ألا ليت شعري هل إلى الرمل عودة
 

 

وهل لي بتلك البانتين لمام
 

وهل نهلة من بئر عروة عذبة
 

 

أداوي بها قلبا براه أوام
 

ألا يا حمامات الأراك إليكم
 

 

فما لي في تغريدكن مرام
 

فوجدي وشوقي مسعد ومؤانس
 

 

ونوحي ودمعي مطرب ومدام
 

وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما اقطع الناس العقيق وقف في موضع بئر عروة بن الزبير التي عليها سقايته وهو يقطع الناس ويقول أين المستقطعون فنعم موضع الحفيرة فاستقطعه ذلك خوات بن جبير الأنصاري فاقطعه تلك الناحية فاشترى عروة موضع قصره وبياره بعد وقت صدقت فراسة عمر رضي الله عنه في هذه البئر كما هو شأنه في كل ما يفترسه فيه وللزبير بن بكار أن النبي صلى الله عليه وسلم اقطع بلال بن الحارث المزني العقيق ولم يعمل فيه شيئا وأن عمر رضي الله تعالى عنه قال له إن قويت على ما أعطاك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتمله فما اعتملت فهو لك فإن تعتمله أقطعته بين الناس ولم تحجره عليهم وفي رواية انظر ما أطقت أن تقوى عليه فامسكه وأردد إلينا ما بقي نقطعه فأبى بلال فترك عمر بيد بلال بعضه وأقطع ما بقي للناس ولما دنا عمر رضي الله عنه من موضع قصر عروة وقف في موضع بئر عروة إلى آخر ما تقدم انظر كلام السيد فقد أشبعه وسيل العقيق عند أهل المدينة من أعظم المتنزهات من سالف الدهر ولشعرائهم الأقدمين فيه أشعار كثيرة مذكورة في كتب الأدباء.

قال شيخنا أبو سالم إمام المرتحلين في زماننا وقد حضرت بالمدينة سيله ثلاث مرات فخرج الناس على طبقاتهم ونصبت الخيام والمضارب بحافتيه وطبخت


الأطعمة الكثيرة مع سرور ولهو وطرب وأقاموا به يوما أو يومين وقد سال مرة سيلا عظيما منع الرفاق الواردين من مكة للرجبية عن الوصول إليها إلا بعد مدة قال وقد حضرني أبيات ونحن على شاطئه مع جملة من أصحابنا أولها :

جرى العقيق ودمعي كالعقيق جرى
 

 

فلا تسل سائلي عما هناك جرى
 

الوجد أورى زنادا في الحشا فصلى
 

 

به الفؤاد فسال الدمع مبتدرا
 

اذكرني جريه جري السوابق في
 

 

بين الكتائب في الميدان متعجرا
 

وظله والنسيم في جوانبه
 

 

اطربني فسرى الأحزان حين سرى
 

أذكرني زمنا عند الذين بهم
 

 

أفاخر الشهب في وسط الدجى سحرا
 

قومي وأهلي ومن البست بينهم
 

 

شرخ الشباب نظيفا طيبا عطرا
 

ما استبدلت منهم نفس المشوق سوى
 

 

طيب مجاورة المختار من مضرا
 

أكرم بذا بدلاق فاز آخذه
 

 

لو أنه في الشراء أدفع العمرا
 

ومن جملتها هذه

سال العقيق ودمعي
 

 

سال كمثل العقيق
 

وسيله كالرحيق
 

 

وأدمعي كالحريق
 

فلا تلم يا عذولي
 

 

ولتسعدن يا رفيقي
 

ومنها وادي بطحان وهو الوادي المتوسط بيوت المدينة ودور الأنصار غالبها على حافتيه شرقا وغربا ولابن زبالة يأتي من الحالتين حالتي صعب على سبعة أميال من المدينة أو نحو ذلك ثم يصل إلى وادي جفاف شرقي مسجد قبا وأوله من الماجشونية ثم يمر كذلك إلى أن يمر غربي سور المدينة إلى طرف المصلى ثم يخرج إلى غربي سلع وقرب مساجد الفتح ثم يمر كذلك إلى أن يلتقي مع العقيق بالغابة حيث مجتمع الأسيال فقد روى البزار وابن أبي شيبة مرفوعا عن عائشة رضي الله تعالى عنها بطحان


على ترعة من ترع الجنة ويخرج الناس للتفرج فيه وعلى حافتيه منازل كثيرة لأهل المدينة قد جعلت لها شبابيك ومجالس إلى ناحية الوادي وعليه قنطرة كبيرة قرب المصلى وقلما يخلو أعلاه من ماء يسيل به نجلا يقوى إذا كثرت الأمطار ويقل إذا قلت.

ومنها وادي قناة وهو أعظم أودية المدينة سيلا فإن سيله يأتي من الأماكن البعيدة يروى أن تبع نزله فلما شخص منه قال هذه قناة الأرض فسمي به ويسمى أيضا بالشظاة. وفي القاموس أنه عند المدينة يسمى قناة ومن أعلى منها عند سد نار الحرة يسمى بالشظاة.

قال ابن أبي شيبة وادي قناة يأتي من وج أي وج الطائف ، وقال المدائني قناة واد يأتي من الطائف ويصب في الارحضية وقرارة الكدر ثم يأتي بئر معونة ثم يمر على طرف القدوم في أصول قبور الشهداء بأحد ثم ينتهي إلى مجتمع السيل بالزغابة.

وقال ابن ذبالة سيل قناة إذا استجمعت يأتي من الطائف وهو أحد فحول أودية العرب فيأتي من المشرق حتى يصل إلى السد الذي أحدثته نار الحرة بالمدينة وانقطع هذا الوادي بسببه ثم انخرق سنة تسعين وسبعمائة فجرى الوادي سنة على ما بين الجبلين وسنة أخرى دون ذلك ثم انخرق بعد السبعمائة فجرى سنة أو أزيد ثم انخرق سنة أربع وثلاثين وسبعمائة بعد تواتر الأمطار فجفر واديا آخر غير مجراه الذي هو على مشهد سيدنا حمزة قبليه وقبلي عينين وبقي المشهد وعينين في وسط السيل نحو أربعة أشهر لا يقدر أحد على الوصول إليهما إلا بمشقة وكان أهل المدينة يقفون على التل الذي خارج باب البقيع فيشاهدونه ولو زاد مقدار ذراع في الارتفاع وصل إلى المدينة ثم استقر في الوادي بين القبلي والشمالي قريبا من سنة وكشف عن عين قريبة قبلي الوادي جددها الأمير ودي ثم دثرت وهذا الوادي هو الذي ورد في الصحيح في استسقائه صلى الله عليه وسلم أنه سال شهرا وأهل المدينة يخرجون إلى موضع أعلاه


من ناحية المشرق وراء الحرة فيقيمون فيه الأسبوع وأكثر.

وقد ذكر السيد من جملة أودية المدينة وادي رانوناء كعاشوراء ووادي مذينب مصغر مذنب ووادي مهزور بفتح فسكون آخره راء وهذه الأودية كلها ترجع إلى بطحان.

قال الزبير بن بكار ثم يلتقي سيل العقيق ورانوناء واذاخر وذي صلب وذي ريش وبطحان ومعجب ومهزور وقناة بزغابة وسيول العوالي هذه تلتقي بعضها ببعض قبل أن تلتقي بالعقيق ثم تجتمع فيلتقي العقيق بزغابة عند أرض سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وذلك عند أعلى وادي أضم سمي به لانضمام السيول واجتماعها به.

قال الزبير ثم تمضي هذه السيول فتنحدر على عين أبي زياد والصورين في أدنى الغابة ثم يتلقاها وادي نظما ووادي نعمان أسفل عين أبي زياد ثم تنحدر وتلقى وادي ملل بذي خشب وظلم والجنينة ويلقاها من الغرب بواط والخرار ومن المشرق ذراوان ثم الأئمة ثم يلقاها وادي رمة من الشام ووادي برعة من القبلة ثم يلتقي هو ووادي العيص من القبلة ثم يلقاه وادي احجر ووادي الجزل الذي به السقيا والرحبة في نخيل ذي المروة ثم عمود في أسفل ذي المروة ثم يلقاه واد يقال له سفان حين يمضي إلى البحر عند جبل يقال له أزاك ثم يدفع في البحر من ثلاثة أمكنة يقال لها اليعبوب والنبجة وخفيف.

قال السيد وذكرنا في الأصل ما في كلام المطري من المخالفة لما ذكر وأن مصبه في البحر من ناحية اكرى في طريق المصري.

قلت وهو الوادي المسمى اليوم بالاكره على ألسنة الحجاج شرقي الوجه بينه


وبين الوجه مرحلة (1).

تتمة فلما لاح لنا لائح الافتراق ، وانقدح زناد الاشتياق ، تحركت الأحشاء ، وذابت الأكباد وانهمرت العيون بالبكاء ، وأصابت النفس العبرة فكادت ان تزهق الروح من شدة ما أصابها من ألم الفراق واضطرم القلب وانحراق من قوة ما وجد من عذاب البين ومفارقة الصديق الأمين صلى الله عليه وسلم فلم يوجد زمان أحلى وأعذب من زمان الوصول إليه ومشاهدة حضرته والتلذذ في محاسن روضته ولا أشهى من الوقوف بين يديه.

نعم ولا أصعب من يوم فراق دائرته وقد انغم القلب حزنا بل أعتل بعلة لا يعلمها إلا من وردت منه وخلقها عند قرب مفارقته فحرارة الجسم كادت أن لا تبرد وقلق القلب قد قوي وضل وهام فعز أن لا يهتدي.

وبالجملة فأمراض البين لا يعلمها إلا من شارك في هذا السبب وهو الذي أصابه ما أصابنا فعند ذلك ينتقي عند اللوم فلا مصيبة أعظم من هذه الآفات فأنا حيران وولهان ، بكثرة الهموم والأحزان ، وضرورة عند مفارقة الأحباب والخلان ، نعم لما دنا وقرب السفر من المدينة المشرقة ظهر لي ترك السفر والرجوع في ذلك إلى الوطن ليزول عن الاشتياق بمجاورته صلى الله عليه وسلم فعزمت على المجاورة وسألت أولاد الفاضل الكامل ذي الحب والود في الله أولاد الشيخ الجملي إذ كان الشيخ صديقا لنا في الحجة الثانية عن المنزل أسكن فيه فقالوا نعم وفرحوا بذلك وسروا سرورا عظيما فذهبت لخيمتنا فأعلمت أهل الدار بذلك أعني النساء وقد أصابهن مرض شديد كاد بعضهن أن تصل إلى السياق وهي الحرة الجليلة الكريمة

__________________

(1) في نسختين ما نصه سقطت هنا ورقة ولم ينبه عن ذلك في غيرهما.


الطيبة النخبة الشريفة المتطلبة فإنها تقرأ نحو الربع وتحفظ بعض الأذكار كوظيفة الشيخ زروق وكانت تحفظ الصغرى للشيخ السنوسي وكذا بعض الرسالة لابن أبي زيد حاصله في غاية الأدب والفهم والفطانة بنت الشيخ الفقيه النزيه الفاضل الكامل صاحب الفضائل والفواضل الشريف تحقيقا سيدي عبد الله بن رحاب من أولاد الشيخ سيدي رحاب المتوطن في أولاد دراج ومحلهم الولجة فوق قمر تحت جبل بو طالب مشهور عند الناس من غير التباس وقد حج معنا فلما أشرفت على الموت وجدت عذار عند الحجاج إذ لا يستطيعون مفارقتي واسمها عويشة وكذا أختها فاطمة زوج ابني والأخرى زوجتي بنت الشيخ الفاضل المحقق المتكلم العالم الصالح خطيب وقته وفريد عصره لا سيما في أصول الكلام سيدي المسعود بن عبد الرحمن جدها من قبل أبيها وهو منسوب للشيخ أبي محمد صالح الدكالي المعلوم في الكتب الذي أخذ عن الشيخ أبي مدين وعن الشيخ سيدي عبد القادر في القرن السادس ومحله بنو عيدل بلد الشيخ القطب سيدي يحيى صاحب الوظيفة المشهورة في وطنه وقد شرحتها والحمد لله وهو شيخ الشيوخ رزوق وقد قيل انه هو الذي ملكه مشارق الأرض ومغاربها نفعنا الله بهم وأفاض علينا من بركاتهم.

نعم لما ظهر ذلك عند الركب اجتمعوا ونادوا بالويل فقالوا والله أن أقام أقام جميعنا فلما رأيت شدة اتصالهم بنا وكثرة عويلهم علينا وقالوا إن خصه ما يوصله جمعنا له ما يبلغه إلى وطنه بل ما يغنيه علما منهم بأن الذي حملني على الإقامة قلة الزاد لا سيما وان الشيالة أعني أصحاب الإبل هربوا لي فقلت والله لا أقبل درهما من أحد إذ لا أحمل المنة وغاية أمري أقبل السلف لأني ملي في بلدي وعند ذلك ذهب سيدي عبد الله بن رحاب وسيدي أحمد بن حمود وكاتب الحاج ابن فانة شيخ العرب الذي هو محبنا سي عيسى فاشتروا لي ثلاثة جمال لحمل الأهل وعند ذلك ظعن الركب المصري والمغربي فتأخرنا عنهم لشراء حوائج الإبل وعلفهم لأن أبني محمد ذهب لذلك مع


ابن عمنا سيدي عيسى الشريف فلم يبق إلا خيمتنا فرفعناها وركب الأهل لأنهم ودعوا النبي صلى الله عليه وسلم ليلا فلما انفصلوا في آخر الركب خفنا عليهم غير أن الله حفظهم وأنا بعض الأصحاب منتظرون ولدي وحين وصوله إلينا ذهبت لأودعه صلى الله عليه وسلم مع من كان معي من الحجاج فدخلت مسجده صلى الله عليه وسلم وقصدت قبره الشريف وعلتي قد زادت فلم أجد لها درياقا سوى الصبر.

نعم لم يبق مودع إلا المعظم المكرم الشريف الفلالي أمير الركب منها فوقفت بعض وقوف عند قبره ثم أني دخلت إلى الشيخ الصفي الودود النقي ذي الأحوال الصادقة والأنفاس الطيبة والأعمال الزكية والمواجد الإلهية والمعارف الربانية والعلوم اللدينة صاحب الأوراد والمريدين الشيخ السمان القرشي المدني إذ داره عند باب البقيع فوجدت الود الصدوق والخل الفاروق سيدي محمد الشريف الطرابلسي مع بعض أصحابه فأطعمنا خبزا ولحما وما أحسنه من طعام فلم أذق طعاما مثله ثم ودعناه عند ذلك توديعا تاما قويا إذ نظر إلينا نظر رحمة علمنا منه أنه سقانا بتلك النظرة إذ وجدت أثارها في الحين ثم أوصاني بشرح الصلاة المنسوبة إليه وهي صلاة عظيمة (1) تكاد أن تكون كصلاة الشيخ عبد السلام بن مشيش فعلمت أن الشيخ لا حظني بخاطره وإن كنت لست أهلا لشرحها ففتح الله بعلوم لا تكاد توجد في عصرنا ولا غرابة في ذلك وعند انفصالنا من داره رجعنا إلى توديعه صلى الله عليه وسلم وعظم علي أمر التوديع حتى علا صوتي وارتفع وكاد أمري إلى العويل بل أنوح عليه نياح الثكلى العديمة لولدها وكيف لا وهو أن فراقه أعظم المصائب ولم انفصل عنه إلا بصبر عظيم وهول جسيم وحزن شديد فلم أملك نفسي عند ذلك فعظمت المصيبة وعز الصبر غير أن تسليت بانتقاله من دار الدنيا وفراق أصحابه ثم خرجنا منه على أصلح حال ومنة

__________________

(1) في ثلاث نسخ غميضة.


عظيمة مع ما كان في القلب من مرض البين وحرقه واضطرام الفؤاد بسببه مسرعين في أزقة المدينة إلى أن خرجنا من الباب الذي يخرج منه الحجاج وإذا بالناس منها يقولون أن العرب يضرونكم ويؤذونكم لا سيما أني تخلفت منتظرا لحمل القول على الجمل فركب ولدي وكذا سيدي عيسى المذكور ثم لحقت بالأخ في الله سيدي محمد المحفوظي يريد المجاورة والإقامة بها فألجحت عليه بالذهاب فامتنع فزجرته وقلت له تترك زوجتك خالية عن الزوج فأجابني بأني بعثت لها ما تنفقه حتى أرجع وان اختارت التزويج فلها ذلك وكذا البقاء ثم قهرته على المشي معنا فقال أعاهدك أني أقدم بعدكم من الينبع إلى الصعيد وإلى مصر فلم أقبل منه بل ذهب معي إلى أبيار علي ثم فر من هناك إلى الآن والحالة خرجنا منها مع الخوف والحرامية يتبعون وراءنا إلى أن وصلنا إلى الركب.

وبالجملة فأنا أقول في ذلك كقول شيخنا المذكور وأتمثل به ما نصه ولقد أحسن القائل :

ما اشتفت علتي وهذا فراقي
 

 

قد تحققته بسير رفاق ي
 

هذه مهجتي تذوب دموعا
 

 

فانظروها تسيل من آماق ي
 

كبدي تلظي وعيني تهمي
 

 

هكذا فليكن بديع الطباق
 

يا رسولا لنا أتى بكتاب
 

 

لم تعارض آياته باتفاق
 

والكريم المعراج والبرق خلاني
 

 

طريحا إذ سار فوق البراق
 

والذي اقتص من قلوب غلاظ
 

 

أبت الحق بالسيوف الرفاق
 

يا مزيل الغماء أن جل خطب
 

 

يا شفيع العصاة يوم التلاق ي
 

آن عن قبرك الشريف انصرافي
 

 

وانصرامي وما شفيت اشتياق ي
 

ولئن كنت قد بللت غرامي
 

 

بالتثام الثرى فعندي بواق
 

 


 

وقفة بي تجاه حجرتك الغمراء
 

 

سارت ممالك الآفاق
 

اتمنى أني بها أتملّى
 

 

في محل خلاه لي خلّاق ي
 

موقف لذّلي خضوعيّ فيه
 

 

حين أطرا تأدّبي أطواق ي
 

وتلذذت فيه حين تذللت
 

 

ونلت الأفراد بالأرفاق
 

معدن الخير مهبط الوحي مثوى
 

 

خير هادي الورى على الإطلاق
 

كيف أسري من طيبة لسواها
 

 

وهي عندي حديقة الأحداق
 

آه وا لوعتي أفارق منها
 

 

مثل هاذي الأنوار والأشراق
 

أنا عبد قد اثقلتني ذنوبي
 

 

لم يلق بي إلا إليها أباق ي
 

أترى يسمح الزمان بعودي
 

 

فالأماني علالة المشتاق
 

لا يكن ذا الوقوف آخر عهدي
 

 

بك يا منبع الهدى الدفّاق
 

فالكريم الوهاب ذو الفضل حي
 

 

والذي عنده من الجود باق
 

ثم أني سرت مع بعض الأصحاب ، والدموع في الأماق أي انسكاب ، ومشينا وزاد التصبر ينهب ، والقلق قد أطنب ، في توقده أسهب ، إلى أن قال وينشد :

لما ترحل ركبنا عن طيبة
 

 

ووجدت عندي للرحيل محركا
 

أودعت في الحرم الشريف حشاشتي
 

 

ورجعت لا أدري الطريق من البكا
 

قلت وأما نحن فقد انفصلنا بين الظهر والعصر وفقد كل واحد منا الأصطبار ، وزال منا أيضا الاختيار ، لأن العبد مجبور في قالب مختار ، وإلا فكيف يفارق الخيار.

نعم الأرواح باقية في عوالم الأسرار ، فلو لا ذلك لانتقلت من الجسوم بالدثار ، ولما نزلنا أبيار علي إذ هي أول منزلة بعد فراق المدينة الشريفة ، وفارقنا تلك المعاهد التي على الكواكب منيفة ، رأيت مكانه على الركب وأهله خمول خمود ، وعلى مطيهم


وجمالهم حمول جمود ، ذاقه هذا من ذاقه ، وتحققه من لقلبه بعد الإيمان أدنى علاقة.

يا ليلى ما جئتكم زائرا
 

 

إلا وجدت الأرض تطوى لي
 

ولا انثنى عزمي عن بابكم
 

 

الا تعثرت باذيالي
 

ثم بتنا تلك الليلة وافترقنا عند المغرب لإتيان ما تتعشى به الإبل فصلينا المغرب في تلك البساتين إلى العشاء فرجعنا إلى الأخبية وبتنا خير مبيت إلى طلوع الفجر ظعنا وأعقل الركب المطايا ، واستخرج خبايا شوقه لأهله من حنايا الزوايا ، فسرنا مع العافية والسلامة من كل مكروه والحالة أني راكب على بغلتي مع من ركب على البغال من أصحابنا في شوق ووجد وحرق ونحن كذلك إلى أن وصلنا والله أعلم قبور الشهداء بين الظهر والعصر والركب المصري نازل هناك إذ سبق من المدينة ونحن ركب الجزائر وراءه وإن كان عادة المغربي السبق في الإياب وإنما سبقناه عند الينبع ثم خلفنا تلك المنزلة وسبقنا وتركنا الركب المصري هناك إلى أن تجاوزنا العشاء الأخيرة فنزلا في الوادي ثم أن الركب المصري سبقنا في الليل وأصبح في الصفراء وقد بتنا هناك في عافية ثم بكرنا قبل طلوع الفجر ووصلنا الصفراء عند الزوال ونزلنا وراء المصري لتعذر المرور في وسطه من شدة الضيق فبتنا هناك خير مبيت واستقينا من العين الكبيرة ورجعنا إلى خيامنا وبين هذه المنزلة وقبور الشهداء مسجد الغزالة وقد زرناه مرارا والحمد لله.

ثم أقام الركب المصري فيها إلى قرب الظهر ثم ارتحل المصري وارتحلنا بعده بعد الظهر وما ذكرناه من النزول وراء الركب بل نزلنا تحت القرية في القيلولة ثم ان الشيال الذي اكترينا عليه من مكة الذي هرب لنا ببعض الجمال وترك البعض في يدينا ولم يعتبره لشدة غلاء الفول وحصلت لنا مشقة عظيمة وكربة قوية إذ طلبناه في بدر عند الأمير فلم يتفق لنا الاستواء معه لكثرة فجوره وتحيله فاختفى في المصري فرارا مما


يلزمهم منا شرعا ثم اشتكيت لأمير مصر حاله حين نزلنا الصفراء فوعدني بالاستخلاص منه عند المدينة ولما وصلنا المدينة ذهبت إليه فأمرنا إلى كيخة الصوان (1) إذ هو الذي يحكم بين العرب وغيرهم فأمرني بترك الثلث من الكراء فلم أرض إلا بالربع فاختفى عند ذلك أيضا فلما شكوت له المرة بعد المرة أمرني بالذهاب إلى آغة عسكر المغربي فأمرني بترك الثلث أيضا وظننت فيه وفيمن سبق عدم نصحي فلم يكن الأمر كذلك بل نصحاني جازاهما الله خيرا ولما امتنعت هرب واختفى ولم أجد له خبرا إلا عند الصفراء فوجدته مارا ومسكته عند الظهر فضاقت حيلته ولم يجد سبيلا وأتى أهله لتسريحه فامتنعت من أطلاقه حتى آخذ ما أعطيت له وهو تسعون ريالا بوطاقة ولما حان وقت الظهر ذهبت للصلاة وخفت أن يهرب وتركته في خيمة الفاضل الكامل سيدي عبد الرحمن بن قري وأصحابه الحاج محمود والحاج بلقاسم بن دحمان اليعلاوي مسكوه فلما قاموا إلى الصلاة تركوه في يد شيال آخر فهرب منه فتبعه فاختفى فلم يلق له أثر واختفى في الركب المصري فأدرت أن أغرم الذي تفلت من يده ظنا مني انه هو الذي أفلته فأصابتني شفقة عليه حين رأيته يبكي ويحلف أنه ما تفلت منه اختيارا ثم لما ارتحل الركب المصري ولم يبق منه أحد وتبعه المغربي ولم يبق منه شخص وبقي العبد وابنه وتخلفنا لكثرة الدبش وقلة الأصحاب إذ منهم مريض ومن لا يستطيع الخدمة مع ضعف النساء ومرضهن فاحتجنا لكثرة اليد غير أن الله تبارك وتعالى عصمنا من تكشيط العرب وسبلهم لنا إذ كل من مر منهم يقول لنا شيلوا بسرعة واحفظوا أنفسكم.

ولما انفصل المرحول من مدشر الصفراء تخلفت مع بعض الناس من الركب الفلاللي وقع بهم ما وقع بنا من التخلف غير أن المراحل شبقت ووصلت إلى الركب

__________________

(1) في ثلاث نسخ السيوان وفي نسخة الصيوان.


وتخلفت مع هذه الرفقة فبعضهم يمشي على الرجل وبعضهم على البغال وقد صحبوا السلاح والبنادق فلم يصبنا خوف ولا روع ونحن في جماعة من العرب في أطراف القرية فلم تقع لهم عين سوء علينا بل فرحوا بنا فرحا شديدا فمنهم من يطلب الدعاء ومنهم من يقول لا تخافوا فلا بأس عليكم ولا ضرر لديكم وشيعونا إلى أن برزنا عن بساتين العمارة وأرونا الطريق التي نسبق فيها الركب أحسن الله إليهم وأجزل لهم الثواب فمشينا سويعة من الزمان وإذا الركب قد سبقنا الأكثر منه فافترقنا لما دخلنا وسطه إذ كل ذهب إلى رحله فكنت أنا أطلب رحلنا فلم يتبين لي غير أني وجدت رحل الفاضل الأديب الود الصدوق الخل الفاروق سيدي محمد بن القاضي الملقب أبا وغثوش (1) أمير زواوة راكبا في محفة مريضا مرض الإسهال فلما وقع بصره علي فرح بي ورحب وضحك وسألته عن مرضه وحاله فأخبرني بأنه أشتد مرضه في المدينة وبعد خروجه منها ثم كذلك استمر عليه الحال بعد أن عزم أن يقيم بالمدينة المشرفة لظنه الموت فضيق عليه بعض الأصحاب بأن أمره بالعزم على السفر لعل الشفاء يحصل فخرج راجيا ذلك ومنتظرا ما هنالك فقلت له لا يكون معك إلا الخير والعافية إن شاء الله فقال متأسفا لا أظن السلامة أو كلاما يقرب منه فعاودته الدعاء بالبرء.

ثم قال احكي لك رؤيا أني رأيتها فقلت له وما هي (2) فقال أني رأيته صلى الله عليه وسلم وكنت أسأله الشفاعة أو كلاما هذا معناه وأعيد له ذلك المرة بعد المرة حتى قال لي أني شفعت فيك أو (3) أنك مغفور لك أو (4) لا تخف مما هو حاصل هذا المعنى فسرني

__________________

(1) في نسخة وعشوش وفي أخرى وعثوش.

(2) في ثلاث نسخ وما هذه.

(3) في نسخة و.

(4) في نسخة و.


ما رأى وطمعت في البرء له بيد أني لما أخبرني بأنه صلى الله عليه وسلم بشره (1) بالمغفرة خلت موته ثم أني صحبته كذلك راكبا على بغلتي وهو راكب على جمله إلى بعيد المغرب وأتى علي (2) وقته فارقته ثم نحن كذلك نسير إلى العشاء بعدها بسويعات وزمان نزلنا قرب الاستشراف على المضيق قرب الجبل إذ لا يمكن سيره لصعوبة الطريق وكثرة الأحجار وضيقه بين الجبال فليشكر الله من خرج منه على عافية وسلامة وطيب وقت في نفسه ومع ذلك تكثر فيه فساق الغرب ومحاربوهم قل أن يخرج الركب سالمين منهم فبتنا فيه خير مبيت فلما قرب الصباح ظعنا منه ووصلنا المضيق الوعر والركب المصري قرب وصوله موضع النزول فسرنا في ذلك الوعر رويدا رويدا وخرجنا منه على سلامة وعافية ومع ذلك دارت العرب ببنادقها مع ضرب البارود في أطراف الركب فعلي النداء والصياح فانحجم أول أول الركب وربضوا (3) إلى أن وصل سلطان فزان في تخته مع أصحابه فسلم الحجاج وركبنا والحمد لله نعم كل من مر على هذا المضيق قل أن يسلم من المحاربين.

فلما اجتمع الركب سرنا على بركة الله وحسن عونه إلى أن بلغنا المنزلة التي بعد نقب علي وهي مشهورة ولما أن استقر بنا القرار في يوم حلا لا قر وفي تلك المنزلة شجر كثير وفيها بئر عظيمة بعث لنا الفاضل سيدي محمد السابق ذكره وهو ابن القاضي أنا والمحب في الله سيدي أحمد بن حمود وسيدي احمد الطيب لكونه أشرف على الموت فأوصى الجميع على حوائجه وحسبنا ماله وعلمنا به أين كان والحافظ له سيدي احمد بن حمود اد بيّنه (4) هو وقد وصيناه أيضا لأنه هو الذي يصون أموالنا وعند الظهر

__________________

(1) في ثلاث نسخ بشرني.

(2) في ثلاث نسخ وتاغل.

(3) في ثلاث نسخ ريضوا.

(4) كذا في ثلاث نسخ وفي واحدة نوبه.


أخذت الناس في الرحيل والتأهب للسفر فصلينا الظهر وعند ذلك ظعنا منه على أتم حال وأبركه فتقدم المصري وتأخر المغربي من حيث هو فانفصل الجميع عن المنزلة نعم تخلفنا آخر الركب حسبما عادتي أنا وسيدي أحمد الطيب وسيدي محمد الشريف الطرابلسي صونا للذي يتأخر من ضعفاء الحجاج ممن ليس له مركوب كالدراوشة فربما يقع لهم الضعف فيكون جميعنا في عونه فسرنا آخر الركب رويدا رويدا إلى أن صلينا المغرب ثم كذلك إلى أن صلينا العشاء ثم كذلك إلى أن سرنا سويعة بعدها فاخبرونا بموت أن القاضي المذكور فاجتمعنا لتجهيزه ليلا وهي مقمرة فنزل الركب ذلك الوقت فحفرنا له وكفناه وصلينا عليه أي جميع من كان من الفضلاء في الركب وعلمنا قبره وهو بين تلك المرحلة ومنزلة الينبع وأصابنا بموته مصيبة عظيمة لم أنسها إلى الآن لأن ظننا أن يرجع إلى بيته سالما ينتفع به العامة والخاصة غير أنه لما تاب وقبلت توبته مات بمرض البطن فهو شهيد وفي طريق الحج وانه غريب فكل واحد من هذه الثلاثة تقتضي الشهادة لأن الشهداء غير شهداء القتل معدودون وقد حصر عدهم الشيخ اليوسي في حاشيته على كبرى السنوسي ولقد أجاد في ذلك وما ظننت أحدا أنه ذكرهم كذلك فأنظره وكذا الشيخ إبراهيم الشبراخيتي في الجنائز في شرحه لمختصر خليل ثم ارتحلنا آخر الليل وظعنا من ذلك المحل وتبعنا المصري وعند صلاة الصبح أشرفنا على الغيضة الملتفة بشجر أم غيلان القريبة من الينبع فإذا أنا في التغليس بعد صلاة الصبح جماعة وما فاتتني ركعة والله اعلم في جماعة منذ خروجنا من بلادنا إلى أن رجعنا إلى بيوتنا وذلك مع الفضلاء في أكثر الأوقات والحمد لله وإذا برجل أتاني على رجليه زي الأعراب غير انه ليس عليه آثار السفر تشم منه رائحة الولاية فلما دنا مني أصابني منه الرعب والفزع ومع ذلك أسير مع أصحابي الفضلاء الذين أسير معهم على العادة المألوفة والحالة أني مشتغل في ذلك الوقت بالوظائف والأذكار الواردة بعد صلاة الصبح نعم أخذتني شبه سنة وأنا راكب على بغلتي متفكر في أمر الجمال التي


تركها الشيال في يدي بأن أسلمها أهلها فصعب علي شراء الفول وكذا القيام بها إذ شغلني أمرها أتم شغل بل تشوش خاطري غاية فلم أجد مسلكا من ذلك فكلما أمشي إلى الظلام وأرباب الدولة إلا ظننت انه ذهب ديني بل قال لي العارف بالله سيدي محمد الشريف الأخ المذكور لما ذهب مرة معي في شأن ذلك وأصابه من الجلوس بين يدي الملك ما أصابني فقال لي سلم في هذا الأمر وأتركه لله فأخذ ذلك الكلام بمجامع قلبي فكنت أسأل الله الخلاص منهم ولو بالموت أي موتهم نعم قلبي متعلق بذلك الرجل إلا أنه استولت هيبته وجلالته علي فلم استطع كلامه وأنا أسير وهو يسير معي ملاصقا ركبتي أظنها اليسرى فلما تمكن منه قلبي وملأت عيني من نظره من غير نطق مني إجلالا وتعظيما له علما مني أنه أحد أصحاب الوقت إذ يعلوه نور ونحن كذلك فإذا هو دفع لي مسواقا رقيقا يساق به مثل البغلة لراكبها كأنه عود الأراك أو من الريحان فلم أميزه لما فيه من اليبس فلما وصل إلى يدي شممت منه رائحة المسك بل أقوى رائحة وتلك الرائحة لا نظير لها كافورا أو عنبرا أو زبدا أو مسكا فهو أي ذلك العود يعبق شذاؤه وبلغت تلك الرائحة جميع جسدي فذاقها الجميع مني ذوقا معتبرا وعند مده ذلك العود فارقني بان قال لي خذ هذا ففهمت أن الله فرج عني إذ منذ دخلت مكة وأنا في كرب إلى الوقت الذي لقيني فيه ذلك الرجل الكامل فزال عني كل ذلك ببركته فعلمت أنه ما جاء (1) إلا إغاثة لي ثم أني أخذت ذلك العود في يدي مستحسنا لتلك الرائحة ومتعجبا منها ومنتظرا الخلاص من تلك الجمال فاستصحبته معي إلى أن نزلنا الينبع وأقمنا به ونزلنا قرب العين في عافية وسلامة فوجدنا كل خير في سوقه مع رخاء الأسعار والحمد لله.

وبعد ذلك اليوم بعت تلك الجمال دينا إلى أن وصلنا إلى مصر فسرني بيعها لأنها

__________________

(1) في نسخة فعلمت أن الله ما جاء به.


نعمة عظيمة وكأني بعدها متجرد فلم يشغلني شيء ولا همني أمر سوى ما أحمل عليه شئوننا وحوائجنا فطلبت الكراء فلم أجده فنويت الإقامة في الينبع بأهلي إذ ذهبت إلى شيخ الركب ليلا ليمهل بالرحيل من الينبع إلى طلوع الشمس ولعلنا نجد ما نحمل عليه بالبيع أو الكراء فرضي هو بالإمهال فلما سمع أكثر الركب بانتظاره أيانا تحزبوا أحزابا إليه وحركوه إلى السفر ليلا قاصدين سبق المصري إحياء لعادة الركب المغربي لأنه يتقدم في الرجعة فاجمعوا على ذلك ولو أداهم إلى القتال زعما منهم أنهم يستطيعون محاربته وذلك سخافة عقل وتصرف ببضاعة وهم وإن سلّمنا تأتّي الحرب منهم فلا نسلم دخولهم مصر إذ فيها أربعة وعشرون بابا وفوقهم الباشا الذي يأتي من مدينة أصطنبول كل عام ما استوفى أحد عامه إلا ذهب وأتى غيره مع القاضي وذلك دأبهم فالعسكر المصري الذي يذهب مع الأمير وقوته غير موجودة في عساكر (1) ما رأيناه وإن ركبنا المغربي من إسكندرية إلى أقصى المغرب ركب واحد إلا الركب الفاسي فانه يذهب في وسط المصري يمشي ليلا وأما المغربي فبالنهار نعم ما طلع ركب من المغرب قط أقوى من ركبنا ذلك العام وقد تعجبوا منه في مصر وفي طرابلس وقالوا فيهما أن هذه الإبل التي كانت في ركبكم لم تكن مولدة من النوق وإنما هي مجتمعة من الحطب أو الرمل حتى صارت في مصر كالمعز فلا تجد أحدا يسأل عنها لكثرتها وقد عم بيعها أرياف مصر وأطرافها من العرب وأكثرها بيع بالدين إلى الرجعة ولم يقتضوا من دراهمها إلا القليل.

نعم وافق الشيخ رأيهم فسافر معهم فبقيت أنا وأهل بلادي ممن شغله أمري بان تخلف معي كسيدي أحمد الطيب وجملة زوارة وسيدي أحمد بن حمود وجملة أهل بلادنا وسيدي محمد الشريف الطرابلسي وأصحابه وسلطان فزان وركبه إلى طلوع الشمس

__________________

(1) في نسخة زيادة غيره.


على أن شيخ سيدي محمد المسعود نجل الشيخ البركة سيدي محمد الحاج الدكالي المعلوم بعث لي جملا في الليل أحمل عليه جازاه الله خير ووقاه ضرا وجعل البركة في أولاده أعانني به فلما أصبح الله بخير الصباح وقع بيننا وبين ركب فزان شنآن لأن أهل وطننا فيهم الجفاء والغلظة وسوء الأدب وعدم أذعانهم للحكم وسلطان فزان رجل عدل قائم بالأحكام لا سيما أمور السياسة فثقل عليهم المشي جميعا وربما صرحوا بالقول لما يجدونه مما ذكرناه في أهل وطننا ومع ذلك فيه رغبة لصحبة الفضلاء منا فلم يكترث بما وقع من سوء الأدب من أصحابنا مع أصحابهم.

وأما الركب الجزائري فلا حكم عندهم أصلا ولا يقفون عند الأمر والنهي لا سيما أهل عامر فما فارقهم أحد في هواهم ألا أبغضوه وجعلوه عدوا وقد أصابتني منهم عداوة عظيمة من أجل أني آمرهم بالسنة والقيام بالأحكام الشرعية لا سيما السير بسيري الشيخ والنزول بنزوله وستر نسائهم لأنهن يذهبن مكشوفات العورات فيبدين زينتهن لكل الناس بل يتزين لأجل ذلك ليرعن من فتن بهن فأردت إقامة الحد عليهن وعلى أزواجهن فصارت لي فتنة عظيمة غير أني من عاداني منهم ببركة السنة لم يرجع إلى بيته فأظهر الله أمري فتطيروا وتشاءموا بعد ذلك وتاب من بقي منهم بعد أن هلك من هلك منهم والحمد لله على إظهار السنة النبوية وقد قال تعالى : (تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ) الآية وقال أيضا : (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) وقد قال تعالى في مثل أهل عامر ممن يريد الوصول إلى الله بالدعاوي الكاذبة والزخارف البينة والأباطيل المزينة (يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ) وقال أيضا في شأن مثلهم : (وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) وقال أيضا : (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) وقد سمعنا أن بعض الفاسقات ممن يزعم الأحوال الربانية والمواجد الإلهية ممن استولى الشيطان عليهن وسولت أنفسهن لهن تتعرض بنفسها للرجال وتزعم أن من لم يوافقها في غرضها الفاسد ابتلي بمصيبة بل


قد تقول إن لم توافقني في غرضي أصابك كذا وكذا بان تعينه فيصير ذلك ويظن الجاهل المغرور المخدوع المخذول الشقي والعياذ بالله تعالى إن ذلك أمر رباني وكرامة منه تعالى لها وما هو إلا استدراج وقد قال تعالى : (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) أي نأخذهم (1) إن كيدي قوي تحقيقا أنه إذا أخذ الظالم لم يفلته طرفة عين وقد سمعنا مثل هذا ممن يوثق به وكثير من الناس يحكيه فمنهم من يؤمن به ومنهم من يكفر به وأما التزين بالملابس الفاخرة والكحل والجوز استياكا والخضب بالحناء ولبس الحلي من الفضة وغيرها مع المشي في الأسواق واجتماع الشبان معهن ومن لا خير فيه والله يقول افعز عليه الصبر ، وأحنى (2) عليه الكبر ، فعظمت مصيبة فأمر مشهور لا يكاد يخفى على أوباش العامة فضلا عن الخاصة أما الجهال فيعتقدون أن ذلك من الدين معاذ الله ويأبى الله أن يكون ذلك دينا أو يكون الوصول إلى الله بحرام والحمد لله على عدم مسخهم أو يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم كسفا من السماء أي قطعة منها ويدلك على ذلك أنه تتجافى أنفسهم عن مخالطة أهل العلم ومباعدتهم إياهم فجمحت عن الاجتماع بهم فضلا عن الامتثال لأوامرهم واجتناب نواهيهم والله يقول : (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) الآية.

وأما العلماء ممن فيه رائحة خير وحسن اعتقاد يقول فيمن هذا شأنه إذا اجتمع معهم ورأى المخالفة منهم أنهم من أهل التخريق والتلبيس عن أنفسهم إظهارا منهم للقبيح وإخفاء للحسن كما يحكى ذلك عن بعض الصديقين ممن سلف من أولياء الله تعالى فحشاهم أن يكونوا كذلك بل همه زنادقة خلته أنهم أباحوا المحرمات فقد تطبعوا بطبائع المرجية لأنهم يعتقدون أن لا آثم مع الإيمان فهذا أمر لا يليق بالعلماء بل

__________________

(1) في ثلاث نسخ نؤخرهم.

(2) في ثلاث نسخ وحن.


يجب عليهم زجرهم والنكر عليهم ما استطاعوا لقوله صلى الله عليه وسلم إذا رأى العالم بدعة ولم يغيرها فعليه لعنة الله أو كما قال وقد قال تعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) الآية والعلماء خيار من خيار وأمته صلى الله عليه وسلم خير الأمم والعلماء هم خيار الأمة ولذا كانوا خيارا من خيار.

وأما السلاطين فيجب عليهم النكير والتغيير باليد إذ وظيفة العالم اللسان ووظيفة السلطان اليد لكن لما سكت العلماء زاد الناس في البدع واتسع الخرق على الرافع.

نعم فإن من يقتدى به من أهل العصر ممن ينسب إلى العلم بل إلى الصلاح يجلس معهن ويظهر للناس ودهن ويعلم الناس أنهن صالحات قانتات يعني اللاتي ذكرهن في القرآن العظيم بل يزعمون أنهن من أهل الحضرة في اعتقادهم وبعضهن في غاية الجمال والحسن فيخاف على نفسه من زارهن من غير شك ومع ذلك تبقى هذه المزورة مكشوفة البدن بل تظهر محاسنها للشبان ومن لا خير فيه بل قصد أكثر الناس الغرض الفاسد أن وصل إليه حتى صار بعضهن مرصادا للزيارة فلما أتاني بعضهن لام علي من حيث أن أفضل العلماء خالطهن ليلا ونهارا وأظهر صلاحهن في مجالس العامة والخاصة وكيف بك يا قليل النية ويا كثير الحيلة أن لا تأتي إلينا وتكون معنا فقلت لهن لا يحل لكن الاجتماع بالأجانب والاختلاء بهم لقوله صلى الله عليه وسلم ما اختلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما وقال أيضا باعدوا بين أنفاس النساء وأنفاس الرجال وقال أيضا لو كان عرق الرجل في المشرق وعرق المرأة في المغرب أو العكس لتحانّا قلن في الجواب القلوب مع الله فلا علينا من الصور الظاهرة لقوله صلى الله عليه وسلم أن الله لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم فقلت لهن فإن لم يكن


لكن فتنة كانت الفتنة لمن أجتمع معكن فقالوا اللهم أهلكه وهذا كله ليس من السنة فأوصاف من هذا شأنه لا تعد ولا تحصى ولا تضبط ولا تستقصى فيجب أن نثني القلم إلى ما كنا بصدده وهو انه لم أصبح الله بخير الصباح رفع سيدي أحمد الطيب وسيدي أحمد بن حمود وأصحاب الجميع بل ظعن الجميع ممن كان في وطننا وأخذ في السفر والركب الفزاني لم يتحرك من موضعه يريد أن يضحي النهار ليقضي كل واحد حاجته من سوق الينبع فلم يذهبوا مع ركبنا الجزائري [ولا بقينا مع الفزاني ولا مع المصري بل انفردنا وحدنا فظعنا عند طلوع الشمس وانفصلنا وتخلف إخواننا في الله سيدي محمد الشريف وأصحابه مع الفزاني لأنه لا يليق به الجزائري](1) لما فيهم من الغلظة وسوء الأدب فلما غبنا عن الأركاب استقللنا أنفسنا ثم اجتمعنا وتقوى (2) بعضنا ببعض فسرنا كذلك في يوم حر لاقرو أن رأينا العرب انضم بعضنا إلى بعض فلم يستطيعوا الكرة علينا أبدا إلى أن وصلنا الخضيرة بأمن وعافية وسلامة فوجدنا الجزئري نازلا فيها فتعجبوا منا إذ بلغنا إليه قرب المغرب فظعنا منه بكرة وهذا الموضع لا ماء فيه أصلا فسرنا مع الركب إلى أن وصلنا إلى النبط بعد الزوال في يوم شديد الحر كادت النفوس أن تذهب من شدة العطش بل مات بعض الناس به ولما قربنا منزل النبط تحركت علينا ريح شديدة الحر مع حرارة الشمس بحيث من ذهب إلى رحله كاد أن يموت وأما من تخلف فلا تسأل عنه.

نعم تخلفنا في جماعة من الفضلاء في آخر الركب فأصابنا عطش شديد ونحن كذلك إلى أن أشرفنا على النبط فزاد بنا شدة الحر وقوة العطش وإذا بواحد من العرب لقينا بقربة من الماء فاسقى جميعنا ظنا منا أن هذا الشخص لم ير منا إلا الفلوس فشربنا الماء أحلى من العسل وأبرد من الثلج فلا نعلم انه من ماء المطر أو من العيون التي في

__________________

(1) ما بين القوسين ساقط في نسخة.

(2) في نسخة والتقى.


الجبال فلما أتى عن آخرنا ارتقبنا منه أن يتكلم ويسأل الدراهم كما هي عادة عرب الحجاز أعني هبّ الريح فلم يطلب من أحد دعاء ولا سأل شيئا منه بل رفع قربته ولم يلتفت إلى أحد منا فعجب جميعنا منه ووقع في قلوبنا أن هذا الرجل من أهل الله وأنه من عباد الله الصالحة إذ يعلوه جلال وهيبة ونور فندم الكل من حيث أنهم لم يسألوا منه الدعاء ومع ذلك آثر بمائه العلماء من الركب وفضلاءه فزال ما بنا من العطش فنزل الركب قرب الآبار وازدحموا عليها لسقي الإبل وملء السقاية زحمة عظيمة حتى ظننا أنه لا يبقى فيها قطرة ماء بل بفضل الله يتزايد فاستقينا وسقينا وملأنا السقاية فزاد الماء من عنده الوسع لأن ماء الحوراء ليس بطيب وبعده الدركين المسمى الآن بالحنك لا ماء فيه وبعده الإكراه فماؤه أقبح وأقبح مرارة فمن شربه ربما أذاه وأوجب له المرض وعنده تتغير الوجوه وتسود قل أن يسلم الناس منه من الوخم أي المرض ومع ذلك أنه لا يحصل إلا بمشقة عظيمة من الحفر والاستسقاء بالأواني الصغار كالقدح وغيره فلا ينبغي للحاج أن يكثر الأكل في هذه المنازل لأن كثرته تستدعي الشرب الكثير والشرب الكثير من هذه المعاطن يؤذي كثيرا وربما أهلك وذلك مجرب صحيح وقلة الأكل تشد العصب وثاقا وتقوي الأعضاء فلا يظمأ صاحبها أبدا وضدها يرخي الأعضاء ويضعف البدن بل ربما أمرضه وبعده الوجه ماؤه عذب غير أنه قليل جدا فلا يكفي ماؤه عامة الركب أصلا وإنما يفترقون في الوادي الذي فوقه فيحفرون فيه حفائر وماؤه قليل فلا يحصل منه نفع إلا بطول المدة كعامة الليل والنهار بل ربما تشاجروا عليه فضعيف النفس أو الخدام أو الرفقة رجع منه خائبا فيكون ذلك سبب هلاكه وقد شاهدنا ذلك كله ولو لا فضل الله علينا ما ملأنا السقاية ولا استقينا أصلا ولقد أحسن الله إلينا فلله الحمد والمنة.

ثم ارتحلنا من النبط ليلا وقد اجتمع فيه الركب الجزائري والفزاني والفلالي فلما ارتحل الكل اختلطت الأركاب فلا يعرف أحد صاحبه من كثرة الخلق ومن عادتي مع


سيدي أحمد الطيب وسيدي محمد الشريف وأصحابه ممن يركب على البغال أو الخيل إذا انفصل الركب نذهب جميعنا لتحصل لنا الصلاة في الجماعة وليستعين بعضنا ببعض حتى الغذاء نجتمع عليه من غير اعتبار الجميع فانتظر بعضنا بعضا فلم يوافق ذلك اليوم إلا سيدي أحمد الطيب فتخلفنا عن الركب فإذا برجل من الفضلاء من ركبنا تخلف رحله وهو مريض في كرمود على جمل والله اعلم أن زوجة ابنه راكبة أيضا في باسور فوقع الجمل في الأرض وأزال عنه الحوائج فلا عرفناه انتظرناه إلى أن استوى رحله وقام على جادة الطريق وإذا بالحجاج فأتونا فلم يقع لنا بصر على أحد ومع ذلك ضل علينا الطريق ثم ذهبنا مع سفح الجبل كذلك إلى أن سمعنا نباح الكلاب فقلت لسيدي أحمد يا حسرتنا قد هلكنا فقال كيف الفعل قلت له ها هي عمارة العرب ثم أني نزلت عن بغلتي وانثنيت إلى الجبل وبتعني سيدي أحمد ومن معه وأنا كذلك أتحسس من الركب فلم اسمع صوتا ولا همسا ثم كذلك إلى قرب انقطاع الجبل فتحسست منه أيضا فسمعت صوت سائقة الإبل وراء الجبل ففرحت غاية الفرح وبينما أنا كذلك إذ رأيت الركب يمشي فكان مشي الحجاج عن يمين الجبل ونحن عن يساره وهو على جمعهم إذا يشاء قدير فرجعت إلى سيدي أحمد الطيب فذكرت له الخبر بعد أن آيس من لحوق الركب فإذا ركبت بغلتي ودخلنا وسط الركب وكل هذا من بركة الصالحين لأن المنقطع عن الركب ما وصل قط سالما أبدا إلا من عصمه الله وصانه وذلك من الغرائب ونحن كذلك إلى أن نزلنا الحوراء بين الظهر والعصر فلما استقربنا القرار وإذا بخبر عال ان الفاضل الكامل الحسيب النسيب شيخ الركب الفلالي سيدي محمدا جرحه العرب في النبط في آخر الركب وقالوا ما ضربوا إلا بندقة واحدة فجاءت فيه وهو رجل جميل شجاع حسن الهيئة راكب على فرس حمراء قال أصحابه لا يخاف أصلا فلم نذهب إليه ليلتنا تلك فسقينا واستقينا ظنا من الرحلة ليلا كما هي عادتهم فلما سمعنا بالشيخ المذكور انه في السياق انتظروه لطلوع الشمس ليدفنوه فلم يمت


صبيحة ذلك اليوم فذهبت إليه فوجدته قوي النفس كثير النهج فعلمت أنه قريب الموت غير انه يموت عن قرب فرجعنا فظعنا عند الضحى فنزلنا الدركين قرب الاصفرار وقد علمت أنه لا ماء فيه فبعد ذلك لحقهم الفزاني وظعنا منه إلى الأكره فنزلنا عند الظهر وإذا بخبر موت الشريف في الدركين ثم انه لما لحق بالركب الفزاني استطال العرب في آخره فسلموا منه وظننت أنهم قتلوا منه ونهبوه فظعنا منه إلى الوجه ووصلنا إليه والله اعلم بين الظهر والعصر فنزلنا تحت البرج وهو خال من العسكر وإنما يحفظه العرب فقط ثم أن الناس افترقوا على المياه في الوادي الذي أعلى البرج وأظنه المسمى بالزعفران فتبعه الناس إلى أعلى الوادي غير أنهم يخافون منهم خوفا شديدا لكن الناس طلعوا إليه بأسلحتهم وطلعت أنا وولدي محمد إلى أن هيأنا موضعا للسقي فرجعت إلى الخيمة قرب العشاء فلما ملئوا أسقيتهم رجعوا إلينا ليلا وان الفقيه الفاضل سيدي عبد الرحمن بن الزيعم العمري كان يسقي بغلته من البئر التي قرب الطريق فإذا بالحراميين أخذوا بغلته وذهبوا فأراد أن يمسك العرب فيها وأنا أريد أعانته فامتنع الشيخ من أعانته وكذا الكثير من الركب إذ خافوا منهم فذلوا وأن الفسقية التي تحت البرج مملوءة ماء فتركناها لأمير مصر بعدنا.

هذا وأنا ظعنا من الوجه صبيحة عند الأسفار فخاف الناس من العرب وأن العرب في بلاد الحجاز من عسفان إلى الينبع بلاد حرب ومن الينبع إلى الأكره بلاد جهينة ومن الأكره إلى ظبة بالظاء المشالة والباء الموحدة والهاء واد دون المويلح بلاد بلي ومنه إلى مصر بلاد الحويطات ومغارة الأعلوين وبني عقبة ثم ظعنا من الوجه وبلغنا اصطبل عنتر وبنتنا فيه واستقت الناس منه ثم ظعنا منه صبيحة وسرنا كذلك إلى أن نزلنا الأزلم والله اعلم ليلا وماؤه حرف أي مر لا يصلح ولو لسقي الدواب ثم منه بكرة في آخر الليل ثم سرنا كذلك وبين هذه المنزلة والتي نصل إليها قبر سيدي مرزوق الكفافي والناس يزورونه وأنا لا أعرف قبره ثم سرنا كذلك إلى أن نزلنا آبار


دار أم السلطان والله اعلم عند العصر وبعد الظهر بسويعة وماؤه طيب من أحسن المياه فلا يكاد يوجد مثله في الدرب إذ هو محل طيب والأعراب كثيرة المكر فيه والخديعة قل أن يسلم الركب منهم ثم ظعنا منه في آخر الليل على خير وعافية إلى أن نزلنا بندر المويلح وأظنه قرب العصر وبتنا فيه ليلتين ووجدنا فيه ملاقية من مصر أتى بها بعض ملوك مصر ومعه عسكر عظيم فيه طعام كثير وبشماط كذلك ودقيق كذلك وقول أكثر الجميع وقد رخص يوم دخولنا البندر كثيرا وبعد ذلك قد ارتفع غلاؤه فكأنه لم تكن ملاقية من مصر فاشترينا منه ما نحتاج إليه من دقيق وفول وبشماط ثم إن أكثر الشيالين هربوا على الحجاج فمنهم من فر بإبله ومنهم من تركها لغلاء العلف وقلة دراهم الكراء فهرب سيال سيدي أحمد الطيب بإبله فكان ما كان من قدر الله تعالى من احتياجنا إلى الكراء فأن أريد الكراء لحمل النساء وهو يريد الكراء له ولأصحابه فأتانا بعض الأعراب من البركة قد قدم مع تلك الملاقية فاكترينا منهم جميعا غير أننا خفنا منهم الخديعة والهروب كما كان ممن قبلهم فقال رئيسهم عهد الله لا أخذنا منكم درهما إلا بعد البلوغ إلى مصر فرأينا الفضل من الله تعالى والمنة فاكترتي منهم جملين بأربعة عشر محبوبا فأحدهما ركب عليه امرأتنا في المهيأ والآخر ركب عليه ولدي مع زوجته في المهيأ أيضا وأحسنوا إلينا أحسن الله إليهم وجعل البركة لديهم فلم يقع منهم نفور ولا مشاجرة إلى أن وصلنا مصر فوفوا بالعهد أكرمهم بمنه وكرمه.

ثم ان سيدي محمد المسعود هرب شياله أيضا بإبله فبقي كذلك مطروحا في الأرض فظعنا آخر الليل على العادة المألوفة وتركنا المصري وراءنا فلما أخذ الناس في السفر سمعنا مناديا ينادي بان شيخ الركب لم يجد ما يحمل عليه فلم يلتفت إليه الركب بل ذهب جميعه وتخلف سيدي أحمد بن حمود وسيدي أحمد الطيب والعبد الزابر لهذه الرحلة مع أصحاب الجميع فرجعنا إلى منزل الركب فحططنا الرحال عند خيمة الشيخ فصلينا الصبح وانتظرنا من يكري له بعد سويعات كذلك إلى طلوع الشمس


وإذا بالشيخ قد اكترى لنفسه ولأصحابه والركب ذهب بأجمعه وتركنا وراءه فالبعض منا يقول ننتظر المصري لأنه يرتحل عند الزوال ومنا من يقول نذهب على بركة الله وحس عونه إذ نحن في جماعة كثيرة غير أن المحاربين إذا أتوا في كثرة فلا طاقة لنا معهم ثم وقع الاتفاق منا على المشي من غير تأخير ولا انتظار فعزمنا وارتحلنا ساعتئذ فظعنا منه فسرنا كذلك من غير بأس ولا خوف إلى أن وصلنا عيون الأقصاب فوجدنا ركبنا نازلا هناك فبتنا فيه خير مبيت ونحن لا سمن عندنا فاشترينا في هذا الموضع عكة سمن ونعم السمن هو ذو قابل وضع الله فيه البركة العظيمة قد شاهدناها عيانا ونحن جماعة كثيرة.

وقد كان معنا في الزاد الفاضل الكامل سيدي علي نجل العالم الفاضل الخطيب المحدث سيدي عبد المؤمن البجائي الذي كان مفتيا فيها وسيدي علي هذا قد استوطن محروسة الجزائر وترك داره في بجاية أجزل الله خيره وجعل البركة في دينه ودنياه وكان لنا وله ولذريته بالخير والتوفيق والعلم والعمل والغنى والكفاف والزهد والعفاف إلى غابر الدهر ثم أن هذا السمن فيه خير عظيم وفضل جسيم وما شاهدنا ذلك إلا من الإحسان لإخواننا في الله مثل الود الصدوق والخل الفاروق ذي الفضائل والفواضل والمتوكل على الله الزاهد في الدنيا الراغب في الله سيدي الصالح الغربي (1) وقد شاهدنا فيه أمرا عظيما وكيف لا وهو تلميذ العالم العامل الورع لزاهد المتخلي عن الدنيا رأسا المتبتل المدرس المقتفي أثاره صلى الله عليه وسلم سيدي أحمد بن باباس الفليسي وقد أدركته وزرته في محله المعلوم وتبركت به وقد حصلت لي بركته والحمد لله وكذا ولده وقد صاحبته وجعلته أخا في الله وهو فاضل عالم متعبه زاهد ورع متمكن عارف منعزل في خلوته مدرس له كرامات عظيمة ومراء طيبة قد زبرها تلامذته وقد

__________________

(1) في نسخة العربي.


رأى الله مرارا في النوم وكذا النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيدي المحفوظ وان سيدي الصالح هذا صهر الشيخ أيضا قد انفعلت سريرته له وظهرت آثار فضله عليه فلله الحمد على كونه من معارفنا وإخواننا في الله.

ثم ظعنا منه على بركة الله وحسن عونه إلى أن نزلنا مغارة سيدنا شعيب عليه السلام قرب العصر وهو قريب لمدين قال شيخنا ما نصه وأتاني رجل وبيده زيف فيه قليل عنب أسود وطرحه بازائي نحو عرجونين والله اعلم وقلت له أنت من مدين قال نعم وذكر أن العنب يطعم بمدين مرتين في العام وأكلت ذلك العنب ووجدته عنبا جديدا كان فيه قليل حموضة وهو طيب حلو وأكلت العنب الجديد في نصف مارس وذكر أبو سالم لما أنهم نزلوا هنا أتاهم الأعراب بأحمال كثيرة من العنب الأسود وهو غاية الحلاوة وبرمان كثير وبيع العنب أولا بدرهمين للرطل ثم صار بعد ذلك رطل ونصف بدرهم (1).

ثم ظعنا منه فنزلنا شرف بني عطية وهو الموضع المسمى أبا العظام كما ذكره شيخنا المذكور وأما الآن فيكنى أم العظام ولا ماء فيه بتنا فيه خير مبيت ثم ارتحلنا منه آخر الليل ثم سرنا كذلك إلى أن نزلنا بحفائر النخل فيه إحساء كثيرة في وسط حدائق النخل تحت ظهر الحمار وعلى ساحل البحر وبتنا فيه في أرغد عيش وأتمه ثم ارتحلنا منه ونزلنا بندر العقبة أظنه عند الزوال أو بعد الظهر وبتنا فيه ليلتين واستقينا من البئر التي في وسط القصر فاشترى كل من أصحابنا كل ما يخصه لأن فيه سوقا عظيمة تائيها الناس من كل فج لا سيما الملاقية من الشام وقد بقي لي جمل بعته بثلاث ريالات أبي طاقة وقد اشتريته في المدينة المشرفة بما يقرب من خمسة عشر أبا طاقة أو بأزيد منه ثم ظعنا منه صبيحة ثم سرنا كذلك على شاطئ البحر إلى أن وصلنا العقبة فنزل كل من

__________________

(1) في الرحلة الناصرية بدرهم ونصف للرطل.


كان راكبا حتى النساء غير أن نساءنا ما نزلن في الطلعة ولا في الرجعة ولا أزيل عنهن الخدر فلله الفضل والمنة وكذا لم يصبهن ظمأ ولا نصب كثير ولا مخمصة وكذا أصحابنا فإنهم مرضى غير أن الله تفضل علينا فلم يبق أحد منهم وقد ركب الجميع مع العيش الرغد والماء الكثير ثم كذلك إلى أن نزلنا السطح عند القيلولة فلما حان وقت الظهر صليناه فاختلفت الحجاج فمنهم من يريد الارتحال ومنهم من يريد المبيت فراودناهم الاتفاق أنا والفاضل سيدي عبد الله بن رحاب فلم يساعدنا للارتحال سلطان فزان فارتحل جميعنا فلم يبق إلا ركبه ثم ارتحل وراءنا آخر الليل ونحن سرنا كذلك إلى الليل فبتنا ثم ظعنا آخر الليل ثم سرنا كذلك إلى أن مررنا ببئر العلائي المسماة الآن ببئر الصعاليك وتوضأنا وصلينا الظهر عندها وماؤها أقبح المياه غير أن فيه برودة وبئره طويلة كبيرة ثم تجاوزناها إلى الليل فبتنا خير مبيت ثم ظعنا ونزلنا النخيل عند الظهر وقربه والله أعلم ووجدنا به الملاقي وبيع فيه الفول برخص وكذا الشعير وسائر الأطعمة ثم بتنا فيه خير مبيت وماؤه كثيرا جدا فوجدنا فسقياته مملوءة فاغترف الجميع من واحدة فلم يؤثروا فيها شيئا.

ثم ظعنا آخر الليل وانفصلنا عن هذا البندر إذ فيه قصر عظيم وعمارة حوانيت ولما ذهبنا سويعة وإذا بولد خالي الفاضل الكامل الشريف نجل ابن عمنا سيدي عبد العزيز ابن سيدي محمد جدي من قبل أمي عم لأبي سيدي الحاج أحمد زروق هذا قد حج في زمان الشيخ عبد الباقي والخرشي وكان فقيها يحفظ العقائد الثلاث متنا وشرحا وكان يتعلم عليه ولد الشيخ عبد الباقي حين كان صغيرا وهو الشيخ محمد الرزقاني شارح الموطأ وشارح المواهب اللدنية وكان من أكبر المحدثين وقد سمعنا عنه حكاية عظيمة وهي انه كان يحضر مع والده مجلس الشيخ الخرشي وكان لا يقرأ الحديث إلا إذا حضر الشيخ محمد فتأخر عن الدرس ذات يوم فمسك الشيخ عن الحديث فقيل له ان لم يأت الشيخ محمد فلا تقرأ فقال نعم ثم قال أني سمعت رسول


الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تقرأ حديثي حتى يأتي الشيخ محمد وكان في عصره يسمى مالكا الصغير.

نعم سمعت انه كان يتعلم على جدي أول أمره (1) بأذن الشيخ عبد الباقي والده وانه ذات يوم في مجلسه ألقى الولد (2) على الجد مسألة من مسائل الأعراب وهي كل إنسان وضيعته وكل صانع وما صنع والجد وإن كان يعرف النحو غير أن أهل وطننا لا يشتغلون بالأعراب أتم اشتغال وإنما دأبهم الفقه وأصول الكلام وأما مسائل الأعراب والمنطق والتصريف والبيان والأصول فعلى طرف اللثام فلما لم يعرفه الجد أعرابا شافيا قام الولد أعني الشيخ محمدا فتفوه للجد وأساء معه الأدب لما علمت أن أولاد الأمصار والمدن ألسنتهم طويلة فلما سمع الشيخ عبد الباقي قام لولده فأدبه وزجره وقال له أكفف أو كلاما هذا معناه فلما رأى ذلك قال له دعه فانه صغير فقال الشيخ عبد الباقي لا أسكت فأنا أمرنا بالأدب مع الأشياخ أو كلاما هذا معناه وهذه الحكاية قد تلقيناها عمن قبلنا وأظن أن الشيخ الفقيه الفاضل سيدي الصادق الشوثري هو الذي كان يحكيها والله أعلم انه سمعها من الجد المذكور أو سمعها ممن سمع منه والله تعالى اعلم ثم أن السيد عبد العزيز هذا قد ترك في محل النزول طاجينا والله اعلم انه استعاره من بعض الناس فرجعت معه إلى المحل الذي نزلنا فيه فبحثنا عنه غاية البحث.

نعم لما رجعنا إلى منزله فبحث عنه فقلت له في أي مكان خبأته فقال قرب التنور غير أني غطيته بالرمل حين فرغنا من طبخ الخبز فبقينا نبحت عنه إلى أن خفنا على أنفسنا من متلصصة العرب فسرنا سيرا شديدا لعلنا نلتحق بآخر الركب وهو لا يقدر

__________________

(1) في نسختين أول مرة.

(2) في نسخة بإسقاط ألقى وفي أخرى في مجلسه أو در على الجد.


على المشي والذي لحقناه أولا قافلة من غزة راجعة إلى بلدها أعني الشام فتأنسنا بها فسرنا بعد ذلك مع الجد في السير فلحقنا آخر الركب فتخلفت آخر الركب على عادتي وهو قد تقدم ليدرك مركوبه ثم سرنا كذلك إلى أن نزلنا وسط السبخة قرب المغرب في زمان قر آخر النهار وإلا فهو حر لا قر وهذه السبخة أعظم أمكنة الدرب وأصعبها لقلة الماء فيها وحرارة أرضها وقوة هوائها قل أن يسلم الحجاج فيها من العطب إذ تغلب شدة العطش فيها فما أقبحها من مكان وقد تركت منزلة وهي منزلة التيه منزلة قبل هذه وليس الخلاص من جميعها إلا بفضل الله تعالى وجوده وكرمه.

ثم منها آخر الليل وعند طلوع الفجر وقع الصياح والويل والنهب (1) في الركب فتأخر الأولون وتقدم الآخرون واختلطت الناس فلا تدري المصاب من غيره فإن الركب جيش بلا رأس وذهب بلا تقطير بل كل يسبق الآخر فإنهم في غاية الإهمال والتفريط والإفراط في القبح بحيث لا يقبلون نصح أحد ولا يقبلون كلام فاضل أو عالم ولا زجر أمير فهم فمي تيه البطلان مترددون وقد اشتد حمقهم وسفههم فظنوا أن الدرب يقطعونه في مدة قريبة فلو ملكوا أنفسهم لطاروا بها فكانت عاقبتهم الخسران والأخذ والسلب فدخلنا بعض المحاربين نحو الخمسة عشر فارسا فاخذوا جمالا من وسط الركب وعليها من الحوائج والذهب ما لا يعلمه إلا صاحبه وقد سمعنا من بعض الثقات ما يبلغ نحو ألفين وهذا الذي ضاع لبعض الناس من بسكرة وهو جندي أي تركي وغيره مما أخذ له وسلب عنه.

نعم بئس اليوم ذلك اليوم وذلك عند طلوع الفجر فلما صلينا الصبح جماعة تأخرت أسأل عما وقع في الركب فقالوا ضاع كيت وكيت فلما سرت خطوات وإذا بالأخ في الله سيدي أحمد الطيب رجع مشرفا نحو المنزل الذي ارتحلنا منه يغيث بعض

__________________

(1) في ثلاث نسخ التناهب.


أصحابه من زواوة إذ ترك غرارة مملوءة حوائج سقطت له حين أغارت الأعراب علينا فقلت له قد غررت بنفسك فلا بد أن أرجع معك فقال لي مكان قريب فقلت له ولا بد لأني لم أملك نفسي أن يرجع وحده فأخذت المكحلة من الأخ في الله سي محمد بن قسوم فذهبت معه فلما رآني سيدي محمد البهلولي ذهب معنا وكذا الأخ عاشور من أهل ابن ضيف الله ذهب معنا وظننا أن ذلك قريب فذهبنا مشرقين والركب مغرب إلى أن خفي علينا الركب بأميال كثيرة ومسافة بعيدة يستحيل الغوث فيها من الركب عادة فوجدنا الغرارة بما فيها ثم رأينا رجلا بعيدا عنا يحسبه الرائي انه حجر فوصلنا إليه فوجدناه مريضا فاخبرنا بان رجلا آخر بقي في منزل الركب مريضا فرجعنا إليه فرفعنا أحدهما على بغلتي والآخر على بغلة الشيخ سيدي أحمد الطيب وهما من زواوة ولم نصل إلى ذلك الموضع إلا بعد الضحى الأعلى فرجعنا فإذا الفرسان الذين سلبوا من الركب فتحولوا إلينا علما منهم أننا لا غوث لنا ولا حصن ولا مهرب سوى الله تعالى فتحولوا إلينا وداروا بنا دور الخاتم يمينا وشمالا ونحن واقفون ننتظر منهم الفوت (1) والتمكين فقلنا لبعضنا بعضا ليس إلا الموت ولا مهرب ولا حصن فهي سبخة عظيمة واسعة الأطراف خالية من الأحجار والشجر والمدر ذات الأرمال ومع ذلك فيها حرارة الشمس والحالة أنه لا ماء معنا وقد توقعنا مخائل الموت.

نعم الحاج عاشور عنده نحو السبعين وجها من البارود وكذا من الرصاص فقال لا تخلوا واضربوا قلنا لهم لا فائدة لكم عندنا ولا طائل يصاحبنا فنبهنا عليهم ليكفوا عنا وما زادهم ذلك إلا نفورا وتكبرا واستطالة فتوهموا أخذنا في سرعة فقلت له لا تسرعوا بالضرب فإن أحجموا عنا وتأخروا فيها ونعمت وإن بدءونا بالضرب فلا تضربوا إلا إذا اختلطوا معنا وهم أربعة عشر فارسا وما عندنا إلا ثلاث بنادق كبار

__________________

(1) في نسخة الموت.


طوال وبندقة صغيرة ويطغانا فداروا بنا يمينا وشمالا وليس عندنا ما يسلب إلا حوائجنا وبغلتان فلما توجهنا إليهم بالضرب تنحوا قريبا ثم تنادوا لبعضهم بعضا بالأغراء والأشلاء (1) والزعم فقالوا يردنا ثلاث بنادق ونحن في كذا وكذا فارسا فزعموا (2) بأنفسهم فتقدموا إلى و (3) الشيخ سيدي أحمد عند كتفي والمكحلة الصغيرة في يده فتوجه إلي واحد منهم أراد أن يضربني بقناته فتقربت إليه وتوجهت إليه باليطغان فهرب مني ثم داروا بنا دورة أخرى غير أنهم لم يتمكنوا منا بفضل الله تعالى وقوته ونحن معهم كذلك ندور حيث داروا حتى أيسوا منا فاجتمعوا فانفصلوا منا مشرقين والحالة إنا نسير نحو المغرب مع الالتفات إليهم سيرا رويدا إذ ربما رجعوا إلينا فارتفع عنا الخوف منهم وزال ونام خفنا زيادة الأعراب الذين لا طاقة لنا بهم فلما وصلوا إلى محل مرتفع بعيد منا اجتمعوا ونحن سائرون وإذا بطائفة أكثر منهم قد غشيت الطريق تحيرنا منهم وذهلت عقولنا من أجلهم فلما شاهدنا جمعهم تيقنا الموت وقلت حينئذ لسيدي (4) الآن متنا فكنت استغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم طالبا النجاة أو الموت على حسن الخاتمة.

فلما دنوا منا أردنا قتال من سبق منهم إلينا غير أن سيدي أحمد عرف بعضهم انه من زواواة فنهاني عن ذلك فإذا بهم أنهم رجعوا عن الركب إلينا لما سمعوا أننا تخلفنا فلما وصلوا إلينا حمدوا لنا السلامة ونزل صاحبنا الذي اكرى لنا إبله على هجين فركبت عليه وقد انتفع لونه قبل فركبت عليه إلى أن وصلت إلى بندر عجرود [وكذا

__________________

(1) في نسخة الأسلاء.

(2) في نسخة فعزموا.

(3) في نسخة بإسقاط واو العطف.

(4) كذا في جميع النسخ.


سيدي أحمد الطيب قد ركب والذي ركّبه لم أعلمه الآن فنزلنا عجرودا](1) ضحوة فوجدنا فيه خيرا عظيما من الرزق وأما ماؤه فأقبح المياه يشوي الوجوه بئس الشراب.

نعم لما تركنا النابغة استعجالا أضربنا العطش لو لا أن الله تفضل علينا بقر لا حر في زمان الحر فظعنا ذلك اليوم منه بعد قضاء مآربنا منه ومع هذا أن المحاربين رجعوا إلينا طمعا في آخر الركب الفزاني فلم يصيبوا منهم شيئا لشدة الحزم وسيدي محمد الشريف معهم فارتحلنا بعد الظهر وتركنا الفزاني هناك مبيتا (2) ونحن كذلك إلى بعد العشاء الأخيرة بسويعات والطائفة السابقة من المحاربين تبعنا في آثارنا أهلكهم الله فبتنا هناك إلى قرب طلوع الفجر ثم ظعنا منه ونحن سائرون طول النهار إلى أن مررنا على الدار الحمراء قبل الزوال فتتعدى الناس فيه ثم ذهبنا كذلك والمحاربون في آثارنا ونحن في جماعة فيها الخيل والبغال ومعنا البنادق والسلاح فلم نكترث بهم إلى أن صلينا العصر فبقيت فرس الحاج يونس بن يلس المسيلي من قياد قصر الطير فتخلفنا من أجلها إلى أن رأينا الركب نازلا بعد العصر بكثير فخلفناها ولحقنا بالركب لنبعث جماعة من حجاج المسيلة ليأتوا بها فذهبوا فوجدوها قد ذهب بها المحاربون الذين في آثارنا فرجعوا خائبين فاعلموا الركب بتوقع الخوف منهم لأنهم لم يعارضونا ولم يزالوا معنا ليستعملوا الحزم.

نعم أكثر الركب أصابه عطش عظيم لما علمت ان ماء عجرود لا يغني عن العطش بل يزيد حرارة للقلب فيطلع ذلك على الجسد فينتقع لون الشخص ويتغير وصفه من شدة ما أصابه فيتكدر وقته وتضعف مهجته فلا يستطيع الهروب فترى المحاربين يتراكضون بين خلال الركب فإن رأوا محتزما قائما بنفسه خلوا سبيله وإلا

__________________

(1) ما بين القوسين ساقط في نسخة.

(2) في نسخة بائتا.


سلبوه. ولما اشتد بنا العطش ذهب أصحابنا ممن اكترينا منهم إلى قرب البركة فأتوا لنا بماء عذب وأظنه من ماء النيل فاحيونا به بعد قرب الموت جازاهم الله أحسن جزاء فنعم الناس هم فشربنا وشرب من معنا الأصحاب وفرقناه على المعارف ممن اضطر إليه فكانوا رحمة لنا ولأصحابنا أسعدهم الله دينا ودنيا فبتنا في ذلك الموضع قريبا من البركة إلى أن طلع النهار وتجلى فظعنا منه متوقعين الخوف من هؤلاء المحاربين فنادى الناس بعضهم بعضا ليتهيئوا لهم فاجتمع أهل بلدنا من قسنطينة إلى الجزائر وجعلنا حومة واحدة وتأخرنا عن جملة الركب إلا أولاد عيسى وأولاد عبد النور وأولاد سعيد بن سلامة وأهل عامر ومن حذا حذوهم من أهل البلد قد سبقوا وصارت فرجة بيننا وبينهم وأنزلنا كل من عنده سلاح عن مركوبه فجعلنا البعض ميمنة والبعض ميسرة والبعض قلبنا والبعض آخرا والبعض أولا غير ان المتأخر أكثر والجميع دائرون بالإبل والقسمة هذه كقسمة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على خمسة قلبا وميمنة وميسرة ومقدما ومؤخرا ولذا قال البوصيري :

يجر بحر خميس فوق سابحة
 

 

يرمي بموج من الأبطال ملتطم
 

فعلمنا أنه لا يصيبونا نعم لما رأونا محيطين بجميع الإبل خلوا سبيلنا وذهبوا إلى أول الركب فأخذوا منهم ما شاء الله ومن جملتهم الفقيه النزيه سيدي عبد الرحمن بن الزيعم العمري ومثله الشيخ المكرم سيدي أحمد بن خراز (1) الغرزولي وغيرهما وكلاهما بنسائهما فلم يضربوا شيئا وتركوهم فقراء مفلسين معدومين وسبب ذلك كثرة الإهمال وعدم الاتتضال وفقدان القوة للقتال وكثرة النساء والصبيان والأوباش من الرجال فلم يهدتوا لأحد يرجعون لأمره فتراهم كالأمواج في البطحاء ولو كثر المحارجون لأخذوا جميعهم [فصاروا يلعنون من قوة عددهم وكثرة أموالهم وعدم

__________________

(1) في نسخة خزازي وفي أخرى حزاز.


الاستعداد](1) لدفع من أتاهم وأما نحن فقد حصلت لنا القوة والحمد لله.

نعم تأخر مرحول الشيخ عن الجميع فانتظرناه إلى أن دخل معنا والحمد لله على المنة والفضل.

__________________

(1) ما بين القوسين ساقط في نسخة وفيها عوضه لكثرة الاستعداد.


ذكر دخولنا مصر

فذهبنا كذلك إلى أن وصلنا البركة وهو منزل الركب المصري وتلقى الناس أهل مصر والمغاربة وأمراء الأجناد والأتراك خرجوا لملاقاة الركب فنصبوا الأخبية والخيام في سائر الطرقات وملئوا المحال بالأسواق من البركة إلى مصر ودخلنا القاهرة عند الضحى الأعلى مارين على قرب باب النصر ذاهبين ومارين إلى منزل الركب المغربي في بولاق غير أن ركبنا نزل بين بولاق والنيل في الطريق التي يسلكونها إلى إمبابة واستقررنا هناك أياما بخيامنا والبعض منا دخل المدينة المتجرد في الوكالة والمتأهل الغني في الديار والفقير المتأهل أيضا في الوكالة وبعد اليومين أو الثلاثة دخل الركب المصري القاهرة فتقصر العبارة عن أحوال النزهة من فرح وسرور لمن قدم سالما وحزن وكآبة وندبة عمن أتى خبره ميتا وأم الأسواق والأخبية والأطعمة المختلفة الأواني من الذهب والنحاس والفضة والملابس الفاخرة والخيل المسومة والرايات المفزعة والأسلحة القوية والرجال المزينة والنساء المخدرة والأسواق العامرة مما لا يحصى كثرة يكاد العقل يحيل فناءها وذهابها وانعدامها فلا تسأل عنها ومن عجائب ذلك أن أرزاقها أكثر منها فإن أهل وطننا بل سائر المغاربة يعلمون أنهم ليسوا من أهل الدنيا بل أموات بالنسبة إلى ما رأوا من زخارف من خرج من مصر بحيث لا يحيط ديوان بأنواع ذلك.

نعم الأعراض عنه والغيبة عن كله أولى ما يسلكه العاقل اللبيب إذ كل ذلك خيال محض فالوقوف عنده عطب وهلاك وقد قال تعالى ... الآية وإنما هي غرور في غرور وخديعة ومكر وظلمة وإنما أنارها وجود الحق فيها وإلا لمات العارف بالحقيقة شوقا إلى محبوبه حتى يرى الكل جيفة ونتنا بل كل ذلك انتن في الحقيقة علما منه أنه يصد عن الحق بل الداخل في الحضرة الإلهية أقوى


نزاهة من هؤلاء المغرورين المخدوعين بالتخيلات الوهمية التي لا وجود لها أصلا وإنما هي عدم محض.

نعم دائرة المعارف تتسع بكثرة الاعتبار ، في اختلاف الكائنات والصنائع بقدرة العزيز الجبار ، ومن أجل ذلك اختاروا المدن الكبار ، فكثرت الأئمة فيها وعز وجودها في القرى وانعدمت من البادية رأسا فعلمنا أن مجال الأنظار ، كثرة الخلق في الأمصار ، وفي كل شيء آية من الواحد القهار ، فمهما رأيت غير الله دليلا كان نظرك رحمة وعزا ورفعة وأما ان نظرته اعتمادا وتعلقا كان نظرك هلاكا وعطبا ونقمة فالغير غير وهلاك أن نظرت إلى ذاته وإلا فخير وصلاح إن نظرته بنظر الحق إليه أو دليلا عليه قل انظروا ما ذا في السموات والأرض فلا اقل أن الخلق رحمة في عين الحق وهلاكا في عين الباطل فلا تعتمد على سواه وقل حسبنا الله ونعم الوكيل وقل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون متعنا الله بالنظر إلى وجهه بمنه وفضله.

انعطاف إلى ما كنا بصدده فقد نزلنا مصر في أحسن نزول غير انه وقع بين الركب وأهل البادية الذين اكروا لهم شنئان عظيم وفتنة قوية فأشلوا الأتراك والأجناد على الحجاج فما خرج منهم إلى السوق واحد إلا حبسوه وسجنوه حتى أنهم حبسوا أفاضل الركب من العلماء والصلحاء والطلبة والفقراء وأصحاب الشيخ كالعلام بل أرادوا حبس الشيخ فسلم والحمد لله وقد حبسوا ولد الشيخ سيدي أحمد الطيب ولكن لم يطل وكذا سيدي أحمد ابن بلقاسم وسيدي أحمد بن حمود.

نعم تفضل الله عنه فاخرجوه في ساعة وكذا ابن عمنا سيدي عيسى الشريف والفقيه سيدي بلقاسم بن الطيب وغيرهم ممن لا يحصى عددا غير أن والي بولاق يأخذ منهم شيئا قليلا ويسرحهم رحمة منه أهلكه الله ما أبعده من شقي ومع ذلك ما رد شفاعتي قط وما ملك مصر إلا المماليك الذين أسلموا فكل من ملك مصر إلا كان


مملوكا وحاكم بولاق هذا رجل كبير السن حسن الصورة عريض الوجه مشرب بحمرة طويل اللحية كثيف الحاجبين وقد دخلت عليه مرارا للشفاعة في المكروبين ممن كان في السجن إلا وسرحه بسرعة من غير مهلة ولا تراخ وكان اعتقاده فينا حسنا.

وسبب ذلك ان جماعة منا اكترينا من بعض الأجناد من الترك جمالا واقبضنا له الدراهم نحو نصف الكراء قائلا اشتري ما استعين به من الإبل وكنت السبب والواسطة غير أن الذي غرنا إظهار الود وحسن الاعتقاد وغاية الأدب فيسلم على يدي في اليوم كلما لقيني غير أني أعرف أهل مصر وغشهم فترى الرجل يظهر لك حسن الصنيع ويبطن لك الخديعة والمكر وهذا منهم.

نعم من خادعنا فالله انخدعنا له لا سيما أن بعض الفقهاء يصاحبه ويكثر الترداد إلينا مع فصدقناه به غير انه لم نثق بما صدر منه علما منا بالتباس أحوالهم واختلاط أمورهم والتباس صنيعهم فلما ساء ظننا فيه ذهبنا به إلى سلطان العارفين ، وخاتمة الفضلاء المحققين ، صاحب التآليف العظيمة ، والتلامذة السنية ، صاحب الأوراد ، وسلطان العلماء ذوي المد والأمداد ، شيخنا ، وعمدتنا إلى ربنا ، الشيخ على الإطلاق ، والولي بالاتفاق ، سيدي محمد الحفناوي فقلنا له هل تعرفه ومعه ولده أي الذي سألنا عنه فقال الشيخ إنما نعرف ولده فعقدنا عقدة الكراء عنده ولما أتينا من عند الشيخ أرانا بعض الجمال فاستحسناها غير أنها لشريكه وبعد ذلك أقبضت له جملا من بعض الكراء فذهب به إلى بولاق ونحن نازلون حينئذ بين بولاق ومصر فلما وصل به إلى محله رجع الجمل إلينا حينئذ فضلا من الله ورحمة بنا.

نعم بعد اليوم أو اليومين ذهبنا إليه فسألنا عنه في محله فلم يوجد له خبرا ولا أثر ثم مسكنا ولد الفقيه المذكور وعندنا ثم ذهبت إلى حاكم بولاق الذي الكلام فيه فدخلت إليه في المحكمة وكلمته في شأن ذلك وقد رحب بي وفرح فرحا عظيما حتى


تعجب الحاضرون ومن معنا إذ لم أره قط وسألناه عن قصة الرجل فقال قد مسكنا له جمالا هي بينكم وبعض الناس من مصر له دين عليه فأعطانا بعضها وبقي البعض يده وأمرنا بالإتيان بذلك الولد الممسوك عندنا فأتيناه به فحبسه فقال إن كان الشرع أوجب عليه الغرم فيغرم فتركناه في يده ورجعنا إلى الركب فقومنا تلك الجمال وقسمناها على حسب الديون وارتحلنا فلما رجعنا سألناه عن قصة الرجل وصاحبه الفقيه قال هلك الكل ببركتكم فإنهم هربوا بامرأة فكان ذلك سبب هلاكهم وما دخلت عليه بعد إلا قضى حاجتي وأحسن قضاءها ويطلب مني الدعاء الصالح وقد حكم بقتل بعض المغاربة من بلادنا لكونه أتى بسكة جديدة مجردة مغشوشة فسرحه وقد سرحت من يده (1) كذا وكذا رجلا.

نعم لما حبس أصحاب سيدي أحمد الطيب ذهبت أنا وسيدي أحمد إليه ليسرحهم فوجدناه نائما في بيته لم يظهر إلى محكمته صبيحة وإنما وجدنا حاكما تحته الكاخية فسرح لنا سيدي بلقاسم بن الطيب ورجالا من زواوة قبل لحوق الكبير ونحن كذلك وإذا بتركي دخل علينا فأشار إليه بعض البدويين من المنصورة وكان لي عليه دين فقال له هذا هو الحاكم في الركب فلما قال له ذلك مسكني من يدي وأراد بي السجن فقلت له وهل لأحد علي دين حتى أسجن فيه فقال البدوي لا وإنما هو إذا مسكناه خرج ما كان في الركب من الإبل التي مسكها أهل الركب في ديونهم فامتنعت من الذهاب إلى السجن وهو يكرني وأنا اتملص منه وصار ذلك الكاخية يقول له دعه فانه رجل صالح وعالم وشريف أو كلاما هذا معناه ثم قال أضمن ما كان في الركب فأعرضت عنه وجلست حذاء الكاخية فحاولني مرة ثانية للسجن أيضا فقال الكاخية ذره فانه رجل وحده وأما أصحابي فلا يقدر عليك أحد لأن الذي أرادك بسوء إنما أتى من مصر

__________________

(1) في ثلاث نسخ من نحو كذا.


ارتشاه البدوي ولا عمل عليه ولا يعرف حالك أيضا فلما أتى إلي ضربت به الحائط وخرجت في حالي ولم يتبعني أحد إلى أن وصلت إلى الركب وذلك فضل الله تعالى ورحمته بنا اللهم لا تشمت بنا الأعداء ولا تسلط عليها جبارا عنيدا ولا شيطانا مريدا ولا أحدا من عباد الله تعالى.

حاصله أن الوقائع التي وقعت بيننا وبين البدويين كثيرة يطول بنا استقصاؤها هذا وإن فضل اله تعالى ظاهر على الركب بحيث لا يستطيعون الإمساك منه ولا تسريح المربوطين الذين هم فيه فلما خفنا تفاقهم الأمر بيننا وبين الحكام ذهب من ذهب في البحر إلى الإسكندرية فلم يبق إلا العبد وسيدي أحمد بن حمود وسيدي عبد الكريم وسيدي محمد اليعلاوي وسيدي محمد الشريف الطرابلسي ذهبنا في البر على برقة وإما ولدي وأهلي فقد ركبوا في البحر مع من ركب فيه فافترقنا وعلى الله الاعتماد والتكلان لأني لا استطيع البحر وانتقلنا إلى انبابة فلما كنا على شاطئ البحر في توديع من ذهب في البحر ولانتقالنا إلى الموضع المذكور أتانا ذلك التركي الأول الذي أراد سجني في قضية أخرى أرتشاه بدوي آخر فلما رأيته أرادني اشليت عليه بعض أصحابي ليقتله فلما علم ذلك المتمرد خاف إذ هو منفرد ونحن في جماعة فصار يسلك مسالك الطلب فأعطاه سيدي أحمد بن حمود نصف ريال أبي طاقة وعليه البعد من الله فلا أظن انه مسلم إذ أكثر العسكر في مصر أنهم خوارج أو طغاة لا تعمى أبصارهم ولكن تعمى قلوبهم.

وقد حكي لنا أنهم يأتون إلى المستضعفين من الناس فيبيعونهم عبيدا أو يجعلونهم أسرى يخدمون في مدينة السويس إلى أن يموتوا أهلكهم الله أن لم يعلم هدايتهم (1) وهذا معلوم ضرورة في زمان هذه الحجة وسبب هذه الإهمال من الحكام والمترفهين

__________________

(1) كذا في جميع النسخ.


لأنهم في نعمة عظيمة لم يحبسوا أحدا فأباحوا الرقاب والنفوس ولم يعلموا بهذه الرذائل كالغش في الأسواق والسرقة في الطرق والدكاكين فصارت في النفوس أقبح الأوطان وأذلها للغريب مصر ومكة (1) فلا تجد أحدا من مصر إلا يحتقر المغاربة حتى كادوا أن يخرجوهم من الإسلام وطبائعهم منافية لطبائع أهل المغرب فلا نظر لعلمهم ولا لفضلهم فترى المغربي إذ تكلم تعصبوا عليه بالباطل ولو بالزور فلم ينفع فيهم إلا عدم مخالطتهم والانعزال عنهم فيتحاشى عن أسواقهم وما فيها فإذا اضطره أمر اختلس مقصوده اختلاسا يحفظه من المخالطة أو يتزيا بزيهم ليصرف عنه السوء والفحشاء الصادرة منهم وما تخفي صدورهم لنا أكبر وأعظم ودأبهم وديدانهم التحيل لأخذ أموالنا وسلب ما عندنا بمجرد الأباطيل والتظلم وإظهار المسكنة أن أفاده ذلك وإلا ارتشوا أصحاب الحكم ليأخذوا أموال المغاربة جهرة ظلما وعدوانا فما أقبحها من بقعة للحجاج والمغاربة غير أن سبب ذلك أن المغاربة تشيطنوا وتمردوا على الطريق وضلوا وأضلوا وهلكوا وأهلكوا والمنتسب بالدعاوي الكاذبة والزندقة البينة أقواها ادعاء الكيميا وما حذا حذوها من كل مضل من غير تحقيق الدعوى كعلم الأوفاق وإخراج الخبايا والكنوز من الأرض وأقهار الظلام وأصراع ذي الجن (2) وأخدام الروحانيين وقهر الأعداء وحبس السراق ومنعه من النفوذ وتفريق الأحباب وتقريب البعيد وإقصاء القريب وإقبال الملوك وأدبارهم وغير ذلك من دعاويهم فلما انتشر عليهم ذلك وعم الناس كلهم واتضح كذبهم وبطل تحيلهم وتصنعهم وقع بغضهم في قلوب الخاصة فما رأوا أحدا من المغاربة إلا غمضوا العين فيه وظنوا أنه من الفسقة المدعين المتلفين لأموال الناس بالباطل فالتبس عليهم الصديق بالزنديق فارتفع حسن الظن منهم في جانب المغاربة بحيث لا يعتقدون في أحد منا ولو بلغ

__________________

(1) في نسخة بإسقاط مكة.

(2) في نسخة وصرع الجان.


الغاية مع الله وقد قال تعالى : (أني كنت دفنت مائتي نواة ثم قلت وأين السبعة التي دفنتها بعد ذل فلم أرم مكا) وهذا من الفتنة العامة (1) التي عمت المغاربة الظالم والمظلوم وقد قال تعالى أيضا : (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) بل تصيب الظالم وغيره وإنما أصابت المظلوم لسكوته عما يظهر من ظلم الظالم فصار ظالما بسكوته كافي التفسير إذا كانت لا غير زائدة أي غير صلة وأما إذا كانت صلة فالمعنى واضح أي (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا) الآية أو أن غضب الله إذا يقوى على أهل الأرض لكثرة الفساق عمهم بالبلاء فيكون لأهل الفسق كفارة لهم ولغيرهم زيادة في مراتبهم وعلو مقاماتهم فافهم هذا فإن مشاهدة الأعيان توجب العلم والإيقان.

نعم أمر مصر غريب وعجيب في كل الأصناف والأنواع والأجناس مهما رأيت جنسا فيها إلا قلت أن هذا الجنس هو الذي في مصر فإذا رأيت العلماء قلت لا جاهل في مصر وإذا رأيت الأغنياء قلت لا فقير وإذا رأيت الأشياخ وأصحاب الأوراد قلت هم أهلها وكذا أهل الصنائع والحرف فما وردت قوما أو سوقا أو نزاهة إلا قلت أهل مصر موجودون فيه وهذا من عجائب مصر فإن كل من رآه العبد إلا قال هذا هو الموجود فيها لأن مصر تغني عن الغير ولا يستغني الغير عنها فهي رحمة لأهل التقوى ونقمة لغيرهم فهي مدينة الأنبياء والصحابة والتابعين والعلم وأهله بل فيها أهل الدائرة والتصريف فلا تخلو عنهم أصلا فكل من كان فيه طبع إلا وجد أهل طبعه أو صنعة إلا وجد أهل صنعته خيرا أو شرا وفيها عبرة لأهل البصائر فمن لم يفلح فيها لا يربح أبدا ولا يفوز أصلا لأن مددها قوي وخيرها دوي وليحذر الإنسان شرها وليغتنم بركتها فإن أهلها ظاهرون في الخير والشر والساعي فيها يجتني منهما على

__________________

(1) في نسخة العظيمة.


حسب استطاعته وقوته واجتهاده فكل بلدة ربما انقطع فيها الدواء إلا مصر فإن دواءها دائم الاتصال وكذا عللها دائمة الوصال فليتعجب منها المتعجبون وكيف لا وأنها ذكرت في القرآن كذا وكذا مرة فهي جنة لأهل الخير ونار في المآل لأهل الشر يحسبها المتأمل أنها جنة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين فإن أرزاقها أكثر من خلقها ومع كثرة أرزاقها أن من سد عليه الباب في الرزق يدور الأسواق والدكاكين والوكالات والمساجد فلا يجد لقمة يطعم بها نفسه وغير هذا من عجائبها وسأكتب إن شاء الله جملة من حسن المحاضرة وأما الإسكندرية فلم أدخلها قد وقد رمت زيارتها مرارا فلم تساعدني الأقدار وقال شيخنا ما نصه.


ذكر الإسكندرية وما بها من العجائب

ذكر الإمام السيوطي في حسن المحاضرة (1) عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه انه قال وجاء رجال من أهل الكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم كتب فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئتم أخبرتكم عما أردتم أن تسألوني قبل أن تتكلموا وإن شئتم تكلمتم وأخبرتكم قالوا بل أخبرنا قبل أن نتكلم فقال جئتم تسألوني عن ذي القرنين وسأخبركم عما تجدونه مكتوبا عندكم أن أول أمره كان غلاما من الروم أعطي ملكا فسار حتى ساحل البحر من أرض مصر فأبتنى عنده مدينة يقال لها الإسكندرية فلما فرغ من بنائها أتاه ملك فعرج به حتى استثقله فرفعه فقال له انظر ما تحتك فقال أرى مدينتي وأرى مدائن معها ثم عرج به فقال له أنظر فقال قد اختلطت بالمدائن فلا أعرفها الحديث بطوله وقد أوردته في التفسير بالمأثور في سورة الكهف وأخرج ابن الحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال كان أول شأن الإسكندرية أن فرعون اتخذ بها مصانع ومجالس وكان أول من عمرها وبنى فيها فلم تزل على بنائه ومصانعه إلى أن تداولها الملوك ملوك مصر بعده فبنت دلوكة بنت زبا منارة الإسكندرية ومنارة بوقير بعد فرعون فلما ظهر سليمان بن داود عليها الصلاة والسلام على الأرض اتخذ بها مجلسا وبنى فيها مسجدا ثم إن ذا القرنين ملكها فهدم ما كان فيها من بناء الملوك والفراعنة وغيرهم إلا بناء سليمان بن داود لم يغيره ولم يهدمه ما كان فيها من بناء الملوك والفراعنة وغيرهم إلا بناء سليمان بن داود لم يغيره ولم يهدمه وأصلح ما كان خرب منه وأقر المنارة على حالها ثم بنى الإسكندرية من أولها بناء يشبه بعضه بعضا ثم تداولتها الملوك من الروم وغيرهم ما من ملك إلا يكون له بناء يضعه بالإسكندرية يعرف به وينسب إليه قال ابن عبد الحكم ويقال أن الذي بنى

__________________

(1) تنبيه فقد وقع في النقل عن هذا الكتاب تقديم وتأخير واختصار وحذف في مواضع كثيرة.


منارة الإسكندرية قليوبطرة الملكة وهي التي ساقت خليجها حتى أدخلته الإسكندرية ولم يكن يبلغها الماء قال ويقال أن الذي بنى الإسكندرية شداد بن عاد (1).

ويقال أن بها مساجد خمسة مقدسة مسجد موسى عليه الصلاة والسلام عند المنارة ومسجد سليمان عليه الصلاة والسلام ومسجد ذي القرنين ومسجد الخضر أحدهما عند القيسارية والآخر عند باب المدينة ومسجد عمرو بن العاص الكبير رضي الله عنه.

وكانت الإسكندرية ثلاث مدن بعضها إلى جنب بعض وهي موضع المنارة وما والاها والإسكندرية وهي موضع قصبة الإسكندرية اليوم وهيطة (2) وكان على كل واحدة منهن سور وسور من خلف ذلك على الثلاث مدن يحيط بهن جميعا واخرج ابن عبد الحكم عن عبد الله بن طريف الهمداني قال كانت على الإسكندرية سبعة حصون وسبعة خنادق وأخرج أن ذا القرنين لما بنى الإسكندرية رخمها بالرخام الأبيض جدرها وأرضها فكان لباسهم فيها السواد والحمرة فمن قبل ذلك لبس الرهبان السواد من نصوع بياض الرخام ولم يكونوا يسرجون فيها بالليل من بياض الرخام وإذا كان القمر أدخل الرجل الذي يخيط بالليل ضوء القمر في بياض الرخام الخيط في حجر الأبرة وكانت الإسكندرية بيضاء تضيء بالليل والنهار وكانوا إذا غربت الشمس لم يخرج أحد منهم من بيته ومن خرج اختطف وكان منهم راع يرعى على شاطئ البحر وكان يخرج من البحر شيء فيأخذ من غنمه فكمن له الراعي في موضع حتى خرج فإذا جارية فتشبث بها فذهب بها إلى منزله فانست به فرأتهم لا يخرجون

__________________

(1) في حسن المحاضرة زيادة نحو خمسة أسطر سقطت من الرحلة الناصرية ومن جميع النسخ وتتضمن رواية أخرى في بناء شداد مدينة الإسكندرية.

(2) كذا في جميع النسخ وفي الرحلة الناصرية هبطة وفي حسن المحاضرة لقيطة.


بعد غروب الشمس فسألتهم فقالوا من خرج منا اختطف فهيأت لهمه الطلسمات بمصر في الإسكندرية وعن عطاء الخراساني قال كان الرخام قد سخر لهم حتى يكون من بكرة إلى نصف النهار بمنزلة العجين فإذا انتصف النهار اشتد وكانت الإسكندرية تسمى قبل الأسكندر رفودة وبذلك يعرفها القبط في كتبهم القديمة وعن الليث بن سعد قال كانت بحيرة الإسكندرية كرما كلها لامرأة المقوقس فكانت تأخذ خراجها منهم الخمر بفريضة عليهم وكثر الخمر عليها حتى ضاقت به ذرعا فقالت لا حاجة لي في الخمر أعطوني دنانير فقالوا ليس عندنا دنانير فأرسلت عليهم الماء فأغرقتها فصارت بحيرة يصاد فيها الحيتان حتى استخرجها بنو العباس فسدوا جسورها وزرعوا فيها ومن عجائب الإسكندرية عمود السواري وليس في الدنيا مثله قال صاحب المرآة وقد شاهدته ويقال أن أخاه بأسوان قال ابن فضل اله بظاهر الإسكندرية عمود السواري عمود مرتفع في الهواء تحته قاعدة وفوقه قاعدة يقال انه لا نظير له في العمد في علوه ولا في استدارته.

قلت وقد رأيت هذا العمود لما دخلت الإسكندرية في رحلتي ودور قاعدته ثمانية وثمانون شبرا ومن المتواتر عن أهل الإسكندرية إن من حاذاه عن قرب وغمض عينيه ثم قصده لا يصيبه بل يميل عنه وذكروا أنه لم تحصل إصابته لأحد قط مع كثرة تحريهم في ذلك وقد جربت ذلك مرارا فلم أقدر أن أصيبه وذكر لي بعض فضلاء الإسكندرية إنها كانت أربعة أعمدة على هذا النمط وكانت عليها قبة يجلس بها أرسطو صاحب الرصد وعن التنوخي قال كان بالإسكندرية صنم من نحاس يقال له شراحيل على خشفة من خشف البحر وكان مستقبلا بأصبعه القسنطينية لا يدري أكان مما عمله سليمان أو لإسكندر فكانت الحيتان تجتمع عنده وتدور حوله فتصاد فكتب أسامة بن الوليد بن عبد الملك يخبره بخبر الصنم ويقول أن الفلوس عندنا قليلة فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع الصنم ويضربه فلوسا فأرسل إليه الوليد رجالا أمناء فانزلوا الصنم


فوجدوا عينيه ياقوتتين حمراوين ليس لهما قيمة فذهب الحيتان فلم تعد إلى ذلك الموضع.

ومن عجائب مباني أرض مصر كما قال صاحب مباهج الفكر منارة الإسكندرية وهي مبنية بحجارة مهندمة مطلية بالرصاص على قناطر من زجاج والقناطر على ظهر اسطوانات (1) من نحاس وفيها نحو ثلاثمائة بيت بعضها فوق بعض تصعد الدابة بحملها إلى سائر البيوت من داخلها وللبيوت طاقات ينظر منها إلى البحر.

واختلف أهل التاريخ فيمن بناها فقيل أنها من بناء لإسكندر وقيل من بناء دلوكة ملكة مصر ويقال ان طولها كان ألف ذراع وكان في أعلاها تماثيل من نحاس منها تمثال قد أشار بسبابة يده اليمنى نحو الشمس أينما كانت من الفلك يدور معها حيث دارت ومنها تمثال وجهه إلى البحر متى صار العدو منهم على نحو من ليلة سمع له صوت هائل يعلم به أهل المدينة طروق العدو ومنها تمثال كلما مضت من الليل ساعة صوت صوتا مطربا وكان بأعلاها مرآة ترى القسطنطينية وبينهما عرض البحر فكلما جهز الروم جيشا رأي في تلك المرآة.

وحكى المسعودي أن هذه المنارة كانت في وسط الإسكندرية وأنها تعد من بنيان العالم العجيب بناها بعض ملوك اليونان يقال انه الأسكندر لما كان بينهم وبين الروم من الحروب فجعلوا هذه المنارة مرقبا وجعلوا فيها مرآة من الأحجار المشففة يشاهد فيها مراكب البحر إذا أقبلت (2) من رومة على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها ولم تزل كذلك إلى أن ملكها المسلمون فاحتال ملك الروم لما انتفع بها المسلمون في مثل ذلك على الوليد بن عبد الملك بأن أنفذ أحد خواصه ومعه جماعة إلى بعض ثغور الشام

__________________

(1) في حسن المحاضرة سرطانات.

(2) في جميع النسخ انقلبت.


على انه راغب في الإسلام فوصل إلى الوليد وأظهر الإسلام وأخرج كنوزا ودفائن بالشام مما حمل الوليد على أن صدقه على ان تحت المنارة أموالا ودفائن وأسلحة دفنها لإسكندر فجهزه مع جماعة من ثقاته إلى الإسكندرية فهدم ثلث المنارة وأزال المرآة ثم فطن الناس أنها مكيدة فاسشعر ذلك فهرب في مركب كانت معدة له ثم بني ما تهدم بالجص والاجر.

قال المسعودي وطول هذه المنارة في وقتنا هذا وهو سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة مائتان وثلاثون ذراعا وكان طولها قديما نحو أربعمائة ذراع وبناؤها في عصرنا ثلاثة أشكال فقريب من الثلث مربع مبني بالحجارة ثم بعد ذلك بناء مثمن الشكل مبني بالاجر والجص نحو ستين ذراعا وأعلاها مدور الشكل.

قال صاحب مباهج الفكر وكان أحمد بن طولون بنى في أعلاها قبة من الخشب فرمتها (1) الرياح فبني مكانها مسجد في أيام الملك الكامل صاحب مصر ثم أن وجهها البحري تداعى وكذلك الرصيف الذي بين يديها من جهة البحر وكادا ينهدمان وذلك أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس فرمه وأصلحه وذكر ابن فضل الله في المسالك أن هذه المنارة قد خربت وبقيت أثرا بلا عين فكان هذا وقع في أيام قلاوون أو ولده.

قال ابن المتوج في كتابه إيقاظ المتغفل من العجائب منارة الإسكندرية التي بناها ذو القرنين وكان طولها أكثر من ثلاثمائة ذراع مبنية بالحجر المنحوت مربعة الأسفل وفوق المنارة المربعة منارة مثمنة مبنية بالاجر وفوق المنارة المثمنة منارة مدورة وكانت كلها مبنية بالصخر المنحوت على أكثر من مائتي ذراع وكان عليها مرآة من الحديث

__________________

(1) في حسن المحاضرة فهدمتها.


الحديد الصيني عرضها سبعة أذرع كانوا يرون فيها جميع من يخرج من البحر من جميع بلاد الروم فإن كانوا أعداء تركوهم فإذا قربوا منها ومالت الشمس للغروب أداروا المرآة مقابلة الشمس واستقبلوا بها السفن حتى يقع شعاع الشمس في ضوء المرآة فتحترق السفن في البحر عن آخرها ويهلك كل من فيها وكانوا يؤدون الخراج ليأمنوا بذلك من أحراق المرآة لسفنهم فلما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية احتالت الروم بان بعثت جماعة من القسيسين المستعربين وأظهروا أنهم مسلمون وأخرجوا كتابا زعموا أن ذخائر ذي القرنين في جوف المنارة فصدقتهم العرب لقلة معرفتهم بحيل الروم وعدم معرفتهم بمنفعة تلك المنارة والمرآة وتحيلوا أنهم إذا أخذوا الذخائر والأموال أعادوا المنارة والمرآة على ما كانت فهدموا مقدار ثلثي المنارة فلم يجدوا فيها شيئا وهرب أولئك القسيسون فعلموا حينئذ أنها خديعة فبنوها بالاجر ولم يقدروا ان يرفعوا إليها تلك الحجارة فلما أتموها نصبوا عليها تلك المرآة كما كانت فصدئت فلم يروا فيها شيئا وبطل إحراقها والنصف الأسفل من عمل ذي القرنين يدخل الإنسان من الباب الذي بالمنارة وهو مرتفع عن الأرض مقدار عشرين ذراعا يصعد إليه من قناطر مبنية بالصخر المنحوت فإذا دخل من باب المنارة يجد على يمينه بابا فيدخل منه إلى مجلس كبير طوله عشرون ذراعا مربعا يدخل فيه الضوء من جانبي المنارة ثم يجد بيتا آخر مثله ثم مجلسا ثالثا ومجلسا رابعا كذلك قال ولقد عملت الجن لسليمان بن داود عليهما السلام في الإسكندرية مجلسا من أعمدة الرخام الملون المجزع كالجزع اليماني المقصول كالمرآة إذا نظر الإنسان إليها يرى من يمشي خلفها لصفائها وكان عدد الأعمدة ثلاثمائة عمود وكل عمود بثلاثمائة ذراع (1) وفي وسط المجلس عمود واحد يتحرك شرقا وغربا يشاهد ذلك الناس ولا يدرون ما سبب حركته.

__________________

(1) في حسن المحاضرة ثلاثون ذراعا وهو الأصوب وفيها هنا أيضا زيادة في العبارة.


ومن عجائب الإسكندرية السواري والملعب الذي كانوا يجتمعون فيه في يوم من السنة ويرمون بالاكرة فلا تقع في حجر واحد منهم إلا ملك مصر وكان يحضر هذا الملعب ما شاء الله من الناس ما يزيد على ألف ألف رجل فلا يكون منهم أحد وهو ينظر في وجه صاحبه ثم أن قرئ كتاب سمعوه جميعا أو لعب لون من الألوان في ذلك الملعب رأوه عن آخرهم.

وقد حضر سيدي عمرو بن العاص رضي الله عنه هذا الملعب معهم في الجاهلية وذلك انه قدم لبيت المقدس في نفر من قريش لتجارة فإذا هم بشماس من شمامسة الروم من أهل الإسكندرية قدم للصلاة في بيت المقدس فخرج في بعض جبالها يسيح وكان عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه وكانت رعاية الإبل بينهم نوبا فبينما عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه إذ مر به ذلك الشماس وقد أصابه عطش شديد في يوم شديد الحر فوقف على عمرو فاستسقاه فسقاه عمرو من قربة له فشرب حتى روي ونام الشماس مكانه وكان إلى جانب الشماس حيث نام حفرة فخرج منها حية عظيمة فبصرها عمرو فنزع لها بسهم فقتلها فلما استيقظ الشماس نظر إلى حية عظيمة قد أنجاه الله منها فقال لعمرو وما هذه الحية فأخبره الخبر عمرو وانه رماها بسهم فقتلها فأقبل إلى عمرو فقبل رأسه وقال قد أحياني الله بك مرتين مرة من شدة العطش ومرة من هذه الحية فما أقدمك هذه البلاد قال قدمت مع أصحاب لي نطلب الفضل من تجارتنا فقال له الشماس وكم ترجو أن تصيب من تجارتك فقال رجائي أن أصيب ما اشتري به بعيرا فأني لا أملك إلا بعيرين فأملي أن أصيب بعيرا آخر فتكون لي ثلاثة أبعرة فقال له الشماس أرأيت دية أحدكم بينكم كم هي فقال مائة من الإبل فقال له الشماس لسنا أصحاب إبل بل إنما نحن أصحاب دنانير فقال تكون ألف دينار فقال له الشماس أني رجل غريب في هذه البلاد وإنما قدمت أصلّي في كنيسة بيت المقدس وأسيح في هذه البلاد شهرا جعلت ذلك نذرا على نفسي وقد قضيت ذلك وأنا أريد الرجوع إلى


بلادي فهل لك أن تتبعني إلى بلادي ولك علي عهد الله وميثاقه أن أعطيك ديتين لأن الله أحياني بك مرتين فقال له عمرو وأين بلادك قال مصر في مدينة يقال لها الإسكندرية فقال له عمرو لا أعرفها ولم أكن دخلتها قط فقال له الشماس لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط مثلها فقال له عمرو أو تفي لي بما تقول وعليك بذلك العهد والميثاق فقال له الشماس نعم علي عهد الله وميثاقه أن أفي لك وأن أردك إلى أصحابك فقال له عمرو كم يكون مكثي في ذلك فقال له شهرا تنطلق معي ذاهبا عشرا وتمكث عندنا عشرا وترجع في عشر ولك علي أن أحفظك ذاهبا وأن أبعث معك من يحفظك راجعا فقال له عمرو انظرني حتى أشاور أصحابي في ذلك فانطلق عمرو إلى أصحابه فأخبرهم بما عاهد عليه الشماس وقال لهم أقيموا حتى أرجع إليكم ولكم علي العهد أن أعطيكم شطر ذلك على أن يصحبني رجل منكم آنس به فقالوا له نعم وبعثوا معه رجلا منهم فانطلق عمرو وصاحبه مع الشماس إلى مصر حتى انتهوا إلى الإسكندرية فرأى عمرو من عمارتها وجودة بنائها وكثرة أهلها فأزداد عجبا ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيدا فيها عظيما يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم ولهم اكرة من ذهب يترامى بها ملوكهم وهم يتلقونها بأكمامهم وفيما اختبروا من تلك الاكرة على ما وضعها من مضى منهم أن من وقعت الاكرة في كمه واستقرت فيه لم يمت حتى يملكهم فلما قدم عمرو الإسكندرية أكرمه الشماس الإكرام كله وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه وجلس عمرو والشماس مع الناس في ذلك المجلس حيث يترامون بالاكرة وهم يتلقونها بأكمامهم فرمى بها رجل منهم فأقبلت تهوى حتى وقعت في كم عمرو فتعجبوا من ذلك وقالوا ما كذبتنا هذه الاكرة قط إلا في هذه المرة أترى هذا الأعرابي يملكنا هذا ما لا يكون أبدا.

قلت قد ملكهم قسرا ودوخهم قهرا في فتح مصر وان ذلك الشماس مشى في أهل الإسكندرية وأعلمهم أن عمرا أحياه مرتين وانه قد ضمن له ألفي دينار وسألهم أن


يجمعوا له ذلك فيما بينهم ففعلوا ودفعوها إلى عمرو فانطلق عمرو وصاحبه وبعث معهما الشماس دليلا ورسولا وزودهما وأكرمهما حتى رجع هو وصاحبه إلى أصحابهما فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها وعلم منها ما رأى وعلم أنها أفضل البلاد وأكثرها مالا فلما رجع عمرو إلى أصحابه دفع إليهم فيما بينهم ألف دينار وأمسك لنفسه ألفا قال عمرو وكان ذلك أول مال تأثلته.

ومن عجائبهما المسلتان وهما جبلان قائمان على سرطانات من نحاس في أركانهما كل ركن على سرطان فلو أراد أحد أن يدخل تحتها شيئا يعبرها من جانبها الآخر فعل (1).

ومن عجائبها عمود الأعياء وهما عمودان متلقيان وراء كل عمود منهما جبل حصى كحصى الجمار فمتى أقبل التعب النصب بسبع حصيات من ذلك الحصى فاستلقى على أحداهما ثم رمى وراءه بالسبع حصيات ويقوم ولا يلتفت ويمضي لطلبته قام كأنه لم يتعب ولم يحس بشيء.

ومن عجائبها القبة الخضراء وهي أعجب قبة ملبسة نحاسا كأنه الذهب الإبريز يبليه القدم ولا يخلقه الدهر.

ومن عجائبها منية (2) عتبة وحصن فارس وكنيسة أسفل الأرض وهي مدينة على مدينة وليس على وجه الأرض مثلها ويقال أنها أرم ذات العماد سميت بذلك لأن عمدها لا يرى مثلها طولا وعرضا انتهى مع بعض حذف وتغيير وتقديم وتأخير.

__________________

(1) هكذا في جميع النسخ وفي الرحلة الناصرية أن يدخل تحتها حتى يعبرها من جانبها الآخر فعل وفي حسن المحاضرة أن يدخل من جانبهما شيئا حتى يعبر إلى جانبهما الآخر فعل.

(2) في حسن المحاضرة مينة.


قلت وما ذكر في الإسكندرية من الغرائب والأبنية والعجائب (1) لم يبق بها الآن سوى عمود السواري وغيره اجتاحه الدهر وأبلاه ، واستأصله وأفناه ، ولم يبق لها من الآثار إلا ما يذكر في الأخبار ، والدوام والبقاء لله الواحد القهار ، إلى أن قال.

ومن مزارتها غير ما تقدم مشهد سيدي علي البدوري رضي الله عنه ومنها قبر الخزرجي مشهور هناك بنسبته ولا أدري هل هو صاحب المنظومة في العروض أو غيره وبازائه قبر الإمام الفاكهاني ومنها قبر الإمام الشيخ الصالح سيدي عبد الرزاق أجل تلامذة الشيخ سيدي أبي مدين رضي الله عنهما وأجل من نشر طريقه بعده وأخذها الناس عنه وقدره بين أهل الطريقة معروف ومنها زاوية (2) أبي الحسن الشاذلي كان يأوي إليها هو وأصحابه وهي قلعة كبيرة في سور البلد الشرقي فيها بيوت متعددة ومنها قبر سيدي أحمد المناري وهو مشهور البركة وسبب تسميته بالمناري على ما قالوا أنه قدم البلد ومعه حمارة له وقال لهم أين أبيت فأشاروا كالمستهزئين به إلى المنارة فقال لهم بسم الله وصعد بحمارته إلى أعلاها فاجتمع الناس ينظرون متعجبين وهذا في حق أولياء الله تعالى يسير والله على كل شيء قدير وهو العالم بحقيقة الأمر.

لطيفة حكي أن السلطان سليم العثماني لما دخل مصر وجاء إلى الإسكندرية طلع ذات يوم إلى كوم مشرف على البلد وجاءه أهل الإسكندرية وقالوا يا سلطان إن بلدنا هذا قد استولى عليه الخراب كما ترى فنريد كمال جودك أن ترحمنا وتصرف نظرك إلى عمران هذا البلد فإن مكانته من مدائن العالم معروفة فعسى أن يرجع إلى بعض حاله الأول على يدك فسكت عنهم ساعة وهو مطرق ثم رفع رأسه إليهم وقال لهم إن هذه

__________________

(1) في الرحلة الناصرية بإسقاط والعجائب.

(2) في الرحلة الناصرية قلعة.


البلدة قد نظر إليها الحق وقال لها كوني دكا (1) وأنا لا أقدر أن أعمر ما أذن الله في خرابه فانصرفوا عنه.

قال أبو سالم لقد نظر هذا الملك نظرة عارف وغاص بفكره الفائق في دقائق حكمة الله تعالى الجارية في مملكته فكأنه نظر إلى ما اشتملت عليه هذه المدينة من المرافق الدنيوية واكتنفها من أسباب العمران مع توسطها في الممالك الإسلامية وجمعها بين الأسباب البرية والبحرية والأجناس البدوية والحضرية فبابها الشرقي متصل بأرياف مصر التي هي مزرعة الدنيا التي لا نظير لها وبابها الغربي متصل ببادية برقة الفاصلة بين بلاد المشرق والمغرب فلا بادية في الدنيا تدانيها في اتساع الأقطار وطيب المرعى وصحة الهواء وبابها البحري مقابل لأرض الروم التي تجلب منها البضائع النفيسة فإذا كانت بهذه الحيثية فأسباب العمران متوفرة بها فلا موجب لخرابها إلا إرادة الحق ونظره إليها بعين الجلال لتكبرها واستعلائها على غيرها من البلدان وحق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه وإذا كان خرابها بكلمة كن من الله فلا مطمع للعبد في عمران ما أذن الله في خرابه.

ولعمري إن هذا نظر مصيب وفكر عجيب ولا عجب في ذلك فإن السلطان سليم رحمه الله كان معروفا بإصابة الرأي وثقابة الذهن وجودة التدبير في المملكة وبه فخمت دولة بني عثمان وهو المستولي على الممالك الشامية والمصرية والحجازية وما والاها من البلاد.

وبالجملة فهي من أمهات المدائن المذكورة في الدنيا وهي دار مملكة الديار المصرية قبل الإسلام وبها كان المقوقس الذي كان في زمانه عليه الصلاة والسلام وناهيك

__________________

(1) كذا في نسخة وفي الرحلة الناصرية وأما في الرحلة العياشية ففيها «كذا» وهو الأصوب وفي ثلاث نسخ «ددا» وفي هامش أحداها ما نصه لعله دثارا.


بفخامة ملك بانيها الإسكندر وشهرته واستلائه على الممالك.

وقد ذكر المؤرخون أخباره وأخبار بنائه لهذه المدينة وكيفية بنيانها وانه جعلها مدينتين إحداهما تحت الأرض والأخرى فوقها ظاهرة وإن الماء يجري من النيل أيام فيضه حتى تمتلئ السفى ويستقي من في العليا من تحته وآثار ذلك باقية إلى الآن.

انعطاف إلى ما كنا بصدده وهي إقامتنا بمصر أكثر الشهر من صفر إلى أوائل ربيع الأول إلى العشرين (1) منه والله اعلم فإن مصر أمرها عظيم وحالها غريب كاد أن لا يوجد مثلها وقد ذكرت في القرآن في ثمانية وعشرين موضعا بين التصريح والتلويح لو لا الإطالة لذكرتها تفصيلا ومن أراد ذلك فلينظر حسن المحاضرة وفيها من العجائب والغرائب وحسن الأخبار ونزهة الأنظار وغاية الاعتبار وشوارق (2) الأفكار ما يغني عن اعتبار غيرها.

وقد ذكر السيوطي في هذا الكتاب حدها وقال ما نصه ومما هو معدود في كور مصر كورة القلزم على ثلاثة أيام من مصر خربت ومن أعمال مصر الجليلة (3) الصعيد إلى أن قال

__________________

(1) كذا في ثلاث نسخ وفي نسخة من صفر وأوائل ربيع الأول إلى العشرين وهو الأصوب.

(2) في نسخة وتنوير.

(3) بياض في نسختين وفي غيرهما لم ينبه عنه ولينظر هذا الكلام في حسن المحاضرة فانه وقع هنا حذف كبير.


ذكر من نزل مصر من أولاد آدم عليه الصلاة والسلام

أن آدم أوصى لأبنه شيث فكان فيه وفي بنيه النبوءة والدين وأنزل الله عليه تسعا وعشرين صحيفة وانه جاء إلى أرض مصر وكانت تدعى بابلون فنزل بها هو وأولاد أخيه فسكن شيث فوق الجبل وسكن أولاد قابيل فوق الوادي إلى أن قال.


ذكر من ملك مصر قبل الطوفان

نقراوس وكان عالما بالكهانة والطلسمات ويقال انه بنى مدينة أقسوس وعمل بها عجائب كثيرة منها أنه عمل صنمين من حجر أسود في وسط المدينة إذا قدمها سارق لم يقدر أن يزول عنها حتى يسلك بينهما فإذا سلك بينهما أطبقا عليه فيؤخذ وكانت مدة ملكه مائة وثمانين سنة إلى قال.

وذكر بعض من آلف في أخبار مصر أن سفينة نوح طافت بمصر وأرضها فبارك نوح فيها وأن أولاده سكنوا مصر ومن ولد ولده مصر بن بيصر بن حام وقد دعا له جده فأجيبت فيه دعوته وأسكنه الأرض المباركة وفي بعض التواريخ لما مات مصر بن بيصر كتب على قبره مات مصر بن بيصر بن حام بن نوح بعد الألفين وستمائة عام من الطوفان ولم يعبد الأصنام وهو الذي بنى أهرام دهشور إلى أن ملكها يوسف عليه السلام وهو ابن ثلاثين سنة ثم دخل يعقوب عليه الصلاة والسلام وولده مصر وهم ثلاث وسبعون نفسا بين رجل وامرأة فأنزلهم يوسف بين عين شمس إلى الفرما (1) وهي أرض ريقفية وخرجوا وهمم ستمائة ألف وأن أولاد يوسف ثلاث وسبعون نفسا وخرجوا وهم ستمائة ألف أيضا ويعقوب عاش في أرض مصر ست عشرة سنة ومات ودفن في أرض كنعان فلملك مصر بعده فرعون وكان في عصر يوسف وأدرك يعقوب وهو قبطي من قبط مصر اسمه ظلمي وكان يكنى بأبي مرة من العمالقة واسمه الوليد بن مصهب (2) وكان قصيرا وقد مكث أربعمائة سنة لم يصدع له رأس وكان يملك ما بين مصر إلى إفريقية وكان يقعد على كراسيه مائتان عليهم الديباج وأساور الذهب إلى أن غرق مع جنوده وأما يوسف فقد مات في مصر وحمل إلى بيت المقدس

__________________

(1) في حسن المحاضرة الغرما.

(2) كذا في ثلاث نسخ وفي نسخة مصعب وفي حسن المحاضرة مصعت.


بعد أن دفن بها نحوا من مائتين وعشرين سنة إلى أن قال.


ذكر من دخل من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مصر

منهم إدريس وإبراهيم الخليل وإسماعيل ويعقوب ويوسف واثنا عشر نبيا من ولد يعقوب وهم الأسباط ولوط وموسى وهارون ويوشع بن نون ودانيال وأرميا ولقمان على ما قاله بعضهم واختلف في نبوءته وأما من الصديقين فذو القرنين أي دخلها والخضر وفي نبوءتهما خلاف والقول بنبوءة الخضر حكاه أبو أحيان عن الجمهور وجزم به الثعلبي وقال ابن عباس ومحمد بن إسحاق انه نبي مرسل ونصر هذا القول أبو الحسن الرماني ثم ابن الجوزي وإن ذا القرنين دفن في الإسكندرية ومات بأرض بابل ثم حمل إليها وقد قيل أنه عاش ألف سنة وقيل ألفا وستمائة سنة وقيل ثلاثة آلاف سنة وأما النساء فقد دخلن مصر مريم وسارة زوج الخليل وآسية امرأة فرعون وأم موسى وقد قيل بنبوءتهن حكى ذلك الشيخ تقي الدين السبكي في فتاويه المعروفة بالحلبيات وقد قال ابن عبد الحكم يقال أن موسى عليه السلام قتل عوجا بمصر أعني عوج بن بيصر وكان طول سرير عوج ثمانمائة ذراع وعرضه أربعمائة وكان طول عصا موسى عشرة أذرع وطوله كذلك فضربه فأصاب كعبه فخر على نيل مصر وقد عاش ثلاثة آلاف سنة وستمائة سنة ولم يعش أحد هذا العمر وقد قيل انه ولد في عهد آدم وانه لما مات وقع جسده على النيل جسرهم سنة.


ذكر عجائب مصر القديمة

وقد قيل أن عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة عشرة منها بسائر البلاد وهي مسجد دمشق وكنيسة الرها وقنطرة طنج وقصر عمان وكنيسة رومية وصنم الزيتون وإيوان كسرى بالمدائن وبيت الريح بتدمر والخورنق بالحيرة والثلاثة أحجار ببعلبك والعشرون الباقية بمصر وهي الهرمان وهما أطول بناء وأعجبه ليس على الأرض بناء أطول منهما وإذا رأيتهما ظننت أنهما جبلان موضوعان ولذلك قال بعض من رآهما ليس شيء إلا وأن أرحمه من الدهر إلا الهرمان فأنا أرحم الدهر منهما وصنم الهرمين وهو بلهوية ويقال بلهنيت وتسميه العامة أبا الهول والفيوم وهي مدينة دبرها يوسف عليه السلام بالوحي وكانت ثلاثمائة وستين قرية على كل قرية منها مصر يوما وليس في الدنيا بلد بني بالوحي غيرها وجبل الطير فيه أعجوبة لم ير مثلها وهي باقية إلى الآن ومنها النيل ومنها الإسكندرية مدينة على مدينة على ثلاث طبقات وليس على وجه الأرض مدينة على مدينة على هذه الصفة سواها وأما الأهرام فهي في زمان شداد بن عاد أي بنيت كما ذكره البعض وإلا فأهل المعرفة لم ينصوا عليها والذي بنى الأهرام سوريد ابن سلهوق ملك مصر وكان قبل الطوفان بثلاثمائة سنة وبناها لسبب فانظره في هذا الكتاب وعليها كتابة منقوشة تفسيرها بالعربية أنا سوريد الملك بنيت الأهرام في وقت كذا وكذا وأتممت بناءها في ست سنين (1) فمن أتى بعدي وزعم انه مثلي فليهدمها في ستمائة سنة وقد علم أن الهدم أيسر من البناء وأني كسوتها عند فراغها الديباج فليكسها بالحصر وأتى بعض الملوك لنقب كوة في الحائط فانفق عليه ألف دينار فوجد ما أنفقه فيه كذلك ولما فتحه المأمون أقام الناس يدخلونه فمنهم من يسلم ومنهم من يموت وقال بعض الشعراء وهو عمارة اليمني :

__________________

(1) في نسخة ستين سنة.


 

خليلي ما تحت السماء بنية
 

 

تماثل في اتقانها هرمي مصر
 

بناء يخاف الدهر منه وكلما
 

 

على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر
 

تنزه طرفي في بديع بنائها
 

 

ولم يتنزه في المراد بها فكري
 

ومن عجائب مصر في الإسلام فتحها في زمان عمر مع كثرة القبط والروم وقلة العرب وكذا المسجد الجامع الذي بناه عمرو بن العاص وكذا جبل يشكر الذي عليه جامع ابن طولون يقال انه قطعه من الجبل المقدس ويشكر رجل صالح وإن هذا الجبل يستجاب فيه الدعاء وكان يصلي عليه التابعون وقد أشار ابن الصلاح على ابن طولون أنه يبني جامعه فيه.

ومن عجائبها أيضا في الإسلام فتح برقة إذ وجه عمرو بن العاص عقبة بن نافع حتى بلغ زويلة وصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين والذي سكن طرابلس وهي برقة لواتة وتفرقت في هذا المغرب وانتشروا فيه ونزلت هوارة مدينة لبدة فسار عمرو بن العاص في الخيل حتى قدم برقة فصالح أهلها على ثلاثة ألف ألف دينار (1) يؤدونها إليه جزية على أن يبيعوا من أحبوا من أبنائهم في جزيتهم ولم يكن يدخل برقة يومئذ جابي خراج وإنما كانوا يبعثون بالجزية إذا جاء وقتها انتهى من حسن المحاضرة بالمعنى ومن عجائب ما وقع في فتح مصر في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما ذكره صاحب عقود الجمان في مختصر أخبار الزمان للعلامة الشيخ محمد الشاطبي ما نصه.

ولما فتحت مصر في خلافة عمر رضي الله عنه استولى عليها عمرو بن العاص فلما دخل شهر يونيه وهو عندهم خير زمان أتى أهلها عمرو بن العاص وقالوا له أن النيل عندنا له سنة لا يفيض إلا بها قال له وما ذلك قالوا إذا انتصف هذا الشهر عمدنا إلى

__________________

(1) في نسخة ثلاثة آلاف دينار.


جارية بكر حسنة فأرضينا أبويها بالأموال وألبسناها الحلي والحلل فألقيناها في النيل فقال لهم إن الإسلام يهدم ما قبله فمكثوا ثلاثة أشهر والنيل لم يفض شيئا فأتى الناس إلى عمرو بن العاص وقالوا أن لم نفعل عادتنا أجدبنا فكتب عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وأعلمه بذلك فأخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بطاقة وكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تفيض بما تفيض فلا تفض وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك فأرسل البطاقة لعمرو بن العاص وقال له ألقها في النيل فألقاها يوم الجمعة فأصبحوا يوم السبت وقد فاض النيل في ليلة ستة عشر ذراعا وقطع تلك العادة من ذلك الوقت ولم يشاهد النيل فاض قط مثل ذلك المقدار إلا مرتين هذه الواحدة والأخرى في زمان موسى عليه السلام لما أهلك الله فرعون وكان عمر يقول الحمد لله الذي وافق مراده مرادنا في أشياء كثيرة أني قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) وكسر الخاء هو المشهور من القراءات وقلت يا رسول الله لو صلينا لبيت الله الحرام فأنزل الله تعالى (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) وقلت يا رسول الله أحجب نساءك فانه يراهن البر والفاجر فأنزل الله آية الحجاب.

قال كعب الأحبار وضع الله في الدنيا أربعة أنهار من الجنة نهر من عسل وهو النيل ونهر من خمر وهو الفرات ونهر من ماء وهو سيحان ونهر من لبن وهو والله اعلم جيحان ذكره في كتاب الهداية وكان عمر رضي الله تعالى عنه مر بعبد يرعى غنما فقال له يا راعي بعني شاة يريد اختباره فقال له العبد أني أجير وليس الغنم لي فقال له عمر قل لسيدها أهلكها الذئب فقال له العبد وأين الله فبكى عمر واشتراه وأعتقه لله وقال له أعتقتك لكلمة في الدنيا ولعلها تعتقك في الآخرة ولم يكن في الخلفاء من يهابه الخلق مثل عمر رضي الله تعالى عنه لأنه كان للأرامل كالزوج المقيم وللأيتام كالأب الرحيم


فلما توفي قال الناس ذهب تسعة أعشار من العلم.

ومن فضائل عمر رضي الله تعالى عنه أنه لم يستطل بلسانه قط على مسلم ما دام في الخلافة بل يعطي الشريف منزلته والوضيع منزلته ولا يخاف في الله لومة لائم ينزل نفسه في مال الدنيا منزلة رجل مسلم ما دام في الخلافة فقيل له أن الله تعالى أولاك على أموال المسلمين فخذ ما تقوم به ضرورياتك فيقول أني كولي اليتيم إن احتجت أكلت وأن استغنيت استعففت والذي قتل عمر هو العلج وكانت خلافته رضي الله عنه عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام مات وهو ابن ثلاث وستين سنة.

وأما مدة خلافة أبي بكر فسنتان وثلاثة أشهر وعشرة أيام ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة وغزواته اثنتان وثمانون غزوة حضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاهده كلها وهي تسعة وعشرون وثلاث وخمسون غزوة في خلافته وقال صلى الله عليه وسلم أخبرني جبريل عن فضائل عمر فقال لو حدثتك عن فضائل عمر ما لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ما نفدت فضائل عمر (1) وأن عمر حسنة من حسنات أبي بكر وكان صلى الله عليه وسلم قال لقد استبشر بإسلام عمر أهل السموات وأهل الأرض وأن الحق لينطق على لسانه وإن من أمتي محدثين وأن عمر منهم والله ما سلك عمر فجا إلا سلك الشيطان فجا غيره وانه اجتمع باويس القرني وذلك بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم وانه يشفع في مثل ربيعة ومضر.

وأما غزوات عمر على ما ذكره المؤرخون فثلاثمائة غزوة منها المشاهد النبوية كلها وهي تسعة وعشرون منها أربع للشام خرج فيها بنفسه ومنها واحدة لفتح بيت المقدس ومنها خمسون للروم ومنها مائتان وأربع وخمسون ببلاد فارس وبلاد الأعاجم

__________________

(1) كذا في نسختين وفي نسخة أخبرني جبريل عن فضائل عمر وان عمر حسنة إلخ وفي أخرى أخبرني جبريل عن خمسين عاما ما نفدت إلخ.


كل ذلك مع أصوات ورجفات لا تكاد تنضبط ولا تفي بذكرها المجلدات.

وأما عثمان فغزواته أربع وخمسون غزوة في البحر (1) وكان له في جميعها وقائع عظام ومحاصرات وحروب لأهل الكفر لا تكاد تنضبط بالذكر واللسان والذي في التاريخ غزواته مائة وعشرون غزوة حضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع المشاهد النبوية إلا بدرا وبيعة الرضوان فانه لم يحضرها لعذر كان به إلخ ما ذكره في هذا الكتاب ويجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف وكان يلقب بذي النورين لأنه تزوج رقية وأم كلثوم بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى إلى القبلتين وهاجر الهجرتين هجرة الحبشة وهي الأولى ثم هاجر إلى المدينة وفضائله لا تعد ولا تحصى ولا تضبط ولا تستقصى ولما كانت الليلة التي قتل فيها رضي الله عنه في يومها رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه وهو يقول يا عثمان فطرك غدا عندنا فقتل رضي الله عنه في ذلك اليوم وهو يوم الجمعة بعد صلاة العصر ودفن يوم السبت قبل الظهر في أيام التشريق من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة.

وأما علي رضي الله تعالى عنه فتولى الخلافة يوم موت عثمان وهو أول من أسلم من الصبيان وأول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد معه المشاهد كلها إلا غزوة تبوك وأسلم رضي الله عنه وهو ابن تسع سنين شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وزوجه ابنته فاطمة الزهراء وبعث معها إليه لما أتته (2) خميلة ووسادة من جلد محشوة ليفا ورحيين وسقاء وجرتين فلما قتل عثمان أتى الناس إليه وقالوا لا

__________________

(1) في نسخة بإسقاط في البحر.

(2) في نسخة بما اتته به.


بدلنا من إمام وأنت أولى بها فأبى عليهم فلم يزالوا به (1) حتى بايعوه بالمسجد وحضر طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص والأعيان كلهم ولم يتخلف عن بيعته إلا معاوية ومن كان معه من أهل الشام وإنما بايعه الناس لقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثرة علمه وفهمه وشجاعته وزهده وحلمه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت مني بمنزلة هارون من موسى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم علي مني وأنا منه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا مدينة السخاء وأبو بكر بابها أنا مدينة الشجاعة وعمر بابها وأنا مدينة الحياء وعثمان بابها وأنا مدينة العلم وعلي بابها إلى غير ذلك مما قاله صلى الله عليه وسلم في شأنه وكان علي رضي الله عنه مشهورا بعلم قلبي أفاضه الله عليه بدعائه صلى الله عليه وسلم له فكان يستخرج من الحروف المقطعة التي في أوائل السور وقائع الغزوات ودقائق المغيبات وليس في العلوم الغريبة علم إلا وينتهي إليه رضي الله عنه وعلي استنبط النحو وأملى على أبي الأسود الدؤلي.

ومن وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم له أكظم غيظك يا علي فيملأ الله قلبك نورا وصدرك علما وحلما ورحمة واستر عيوب الناس فيستر الله عيوبك في الدنيا والآخرة ولا تعير أحدا بما فيه فيبتليك الله ويعافيه جالس الفقراء فإن رحمة الله لا تفارقهم مجالسة الأغنياء تميت القلب وتنسي الموت ومجالسة الفقراء تحي القلب وتذكر ما عند الله من الفضل للسعيد ثلاث علامات قول الحق ولو على نفسه والرغبة في طاعة الله والفرار عن معصية الله وللشقي كذلك جمود العين وقساوة القلب وحب الدنيا وقال أيضا لا فقر أشد من الجهل ولا مال أكثر من العقل ولا ورع أحسن من الكف عن محارم الله ولا معيشة اهنأ من العافية ولا حسنة أعظم من البر وحسن الخلق ولا سيئة أشد من الحدة وسوء الخلق ولا عبادة كالتفكر في عبادة الله وقال أيضا كن

__________________

(1) في ثلاث نسخ عليه.


عالما أو متعلما ولا تكن الرابع فتهلك وهو الذي لا يعلم ولا يتعلم ولا يسمع ووصاياه له كثيرة لا تحصى.

وقال أيضا كيف بك يا علي إذا زهد الناس في الآخرة ورغبوا في الدنيا (1) وأكلوا التراث أكلا لما وأحبوا المال حبا جما الحديث قال اتركهم وما اختاروا واختار الآخرة لنفسي واصبر على مصائب الدنيا وبلواها حتى ألحق بك يا رسول الله قال صدقت اللهم أفعل ذلك به وفضائله لا تعد ولا تحصى بدليل أن الله باهى بعلي ملائكة السبع سموات إلى غير ذلك وهو الذي قتله ابن ملجم الخارجي إذ بن ملجم قال أنا أكفيكم علينا وأما البرك قال أنا أكفيكم معاوية وقال عمرو بن بكر أنا أكفيكم عمرو بن العاص وهم رؤساء الإسلام وذلك أن عليا قتلهم يوم النهروان حتى كاد أن يأتي على آخرهم وهذه الطوائف كلها خوارج وافترقوا في الاعتقاد فكل على الضلال لا سيما من يعتقد ألوهية علي وقد قاتلهم وأحرقهم على ذلك فلم يرجعوا قيل دفن علي وهو أول إمام خفي قبره لأنه أوصى بذلك لعلمه أن الأمر يصير إلى بني أمية فيمثلون بقبره وقبور ذريته.

وقد اختلف الناس في موضع دفنه فقيل في زاوية جامع الكوفة وقيل في بقيع المدينة وقيل بالخيف من منى وقيل حمل إلى بلاد طيء في تابوت على ناقته والله أعلم بذلك كله وكيف كان وأما غزواته فثلاث وثلاثون غزوة حضر المشاهد النبوية كلها وقتل رضي الله عنه سنة ثمان وثلاثين من الهجرة وكانت خلافته أربع سنين وأربعة أشهر وثمانية أيام وأما البرك المتقدم فانه وصل إلى الشام في تلك الليلة وضرب معاوية في المسجد فأصابه على وركه وكان عظيم الأوراك فقطع منه عرق النكاح فلم يولد له بعد ذلك فأخذه وأراد البطشن به فقال له أخبركم أن عليا قتل في هذه الليلة فلا برئ

__________________

(1) في ثلاث نسخ في الأخرة.


معاوية قطع يده ورجله وأطلقه وكان على البصرة يزيد بن معاوية فلما دخل البصرة قتله وقال يولد للبرك ولا يولد لأمير المؤمنين ومن ذلك الوقت أمر معاوية باتخاذ المقصورة وأما ابن بكر فأخذه الناس وجلبوه إلى عمرو بن العاص فقتله بقتل خارجة.

وأما الحسن فقد بويع بعد موت أبيه ثم كتب لمعاوية إلى الشام إن حملت شرطي سلمت لك الأمر لما رأيت في ذلك من جمع كلمة المسلمين ثم اشترط عليه شروطا فقبلها معاوية وحملها له قيل انه أخذ منه مائة ألف درهم وقيل أربعمائة ألف دينار وقيل انه شرط عليه ان يمكنه بما في بيت مال المسلمين فمكنه وقد قال صلى الله عليه وسلم فيه ان أبني هذا السيد ويصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فلما أخذ المال خلع نفسه ورجع للمدينة فعوتب من أجل ذلك فقال اخترت الجماعة على الفرقة وحقن الدماء على سفكها والعار ولا النار ثم بعد ذلك كان يمشي لبيت الله الحرام على رجليه والنجائب تقاد بين يديه من كل جانب عشرين مرة يقول استحيي أن ألقى الله ولم أمش إلى بيته وقد خلع (1) عن ماله مرتين لله وعن نصفه ثلاثا وكانت خلافته ستة أشهر وستة أيام تتميما للخلافة التي أشار إليها صلى الله عليه وسلم فانه قال الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم ترجع ملكا بعد ذلك فكانت خلافة الحسن تمام الثلاثين سنة بعده صلى الله عليه وسلم ومات الحسن رضي الله عنه ابن سبع وأربعين سنة.

فائدة لما بلغ عمر بن عبد العزيز الغاية في العدل والأنصاف والانتصاف حتى انه نزع ما في يد أقاربه من أموال السلطان وعزل من لا يراه أهلا لذلك أعطوا ألف دينار لخديمه الذي كان يأتيه بطعامه وشرابه وقت أفطاره على أن يلقي له السم في أكله وشربه فلما استقر في جوفه قال للخديم ما الذي حملك على هذا قال ألف دينار أعطيتها قال هاتها فاتاه بها فطرحها في بيت المال وقال له أنج بنفسك قبل أن يراك

__________________

(1) في نسخة انخلع.


الناس فيقتلونك بقتلي وكانت زوجه فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تقول والله منذ ولي الخلافة ما اغتسل من جنابة وإنما نهاره في شأن الخلق وليله في عبادة الله.

ولما بلغ به الداء قال أجلسوني فأجلسوه فرفع يديه إلى السماء وهو مستقبل وقال إلهي أنك أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت ولكني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولما كان قبل موته بأيام بعث وفدا إلى ملك الروم فلما أتوه تلقاهم بالجميل إلى أن قال والله الرجل صالح وخير ملك في العرب كان يخاف الله تعالى والله تعالى لا يجمع بين خوفين على عبده ولقد بلغني من بره وفضله وصدقه ما لو كان أحد بعد عيسى يحيى الموتى لكان هو وليس عجبي من الرهبان الذين عبدوا الله في الصوامع ورؤوس الجبال وبطون الأودية وإنما عجبي من ملككم الذي صارت له الدنيا تحت قدمه لكن أهل الخير لا يبقون مع أهل الشر فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر ومات وهو ابن أربعين سنة كانت سيرته كسيرة جده من أمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولقد وجدوا بطاقة مكتوبة بخط أبدع من خط العرب سقطت بردة فانكسرت تلك البردة فإذا فيها ورقة فيها بسم الله الرحمن الرحيم براءة من الله العزيز الجبار لعمر بن عبد العزيز من النار فوضعوها في أكفانه.

ولما توفي رحمه الله قال الفرزدق يرثيه :

أقول لما نعى الناعون لي عمرا
 

 

لقد نعيتم قوام الحق والدين
 

قد حان للرامسين اليوم من رمسوا (1)
 

 

بدير سمعان قسطاس الموازين
 

لم يلهه عمره عين يفجرها
 

 

ولا النخيل ولا ركض البراذين
 

وأما الدولة العباسية فأول من بويع فيهم السفاح واسمه عبد الله بن محمد بن علي

__________________

(1) هكذا في جميع النسخ وفي مروج الذهب «قد غيب الرامسون اليوم إذ رمسوا».


بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم سنة ثلاث وثلاثين ومائة فأخذ في قتل بني أمية ولم ينج منهم أحد إلا مستخفيا كعبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك فر من العباسيين واستخفى ببلاد المغرب ثم قطع إلى الأندلس فقام في قرطبة سنة ثمان وثلاثين ومائة ملكا وملك الأندلس كلها وورث فيه الملك لبنيه وإخوانه فدامت خلافتهم أي بني أمية بالأندلس إلى سنة سبع وأربعمائة نحو الثلاثمائة سنة فظهر الشرفاء بنو حمود بالأندلس فيها سبع سنين فقام عليهم الثوار إلخ ثم بويع أخو السفاح أبو جعفر المنصور ولما كان بطريق الحج جاز بموضع يقال له الصافية فقال صفا أمرنا إن شاء الله وكان عابدا ناسكا بخيلا بالأموال إلا في النوائب وعند مستحقها ولما استقر الملك في يده بنى الخضراء أي قصره الجعفري.

ثم مات وولي ابنه محمد المهدي ابن أبي جعفر المنصور سنة ثمان وخمسين ومائة فكانت خلافته عشر سنين وتمكنت له الخلافة تمكينا عظيما وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنى مدينة بين دجلة والفرات إلخ.

قال أهل التاريخ أن محمدا المهدي ليس هو المهدي الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المهدي مني وأنا منه وقال صلى الله عليه وسلم يكون في أمتي المهدي يعيش تسعا أو سبعا يواطيء اسمه أسمي وأسم أبيه أسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلا قد تسمى بالمهدي محمد بن الحنفية وإليه انتسب جميع خوارج المشرق وقد اختفى في آخر عمره والمهديون كثيرون والثامن منهم هو المذكور المنتظر أجمع عليه العلماء آلف فيه محمد بن العربي الطائي كتابا سماه عنقاء مغرب في معرفة شمس الأولياء وقطب المغرب (1) وهو رجل محقق عارف مشهور في الولاية وهذا المهدي

__________________

(1) كذا في جميع النسخ وفي كشف الظنون وبروكلمان عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب.


المنتظر هو المذكور في الأحاديث لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في أمتي المهدي يحثى المال لطالبه حتى لا تدع السماء في زمانه قطرة إلا صبتها ولا تدع الأرض نباتا إلا أخرجته حتى يتمنى الأحياء أن ترجع أمواتهم للدنيا وقال صلى الله عليه وسلم يكون اختلاف عند موت خليفة فيبايع الناس رجلا بمكة وهو كائن بين الركن والمقام وغير ذلك من الأحاديث المشهورة في ذكر الفاطمي المهدي وإنما ذكرنا هذا لئلا يظن أن المهدي واحد وقد قال صلى الله عليه وسلم لا مهدي ولا عيسى ومعناه لا مهدي كعيسى كقول القائل لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي أي لا سيف كذي الفقار ولا فتى كعلي هذا معناه.

[ثم بويع لموسى الهادي يوم مات أبوه وكان سنه أربعا وعشرين سنة بعهد من والده](1) وتوفي موسى الهادي ولم تكن ولايته إلا سنة وخمسة وأربعين يوما.

وبويع هارون الرشيد يوم موت أخيه موسى الهادي بولاية أبيهما لهما وولد لهارون الرشيد في تلك الليلة عبد الله المأمون فمات في تلك الليلة خليفة وتولى خليفة وولد خليفة في وقت واحد ومن حلمه وعفوه أن رجلا قام عليه في أطراف مملكته ومالت عنه كافة الخلق إلى ذلك الرجل فجهز له الجيوش وأنفق عليه الأموال العظام ولم يزل حتى أخذه بعد حروب كثيرة مات فيها أبطال هارون فلما أتي به إليه قال له هارون ما تريد أن أصنع بك الآن قال اصنع ما تريد أن يصنع الله بك بين يديه غدا قال هارون إنما أريد أن يعفو الله عني قال له وأنا أريد أن تعفو عني قال له قد عفوت عنك أذهب حيث شئت فلما خرج قال وزراءه هذا الذي أجرى عليك الفساد وقطع أبطالك وخسرت عليه أموالك حتى مسكته ثم أطلقته فأمر به فرد إليه فقال له يا أمير المؤمنين إن الملوك إذا عفوا لم يندموا فإن كان هؤلاء قد أندموك فلا تطعهم فإن الله لو

__________________

(1) ما بين القوسين لا يوجد إلا في نسخة واحدة.


أطاع الخلق فيك ما ولاك قال صدقت ثم أمر له بصلة من المال وصرفه على خير وكان شجاعا مجاهدا في الكفار وله وقائع عظيمة ومن يوم ولايته لا ينام حتى يوتر ولا يوتر حتى يصلي مائة ركعة وكل ليلة يتصدق بألف درهم.

وقد قال الغزالي لما هنأه العلماء في الولاية تخلف سفيان الثوري وكان أخا له في الله فكتب له هارون بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى أخي سفيان الثوري أما بعد فقد علمت أن الله تعالى آخى بين المؤمين وكان فيما بيني وبينك مؤاخاة لم نصرم منك حبك ، ولم نقطع منها ودك وأني منتظر لك ، وقد علمت بفضل المحبة ولو لا قلادة الإمارة لأتيتك وقد زارني جميع الناس وإخواني وأعطيتهم الجوائز السنية وأنني انتظرك وقد استبطأتك فلم تأتيني فكتبت شوقا مني إليك ولقد علمت فضل زيارة المؤمن ومواصلته فإذا ورد عليك كتابي هذا فالعجل العجل فلما وصل الكتاب للكوفة لسفيان كتب له في ظهر كتابه بسم الله الرحمن الرحيم من العبد الميت سفيان بن سعيد بن منذر الثوري إلى العبد المغرور هارون الرشيد الذي سلب حلاوة الإيمان أما بعد فأني قد صرمت حبلك ، وقطعت ودك ، وخليت موضعك ، وأنك قد جعلتني شاهدا عليك بإقرارك على نفسك بأنفاقك بيت مال المسلمين على غير حقه وانفدته بغير حكمة ثم أشهدتني وإخواني الذين شهدوا قراءة كتابك على نفسك (1) غدا بين يدي الله يا هارون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم فهل رضي بذلك الفقراء والمساكين والمؤلفة قلوبهم والعاملون عليها والمجاهدون في سبيل الله وابن السبيل والأرامل والأيتام أم رضي بذلك خلق من رعيتك فاعمل للمسألة جوابا ، وللبلاء جلبابا ، عند وقوفك بين يدي الملك العدل وقد سلبت حلاوة العلم ولذيذ القرآن ومجالسة الأخيار ورضيت لنفسك أن تكون

__________________

(1) هكذا بياض في نسختين ولم ينبه عنه في غيرهما.


ظالما وللظالمين إماما فجلست على السرير ، ولبست الحرير (1) ، وأسلبت الستور ، وأقعدت الأجناد على بابك يظلمون ولا ينصفون ويشربون الخمر ويجلدون الناس عليها ويزنون ويحدون الزناة ويسرقون ويقطعون السارق وأنت شريكهم في ذلك كله لأنك لم تحكم عليهم ولا بد من النداء غدا وامتازوا اليوم أيها المجرمون أي الظلمة وأعوان الظلمة فتتقدم بين يدي الله ويداك مغلولتان إلى عنقك لا يفكهما إلا عدلك وأنصافك والظالمون حولك وأنت سائقهم إلى النار وقد جعلت حسناتك في ميزان غيرك وسيئات غيرك في ميزانك على سيئاتك بلاء على بلاء وظلمة على ظلمة واحتفظ بوصيتي اتعظ بموعظتي فأني قد نصحتك واتق الله في نفسك وفي رعيتك وأحفظ محمدا في أمته وأحسن الخلافة عليهم وأعلمهم أن هذا الأمر لو تركته لغيرك لم يصل إليك وهو صائر إلى غيرك لا محالة لأن الدنيا تنتقل بأهلها واحدا بعد واحد فمنهم من تزود زادا نفعه ومنهم من خسر الدنيا والآخرة أني أحسبك ممن خسر الدنيا والآخرة ولا تكتب إلى كتابا بعد هذا فلا أجيبك عليه والسلام ثم دفعه للذي جاء به وهو عباد الطيالقي منشورا غير مطوي ولا مختوم فوقعت الموعظة في قلب عباد وخرج للسوق ولبس مدرعة صوف خشنة وعباءة ونزع ثياب الأجناد وألقاها على البرذوة وساقه (2) خلفه إلى هارون فلما رآه الناس هزؤوا به وهو لا يبالي بقولهم فلما دخل على هارون صاح صيحة عظيمة وبكى هارون وقال انتفع الله الرسول وخاب المرسل ما لي وللدنيا مالي وملك يزول عني ثم أخذ الكتاب وجعل يقرأه ويبكي وينتحب فقيل له يا أمير المؤمنين قد اجترأ عليك سفيان فقال اتركوني يا عبيد الدنيا المغرور والله من غررتموه والشقي والله من اشقيتموه اتركوا سفيان وشأنه ثم لا زال يفتح كتاب سفيان ويقرأه وهو يبكي وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وأياما ولد بالري ومات بطوس

__________________

(1) في ثلاث نسخ الأثير.

(2) كذا في ثلاث نسخ وفي نسخة أمامه.


وهو ابن سبع وأربعين سنة ومات سنة ثلاث وتسعين ومائة من الهجرة.

وبويع محمد الأمين يوم موت أبيه هارون الرشيد فلما استقرت له الخلافة ألقى (1) أخاه المأمون على كور خراسان وكانت ولايته أربع سنين وثمانية أشهر فلما صارت له الخلافة وبلغ ماله الفضل بن الربيع أغرى أخاه المأمون في بلاد خراسان فخالف عبد الله المأمون على أخيه محمد الأمين فحاصره في بغداد وجرت بينهم وقائع عظام إلخ.

قال أهل التاريخ قتل الأمين وهو ابن ثمان وعشرين سنة فلم يشتغل بولاية إلا باللهو والطرب ، واللذة واللعب ، وهي علامة الخراب قال الشاعر :

إذا ترى ملكا باللهو مشتغلا
 

 

فأحكم على ملكه بالزيل (2) والخرب
 

أو ما ترى الشمس في الميزان ساقطة
 

 

إذ كان ذلك بيت اللهو والطرب
 

وبويع عبد الله المأمون وبايعه جميع العلماء والأمراء في كل بلد إلا الأندلس لبعده ولفضل البحر بينه وبينه وكان فقيها عالما لا سيما علم النجوم فانه لا نظير له فيه إلا أنه كان معتزليا يقول بخلق القرآن ويعاقب من لم يقل به ولم يكن في العباسيين أعلم منه وقد تبع شيخه أبا الهذيل البصري المعروف بالعلاف رئيس المعتزلة وفي ولايته أمر بأحضار أحمد بن حنبل بعد أن اختفى فدعا عليه فمات في ليلته.

وفي خلافة المأمون مات الإمام الشافعي وهو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف رحمه الله سنة أربع ومائتين وهو ابن أربع وخمسين سنة.

وبويع إبراهيم المعتصم بالله بن هارون الرشيد يوم موت أخيه عبد الله المأمون

__________________

(1) كذا في ثلاث نسخ وفي نسخة أولى.

(2) في نسخة بالنقض.


بالموضع الذي مات فيه في غزوة بلاد الروم وكانت ولايته ثماني سنين وثمانية أشهر وكان أشجع الناس أعطاه الله قوة زائدة على الخلق وكان أميا لا يقرأ وقد رفع الحمار الواقع في الطين لقوته وشدة تواضعه وهذا الحمار لشيخ كبير السن فلما أخرجه غسل أطرافه وأمر له بأربعة آلاف درهم وهو يدعو له ومع ذلك أمر بعض خدامه به إلى أن أوصله إلى بيته وكان يجتمع عليه الأتراك ويلبسهم الديباج وغيرهم من العساكر مما لا يحصى عددا وفي سنة ست وعشرين ومائتين مات بشر الحافي رضي الله عنه ببغداد ومحمد بن كثير المدني وأبو دلف وعشرون من الأئمة وفيها مات المعتصم بقصده الخاقاني وكان قبض على الإمام أحمد رضي الله عنه وكان في سجن أخيه المأمون منذ ثمانية وعشرين شهرا فأخرجه المعتصم وأقام له مجلسا للمناظرة وبقي ثلاثة أيام يراوده على القول بخلق القرآن فأبى فأمر بضربه فضرب ثمانية وثلاثين سوطا وسقط كأنه مغشي عليه فنخسه السياف برأس السيف فلم يتحرك فأيسوا من حياته ورموه فحمل لمنزله فاستفاق ولم يبرأ الضرب من ظهره حتى مات رحمه الله بعد سنين متطاولة.

قال ابن الجوزي ولد الإمام أحمد سنة أربع وستين ومائة وتوفي سنة أحدى وأربعين ومائتين ولم يمت حتى جعل كل من ضربه أو تسبب في ضربه في حل وحضر جنازته ثمانمائة آلاف من الرجال وستون ألفا من النساء وأسلم يوم موته نيف وعشرون ألفا من اليهود والنصارى والمجوس وكان أكثر دعائه اللهم يا رب كل شيء بقدرتك على كل شيء أغفر لنا كل شيء ولا تسألنا عن شيء.

ولما مات المعتصم وتولى بعده الواثق بالله شدد على الإمام أحمد أكثر مما شدد عليه المعتصم إلى أن مات الواثق بالله وولي المتوكل على الله فأمر بإخراجه من السجن وأكرمه وقد شرب ثمانية وثلاثين سوطا وغشي عليه فبلغ الضرب ثمانين سوطا ولم يحس به فظنوا أنه ميت وهذه عادة الأكابر من أولياء الله تعالى ليعظم ثوابهم في


الآخرة.

وكذا ابن المسيب حلقت لحيته وربط إلى خشبة في ليلة باردة والماء يقطر عليه وسكنته علة البرد حتى مات وكذا ربيعة ضرب وحلقت لحيته وضرب ابن سيرين ومحمد بن المنكدر ومالك بن أنس ويحيى بن أبي كثير ووهب بن منبه وعبد الرحمن بن الأسود وابن أبي ليلى وثابت البناني وبهلول بن راشد وخلق كثير وذلك كله من غير جريمة ولكن بلاء من الله وكرامة لقوله صلى الله عليه وسلم نحن معاشر الأنبياء اشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل.

وبويع الواثق بالله واسمه هارون بن محمد بن هارون الرشيد وكانت خلافته خمس سنين وستة أشهر وهو الذي قطع القول بخلق القرآن وأظهر السنة وكان واسع المعروف متفقدا للرعية.

ومن وصية شيخه لا تدع إحسان محسن عدوا كان أو صديقا وخذ الحق من الوضيع والرفيع وخذ من كل شيء أحسنه حتى من الكلب والخنزير والغراب فمن الكلب الإقرار بالمعروف ومن الخنزير البكور إلى المنافع ومن الغراب شدة الحذر إلخ.

وبويع المتوكل على الله بن جعفر المنصور فلما بويع قطع القول بخلق القرآن وأظهر السنة وصار يقتل المعتزلة حتى فقدت المعتزلة ولا لهم ذكر غير انه كان يكره عليا فكان ذلك سببا في قتله على يد ولده المنتصر وكانت خلافته أربع عشرة سنة وكان كثير الأكل كسليمان بن عبد الملك والحجاج وغيرهم حتى انه يأكل في اليوم مائة رطل من الطعام بالعراقي وفي أيامهم رجفت دمشق ومات بالهدم فيها خلق كثير وفيها أيضا انكفأت قرية من دمشق على أهلها فلم ينج منهم أحد وكذا زلزلت انطاكية فمات منها ما يزيد على عشرين ألفا بالردم وفي ولايته أيضا وقع حجر من السماء في ناحية


طبرستان وزنه ثمانمائة وأربعون مثقالا وقد غاص في الأرض أربعة أذرع وسمعت هدته على مسيرة ستة عشرة فرسخا وفيها أيضا خسفت ثلاث عشرة قرية من قرى القيروان فلم ينج منهم إلا أربعة عشر شخصا فأسكنهم أمير القيروان خارج المدينة وقال لهم أنتم من المغضوب عليهم فلا تدخلوا عندنا وفيها أيضا رجمت قرية من نواحي مصر بخمسة أحجار في كل واحدة خمسة أرطال وأحرقت كل ما مسته وكذا طائر أبيض دون الرخمة وفوق الغراب يصيح بلسان عربي مبين أيها الناس اتقوا الله إلخ وكذا سقط طائر أبيض على جنازة رجل يصيح بالفارسية إن الله يغفر لهذا الميت ولمن حضر جنازته وكذا زلزلت انطاكية فسقط فيها ألف وخمسمائة دار ووقع من سورها نيف وتسعون برجا ولما بنى قصر الجعفرية قال لأبي العيناء كيف ترى هذا القصر قال القصر في الدنيا وأنت تبني الدنيا في القصر وفي ولايته مات أحمد بن حنبل رضي الله عنه ودفن بباب حرب بالجانب الغربي.

وبويع المنتصر بالله بن جعفر المنصور سنة سبع وأربعين ومائتين وكانت ولايته ستة أشهر ولما رجع من حجه دخل الحمام ثم احتجم فحم فمات من فوره وقيل احتجم بحديدة مسمومة.

وبويع ابن عمه المستعين بالله بن المعتصم يوم موت المنتصر وذلك سنة ثمان وأربعين ومائتين.

وبويع محمد المعتز بالله ابن المتوكل على الله سنة اثنتين وخمسين ومائتين وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر أيامه أيام فساد وفتنة.

وبويع جعفر (1) المهتدي بالله سنة خمس وخمسين ومائتين وقد قطع الملاهي وقطع

__________________

(1) كذا في جميع النسخ والمشهور في كتب التاريخ ان اسمه محمد بن الواثق.


شرب الخمر من جميع بلاده وطاعته ونفى المغنين والمغنيات حتى لم يدع في أيامه منكرا ولا باطلا وكان يقول استحيي أن يكون في بني أمية عمر بن عبد العزيز ولا يكون في بني العباس مثله وكان يصوم الدهر ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فلم يرد ذلك الأتراك فهربوا منه لما قطع عليهم الخمر وخالفوا عليه فهرب أهل الفساد إلى الترك وأهل الصلاح إلى المهتدي ووقع بينهم الحرب العظيمة واشتدت الفتنة وانقطعت الطرق وحاصروه في قصر الخلافة بعد ان قتل من المغاربة الذين معه خلق كثير وقتل من أبطاله نحو الأربعة آلاف فخرج المهتدي بالمصحف في يده يدعو إلى الحق وإلى نصرة الدين فغدره طبيع أخو بابك وأخوه حيا وحملوه إلى دار الخلافة وربطوا انثبيبه حتى قتلوه وكانت خلافته أحد عشر شهرا وأياما.

وبويع المعتمد على الله أحمد بن المتوكل على الله يوم قتل عمه المهتدي بالله فاستوزر ابن عمه الموفق بالله ولم يدع لنفسه إلا اسم الخلافة فلما مات الموفق بالله استوزر ابنه المتفضل بالله إلخ وكان مولعا بالطرب وآلاته والغناء ونغماته فانظر أنواعه في هذا الكتاب وقد قيل :

من لا يهيجه الروض وأزهاره
 

 

ولا يسليه العود وأوتاره
 

فذلك فاسد المزاج
 

 

فما لداء علته علاج (1)
 

فقال المعتمد أحسنت فكم هي إيقاعه وطرقه الثقيل الأول وخفيفه والثقيل الثاني وخفيفه والرمل الأول وخفيفه والهزج وخفيفه إلخ وما كان اشتغاله إلا بأمور اللهو.

وبويع المعتضد بالله واسمه أحمد سنة تسع وثمانين ومائتين وكانت ولايته ست سنين وستة أشهر وفي أيامه وأيام ابنه بعده صلحت الدنيا واخذ الناس بالملاطفة

__________________

(1) كذا في جميع النسخ فليحرر.


والرفق فارتفعت الحروب ورخصت الأسعار إلا انه كان شحيحا بخيلا وكان كثير الجماع فاعتل من ذلك ومات وفي هذه السنة وقعت زلزلة بمدينة (1) مات من أهلها في ليلة واحدة بالردم مائة وخمسون ألفا.

وبويع ابنه المكتفي بالله بمدينة السلام واسمه علي بن أحمد وكانت ولايته خمس سنين ونصفا (2) قام عليه القرمطي ابن مهرويه (3) فخرج على طريق الركب وأخذ الحجيج فخرج إليه المكتفي وأخذه وقتله شر قتلة وكان يحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويكرم ذريته ويحسن إليهم ولما قتل القرمطي مرض بالدرب ومات.

وبويع أخوه المقتدر بالله وهو ابن ثلاث عشرة سنة ولم يبايع أحد قبله أصغر منه سنا فقام عليه المرتضى بالله مع يونس الخادم ثم بقيت الخلافة له بعد هروب يونس الخادم أربعا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا ثم قتله يونس الخادم بقتل المرتضى.

وبويع محمد القاهر بالله فكانت ولايته سنة وستة أشهر ولما ولي (4) المقتدر وعذبها حتى ماتت ثم (5) أخذ في ارتكاب الفواحش واستباح المحرمات مما لا يحل ذكره في الإسلام فقامت العامة مع الأجناد فخلعوه وسلبوا جميع الأموال واستباحوا دار الخلافة فكان بعد ذلك يطلب الصدقة على باب جامع بغداد بعد ست سنين ونصف نعوذ بالله من سوء القضاء.

وبويع أحمد الراضي بالله ابن المقتدر بالله.

__________________

(1) بياض في جميع النسخ.

(2) كذا في جميع النسخ.

(3) كذا في جميع النسخ.

(4) بياض في جميع النسخ.

(5) في نسخة بإسقاط وعذبها حتى ماتت ثم.


ثم بويع المتقي بالله وكنت خلافة الراضي ثلاث سنين غير شهر وخلافة المتقي ثلاث سنين وأحد عشر شهرا.

وبويع عبد الله المستكفي بالله فكانت خلافته سنة ونصفا.

وبويع أبو الفضل المطيع بالله ودام فيها ثلاثين سنة.

وبويع عبد الكريم الطائع بالله يوم خلع أبيه نفسه وذلك سنة أربع وستين وثلاثمائة وهو في سن الخمسين أكبر سنا من العباسيين ثم أصابه داء الفالج إلخ.

وبويع أبو العباس أحمد القادر بالله وكان كثير الدين والصدقة يحب الفقراء ويوثر التبرك بهم ودام في الخلافة إحدى وأربعين سنة وثمانية أشهر توفي ابن سبع وثمانين سنة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وله مصنفات في إقامة السنة وذم المعتزلة والروافض وكان يختم القرآن في كل جمعة.

وبويع ابنه القائم بالله وكان يحب الصالحين ويعز العلماء ويحترمهم غاية الاحترام وما تجرد من ثيابه لنوم منذ ولي الخلافة إلى أن توفي سنة سبع وستين وأربعمائة وكانت خلافته أربعا وأربعين سنة وثلاثة أشهر.

وبويع ابن ابنه المقتدي بأمر الله يوم موت جده وكانت أيامه طيبة وعمرت بغداد.

وبويع المستظهر بالله ابنه بأمر أبيه كان محبا للصالحين وقطع الظلم في زمانه جملة وأنصف المظلوم من الظالم لين الجانب مع الرعية يجري في الخير دائما فدامت خلافته خمسا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وتوفي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.

وبويع ولده المسترشد بالله وكان شجاعا مهابا إلى أن قتلوه مكرا.


وبويع ابنه الراشد بالله جعفر بن المسترشد بالله إلى أن قتله القدرية ولما مات ترك بضعا وعشرين ولدا من الذكور.

وبويع بعده عمه المقتفي بالله وإنا سمي بذلك لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قبل خلافته بسبعة أشهر فقال له يصلك هذا الأمر فاقتف فكان لا يخالف السنة في أمر الملك وفي دولته زلزلت الأرض فمات فيها بالردم مائتا ألف وثلاثون ألفا وزلزلت مرة أخرى في حلوان (1) حتى تقطعت الجبال وهلك بها أكثر الخلق وزلزلت من الشام ثلاثة عشر بلدا منها ما هلك جميعه ومنها ما بقي منه القليل.

وبويع بعده أبو المظفر يوسف المستنجد بالله بعهد أبيه له بذلك.

ومن عجائب ما رأى ليلة موت أبيه رأى ملكا في صفة شخص نزل من السماء وكتب له في يده أربع خاآت في الألفاظ الأربعة (أي يلي الخلافة سنة خمس وخمسين وخمسمائة) وكان ذا عدل وإنصاف خلافته إحدى عشرة سنة.

وبويع ابنه علي المستضيء بنور الله ولم يكن في الملوك العباسيين من يعظم العلوم مثله توفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة وكانت خلافته تسع سنين ونصفا واحتجب عن الناس فلا يدخل عليه إلا وزيره.

وبويع ابنه أحمد الناصر لدين الله فبسط العدل وغير المنكرات وكسر آلات الملاهي والطرب وأزال المكوسات في جميع البلاد فكثرت الأرزاق ورخصت الأسعار وعمرت بغداد وسعد الخلق في أيامه ودامت خلافته سبعا وأربعين سنة إلى أن توفي سنة اثنتين وعشرين وستمائة وهو ابن سبعين سنة وكان يدور بالليل في

__________________

(1) كذا في جميع النسخ.


الأسواق ويحرس البلد بنفسه وفي جميع البلاد عيون تستخبر الخلق في ظلم الرعية حتى ظن الناس أنه من أهل الكشف ثم أصابه داء الفالج فيه ستين سنة إلى أن مات (1).

وبويع ابنه الظاهر بأمر الله يوم موت أبيه وكان في سيرة أبيه فدامت خلافته ثمان عشرة سنة وصلته كثيرة لا سيما العلماء وحبس الأحباس على المدارس والمساجد وكان جنده ألف (2) فارس وخطب له بالأندلس وبالمغرب الأقصى ثم هجم عليه حاجبه فقتله سنة ست وخمسين وستمائة.

وبويع بعده ابن عمه المستعصم بالله وهو آخر الخلفاء العباسيين العراقيين وكانت دولتهم خمسمائة سنة وعشرين سنة.

وبويع المستكفي بالله سليمان بن الحاكم بأمر الله واستمر في الخلافة سبعا وثلاثين سنة وتوفي سنة إحدى وأربعين وسبعمائة.

وبويع المستعين بالله ونزل بالإسكندرية فبقي بها إلى أن مات بالطاعون سنة ثلاث وستين وسبعمائة.

وبويع المعتضد بالله أبو الفتح وألقى في موضعه أخاه المستعين بالله واستقرت الخلافة للمعتضد حتى مات سنة خمس وأربعين وثمانمائة.

وبويع المستكفي بالله العباسي بعد موت أخيه المعتضد سنة خمس وأربعين وثمانمائة.

قال الصفدي فكانت عدة ملوك العباسيين سبعة وثلاثين خليفة وكانت مدتهم

__________________

(1) كذا في جميع النسخ.

(2) كذا في ثلاث نسخ وفي نسخة مائة ألف.


خمسمائة سنة وعشرين سنة كما سبق وأول من تسمى باسم الإضافة إلى اسم الجلالة المعتصم انتهى من عقود الجمان في مختصر أخبار الزمان للعلامة الشيخ محمد الشاطبي باختصار من أبواب شتى والتقاط من نصوص فصوص الأسطار ، مع التقديم والتأخير بحسب ما ظهر للأنظار ، وذلك كقطرة من أقطار البحار ، وإنما نقلت ذلك وأسسته هنا أي في رحلتي هذه تبركا بهم واغتناما ، وتكريما لهم وتعظيما واتخذت ذلك بين بني أمية وبينهم سبيلا قواما.

وأما ملوك مصر وهم العبيديون الذين تسموا الفاطميين فسأذكرهم بعد إن شاء الله عند التحدث عن أحوال تونس إن يسر الله ذلك وهم ليسوا من ذرية فاطمة ولكن من ذرية علي وسبب تسميتهم بذلك في هذا الكتاب.

ومن عجائب ما قع في الأرض جزيرة الأندلس دارت بها البحور من كل جهة وليس لها إلا باب واحد من ناحية المشرق ووسعه مسيرة يومين.

ومن عجائب النيل أن جميع أنهار الدنيا تجري للمشرق أو المغرب ولا يجري للشمال نهر إلا النيل فانه يشق خط الاستواء ويسير إلى بلاد الحبشة إلى بلد كوكو إلى أسوان إلى مصر إلى أن يقع في بحر الروم من مدينة تنّيس ومدينة دمياط وإذا قل ماء جميع الأرض تقوى النيل وزاد وفاض فيخرج على الأرض عشرين ميلا وأكثر وأقل بحسب انخفاض الأرض وارتفاعها وفيه سمك كبير يمسح السمك بجناحيه ثم يلتقمه بفيه والنيل ينزل من جبال الذهب المجلوب منها التبر وتسمى جبال توتا ثم ينتهي إلى جبل الأركان إلى الزنج إلى الحبشة إلى مصر إلى البحر.

وأما صحاري هذه الجزيرة فعجائبها لا تسع هنا وقد شق هذه الجزيرة جبل درن وهو من أكبر جبال الدنيا الطرف الغربي منه متصل بالسوس والطرف الشرقي ينتهي


إلى قرب مصر وفيه معادن مختلفة من جميع أحجار الأرض وأجناسها وقد عمرت البربر هذا الجبل من أوله إلى آخره وأكثرهم من ناحية المغرب الأقصى وأحوال البربر من ملوكهم وقوادهم وعلمائهم وقضاتهم مما يبهر العقول.

وقد أدعى النبوءة من البربر ثلاثة صالح بن طريف ، وعاصم بن جميل ، وحميم بن من الله ، وقد شرع لهم شرائع صلاتين غدوة وعشية وصوم الاثنين والخميس وعشرة أيام من رمضان وأحل أكل الخنثى من الخنازير وأمر بتذكية الحوت وحرم رؤوس الحيوانات كلها فقتله الناصر الأموي وقتل كل من معه ممن خالف السنة ثم أهلك الله الجميع والبربر قد تدينوا قبل الإسلام بأديان شتى فمنهم من تنصر ومنهم من تمجس ومنهم من تهود ومنهم من كان كالبهائم لا دين له وإنما أسلموا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ بعث عقبة بن نافع القرشي إلى إفريقية بعد أن فتحها المسلمون في خلافة عثمان بن عفان.

فنزل أرض القيروان فاختارها للعمارة وكانت لا يأويها إلا الوحوش والهوام فصار يقول لها أخرجي أيها الوحوش والهوم بإذن الله تعالى فبقيت أرض القيروان أربعين سنة لم ير فيها شيء من الهوام المؤذية ولا السباع العادية ثم شرع في بناء مدينة القيروان وقال لهم هذا أوسع لإبلكم وأمان عليكم من روم القسطنطينية وإفرنج الجزيرة الخضراء فتوجه عقبة إلى المغرب يستفتح مدينة بعد مدينة وهو يقاتل البربر فاقتتلوا قتالا عظيما فانهزم البربر فكان قتال المسلمين لهم ذريعا وانهزم البربر والمسلمون خلفهم بالقتل والسبي إلى أن وصلوا إلى البحر المحيط الغربي من بلد أسفي فأدخل عقبة قوائم فرسه في البحر ثم انصرف راجعا لا يقدر أحد أن يعترضه فلما وصل جبل أوراس بإفريقية قتله كسيلة ابن كمر الأوراسي ابن المصوار بموضع يقال له تهودة وذلك سنة ثلاث وستين من الهجرة.


ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخير بقوة دين البربر ما روت فاطمة عنه في قصة جاريتها التي أعطتها صدقة وهي معلومة وقالت لها أمضي إلى السوق من يقبل منك صدقة فأنيني به فمضت وهي تقول من يقبل صدقة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل مغربي أنا موضع صدقة آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطته الصدقة وقالت له أجب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال السمع والطاعة فلما بلغ إلى الباب نظرت إليه فاطمة رضي الله عنها وبكت وقالت هذا رجل بربري وقد قال لي والدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل نبي حواريون وحواريو ذريتي البربر يا فاطمة سيقتل الحسن والحسين ويفر أولادهم فلا يأويهم أحد إلى البربر فيا شؤم من فعل بهم ذلك وطوبى لمن أكرم ذريتي وأعزهم إذ إنهم سيقومون بهذا الدين على المنهج الواضح وكأني أنظر إلى البربر على الخيل الشهب على رؤوسهم العمائم والنصر أمام أربعين حتى يربطوا خيلهم بزيتون فلسطين ويقسمون الغربيات المنقيات ويبيعونهم بالدراهم والفلوس إلى غير ذلك مما روي عنه صلى الله عليه وسلم في جزيرة الأندلس وبحيرتها.

ومنها يخرج النيل الذي لا أعجب منه ولا أكبر منه نهرا في الدنيا وهو من عجائب صنع الله تعالى ويتفرع منه أنهار إلى بلاد النوبة وإلى بلاد جاوة وهي جزيرة وسط البحر قد دارت بها البحور من كل الجهات فمن المشرق بحر القلزم الأخذ من باب المندب على اليمين إلى مدينة الطور إلى عجرود ومن جنوبها وغربها البحر المحيط الذي لا يعلم أين منتهاه إلا الله تعالى ومن جهة الشمال بحر الخزر وهو بحر الإفرنج إلى بلد القدس من ناحية الشام وفي وسط هذه الجزيرة صحاري السودان الحاجزة بين السودان والبربر وقد قال صلى الله عليه وسلم إن بأقصى الأرض جزيرة يقال لها الأندلس سيكون فيها رجال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر حيهم سعيد وميتهم شهيد ثم يتوارثها قوم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف والذي نفسي بيده


كأني أنظر إلى نسائهم كاشفات الرؤوس لا يدرون أين يهربون ولا يجدون مهربا (1).

ومن فضائلها ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جزيرة المغرب منقطعة يقال لها الأندلس يسكنها أقوام غرباء في آخر الزمان رباط يوم وليلة فيها يعدل عند الله عبادة خمسين سنة النائم فيها مع عياله على فراشه كالضارب منكم بالسيف بين يدي أو كالصائم القائم في غيرها فطوبى لمن أدركه أثر قدم فيها كأثر شهيد متشحط في دمه وشهداؤها أفضل الشهداء هي الجزيرة الخضراء الزهراء وأن الريح لتحمل أرواحهم إلى بيت المقدس إلى يوم القيامة فيبعثون مع النبيين إلى غير ذلك من فضائلها.

وإنما ذكرت هذه [يعني إفريقية](2) لوجود النيل منها والنيل أعجب ما في مصر وقد ذكرت بعض عجائبها لأن كثيرا من عامة الطلبة بل الخاصة منهم لا يعلمون عجائبها أصلا لا سيما أهل بلادنا فإن علم التاريخ منعدم فيهم وساقط عندهم فيحسبونه كالاستهزاء أو اشتغالا بما لا يعني أو من المضحكة المنهي عنها فترى المتوجه منهم إلى الله يرى الكلام فيه مسقطا من عين الله تعالى.

نعم ليس من علم يذكر إذ (3) لا طائل فيه أصلا بلا بنفس ذكره عندهم ينكر وكيف ذلك فإن علم السير إنما هو منه أي سير الأنبياء وشمائلهم ووقائعهم وبعوثهم وسراياهم وحجهم وخصائصهم وقصصهم وقد قال تعالى وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وإن في ذلك عبر وقد ورد أن تفكر ساعة أفضل من عبادة كذا وكذا نسة وقد قال صلى الله عليه وسلم حرفة العالم ستة أشياء إذا ذكر الله

__________________

(1) كذا في جميع النسخ.

(2) ما بين القوسين ساقط في ثلاث نسخ.

(3) في نسخة ليس من عالم إلا ويذكر أنه وهو الأصوب.


افتخر ، وإذا ذكر نفسه احتقر ، وإذا تفكر في آيات الله اعتبر ، وإذا هم بمعصية أو شهوة أنزجر ، وإذا ذكر عفو الله استبشر ، وإذا ذكر ذنبه استغفر ، ولا شك أن هذه الأخبار تكون موعظة للمعتبرين ، وتذكرة للموقنين ، وتبصرة للمتفكرين ، فمرتبة العلماء تزيد وتنقص بعلم التاريخ وهذا العلم يوجب للإنسان قوة في المحاسن وضعفا في القبائح وبه تعلو الهمة باتصالها بالمعالي من الأمور وتدنو بسفاسفها (1) وأكثر القرآن من هذا العلم فمن ذمه يخاف عليه الردة لأنه يسري إلى ذم القرآن إذا أكثره أخبار الماضين وأحوال المتقدمين من الجبارين الهالكين وأولياء الله الصالحين فلا تهمل أمرك منه وصحح علمك به غير انك أعتمد على صة الأنقال من الكتب الموضوعة في ذلك كهذا المختصر وكتب السيوطي وابن إسحاق والسيرة الشامية وغير ذلك من التآليف.

نعم ذكرت في هذا التأليف نبذة يستحليها المفتقر الذي لي له علم أصلا ويتقوى بها المستبصر وأني أزيد فيه أخبارا عند وصولي إلى إفريقية إن شاء الله تعالى.

فلنرجع إلى ما كنا بصدده فإن عجائب مصر لا يسعها ديوان وهو أننا ارتحلنا من أحواز بولاق فنزلنا أنبابة ومكثنا فيها أياما بين متردد إلى مصر وراجع إليها في قضاء الأوطار ووسعا للانتظار لمن يقصد البر من الحجاج وودعنا كل من يذهب في البحر وقد ذهب أكثر الحجاج فيه ولم تبق إلا حثالة قليلة فهمّ شيخ الركب أن يذهب في البحر لما سمع أني راكب فيه فاجمعوا على أن لا أذهب فيه ثم تحولت إلى المشي معهم فتركت ما قصدت من الركوب في البحر وآخر من ودعته سيدي أحمد الطيب وجماعة من الفضلاء وأني سأذكر من ذهب معنا من الفضلاء تبركا بهم.

__________________

(1) في نسخة من الأمور والعبد من سفافها.


ولما قضينا حوائجنا من ذلك المحل والحالة أن النيل قد فاض وخفنا الانقطاع بسببه فظعنا لأنه يفيض على أرياف مصر كذا وكذا ميلا فلو تأخرنا لإصابتنا مشقة في القطع إذ لا يكون ذلك إلا من الزوارق أعني المراكب والسفن وأن الشيخ الفاضل الشيخ امنصير النجمي أتى إلينا فارتحلنا لقرب بلده الذي هو الرمل قرب كفر حمام وهو بين المنصورة وكرداسة وهي قرية من أرياف مصر وفيها مسجد جمعة وأما الشيخ امنصير (1) شيخ العرب فسكناه في الخيم قرب المدشر المذكور وله قوة وشوكة عظيمة على تلك الحال وهو السبب والواسطة في استخلاص مال الحجاج فما أخذه منهم فهو مباح قطعا وقد جرى مع الحجاج كثيرا جزاه الله خيرا وله عقل تام فإن تكلم أنصف وإن سكت أنصت وأعرف وإن تكلم فبحكمة فليس بإمّعة فلا يطوي الكلام غير أن ذلك سجية في بعض العرب فما أحلاه لو كان عالما عاملا غير جاهل فما أحسن العلم إن قارئه الحلم وما أقبح الجهل إن قارئه الظلم رضي الله عنه وأرضاه وجعل عاقبته خيرا وجعل البركة في ذريته فمكثنا هناك مدة قريبة تقرب من شهر وهو شهر ربيع الأول.

وقد حصل لي حال عظيم وهو حال المشاهدة إذ تقوى علي الشهود فغيب عني كل ما سواه من أجل رؤيا رأيتها هناك فاضمحلت الأغراض ، وذهبت الأعواض ، وزالت الأمراض ، بجاهه صلى الله عليه وسلم وما بقي في نفسي أعتراض ، وتقوى علي ذلك حتى عزمت على الصحاري والقفار ، ونبذ الرجوع إلى البلد والدار ، وترك الأولاد والعيال في يد العزيز الجبار ، غير أن الله ثبت فؤادي ومكنني من عنده في علم اليقين حتى رسخ قدمي في الوثوق بالله إلى أن رجعت إلى وطني ليتم الوعد الرباني في نفع عباد الله العاجزين عن أنفسهم وعمن اتصل بهم ممن تعلق بهم فلم يخلقني الله

__________________

(1) ما بين قوله امنصير وبين قوله امنصير ساقط في نسخة.


لنفع نفسي فأن الأسباب تعذرت علي مباشرة بحيث يتولاها بعض أهل الرد من الله تعالى في السفر والحضر.

هذا وأني وعدت أن أذكر من ذهب معنا من فضلاء بلادنا من عمالة الجزائر ليتنور هذا الموضع بذكرهم ولتقع لهم الشفاعة فينا وفيهم ببركة من ذكر في هذه الرحلة منهم الفاضل العالم الود الكريم الولي الصالح الذي أخذ من كل علم بنصيب سيدي أحمد الطيب والفاضلان نجلاه سيدي محمد الكبير وسيدي محمد السعيد والفاضل أخوه سيدي بلقاسم وابن عمه الكامل في أحواله الفقيه سيدي الصديق وابن خاله الفاضل سيدي محمد السعيد ابن سيدي محمد الصديق والصالح المقبل على الله سيدي الهادي نجل الولي الصالح كما قيل الشيخ سيدي علي المنجلاتي الذي هو شيخ سيدي عبد الرحمن الثعالبي والعالم العلامة في كل الفنون على الإطلاق سيدي أحمد عياض وأخوه وابن أخيه وولده (1) والكل أدباء فضلاء والولي الصالح من غير شك سيدي الصالح الغربي (2) المتوطن وطن فجطولة والمحب للخير وأهله الفاضل الكامل محب الجميع سيدي علي البجائي المتوطن في الجزائر نجل العالم الفاضل المحدث النحوي الفقيه النزيه قاضي بجاية ومفتيها وخطيبها سيدي عبد المؤمن والعلامة بالتحقيق سيدي أحمد الصديق الخطيب معلم ولد السلطان في الجزائر مات في مصر حين رجوعنا من الحج يوم دخول الركب مصر أو بعده بيوم أو يومين والفاضل سيدي الحاج إبراهيم مات بعد رجوعنا من عرفة فاضلا عالما خيرا وأما العامة من الجزائر وكذا في زواوة فعدد كثير نفعنا الله بهم وجعل البركة في ذريتنا بجاههم فقد زاد خيرهم على الفضلاء المذكورين ومنهم الفاضل الخير الشريف سلطان زواوة سيدي محمد بن بوخثوش (3)

__________________

(1) في نسخة وولداه.

(2) في نسخة العربي.

(3) هكذا ورد هنا وانظر صحيفة 535 وعدد 1.


وصهره من أولاد سحنون فانه فاضل من مدشر جمعة الصهريج من بني فراوصن وهو له دار في هذا المدشر ودار أخرى في قرية الصوامع من بني بو شعايب وقد ذكرته فيما مضى.

ومنهم بعض الفضلاء من أولاد الشيخ الولي سيدي مالك أظن أن أسمه سيدي السعدي (1) ومنهم الولي الصالح العالم الفاضل سيدي مهنأ الصنهاجي وقد مات في مصر رحمه الله كبير السن ظاهر الشأن.

ومن بني عباس الفاضل الفقيه سيدي محمد السعيد بن الطالب والفقيه الفاضل الشريف سيدي محمد بن رقية مع أصحابهما.

ومن أولاد القطب الولي الصالح الواضح سيدي يحيى العيدلي سيدي الشريف وسيدي أحمد بن علي ومن أولاد الولي الصالح سيدي محمد صالح سيدي المسعود وسيدي ابن بو ستة وسيدي محمد بن الفقيه ومن أولاد الولي الصالح سيدي يدير بن صالح الفاضل الحاج سيدي حمود ومن مدشرهم الفاضل سيدي محمد بن عثمان وابن عمه الفقيه الفاضل سيدي أبو القاسم بن الطيب ومن أولاد الولي الصالح العالم الفاضل وأظنه أنه شريف حسبما رأيته في طبقات الشرفاء لابن فرحون سيدي مصباح المعلومة مدرسته في مدينة فاس والفاضلان الفقيهان سيدي محمد وسيدي عبد الكريم نجلا الفقيه الكامل سيدي ابن المبارك وهما من بني يعدل وكذا جماعة من الفضلاء من قرية تفرج الحاج سيدي حمودة بن معزة وطالبنا سيدي أبو القاسم بن مدور.

ومن بني يعلى الفقيه الأديب نخبة الفضلاء نجل الولي الصالح ابن الولي الصالح

__________________

(1) في نسخة السعيد.


الزاهد العابد المتجرد المقبل على الله سيدي عبد الرحمن بن قرّي ولد الشيخ سيدي بركات ابن الشيخ سيدي محمد بن قري والفاضل القارئ سيدي أبو القاسم بن دحمان وجماعة منهم.

ومن زمورة جماعة من أحسن الناس وأفضلهم سيدي الحاج محمد القجوطي والحاج محمود بن طالب حسين وسيدي محمد منه.

وجماعة أخرى من بني فرفان ومن وطننا من بني ورثيلان الفاضل الورع العالم الفاضل سيدي أحمد بن حمود وابن أخيه سيدي الحسين والفقيه الخير الكامل الصدوق سيدي محمد اليعلاوي بن بطيح والفاضل سيدي يحيى والطالب بن الفقيه.

ومن أولاد الولي الصالح سيدي يدير بن الحاج الفقيه الفاضل ابن المسن المتعبد ذي النسك سيدي أحمد نجل سيدي محمد السعيد والفاضل سيدي محمد البهلولي منه أيضا وولد الشيخ الفقيه سيدي عبد الله بن سيدي أحمد بن علي (1) تلميذ سيدي أحمد بن حمود.

ومن أولاد سيدي الصالح الفاضل الناصح سيدي عيسى بن الحبيب سيدي محمد السعيد وابن عمه تلميذنا سيدي يحيى ومن أقفسار الفاضل الحاج عمر والفاضل سيدي أبو القاسم نجل الولي سيدي عمر بن موسى المتوطن في أرض (2) ومن قصر الطير الفاضل سيدي محمد بن قسوم والقائد الحاج يونس بن يلّس والفاضل الكريم سيدي عبد القادر وبعض من الكتافة وبعض الفضلاء من تفاطمة وبعض الفضلاء من أولاد موسى بن يحيى والفاضل المتعبد المقبل على الله سيدي

__________________

(1) بياض لم ينبه عنه في نسخة.

(2) بياض في جميع النسخ.


محمد المداسي وجماعة كثيرة من قصر الطير بلاد ريغة ومن أولاد سيدي رحاب الفاضل الفقيه المتوجه إلى الله وقد تزوجت ابنته الفاضلة الحرة الجليلة الشريفة الطالبة عويشة وتزوج ابني محمد أختها الفاضلة الجليلة العابدة الطالبة فاطمة ماتتا في تونس رحمة الله عليهما وقد حج معنا سيدي عبد الله ابن رحاب وزوجه وولده سيدي محمد بن عبد الله والفضلاء أولاد صوشة وجماعة من أولاد دراج وجماعة من الزاب كلهم فضلاء من أولاد جلال وغيرهم.

ومن بسكرة الفاضل الكامل سيدي بركات نجل الولي الصالح الغوث الواضح سيدي عبد المؤمن شيخ الركب فيما مضى وجماعة من الفضلاء منها وكذا من سيدي عقبة.

وجماعة أخرى من قرية مدوكال لا سيما أولاد الشيخ محمد الحاج منهم الفقيه الفاضل الكامل الشيخ سيدي محمد المسعود أمير ركبنا وولده الصغير زوجته وابن عمه الفاضل سيدي أحمد بن إدريس مات رحمه الله في رجوعنا ودفن بعد ارتحالنا من مصر بمرحلتين في قصور الرهبان فدفناه في القصر الطرفاني الغربي الذي يواجه الحاج ذهابا وأنا الذي صليت عليه ومثله الفاضل الكامل المتواضع سيدي أحمد بن الجودي وجماعة مع الشيخ كلهم ممن يحب الخير ويسمع له.

ومن المسيلة أولاد الشيخ القطب الغوث سيدي محمد بن عبد الله بن أبي جملين والفاضل الكامل الأديب سيدي أحمد وولده وولد الشيخ سيدي أبي القاسم مشهور وجماعة كثيرة منها وكلهم فضلاء من الترك وغيرهم.

وأما أهل عامر فكثيرون وفيهم علماء فضلاء كملاء مقبلون على الله كالفاضل الفقيه سيدي عبد الرحمن بن الزيغم وسيدي محمد الصحراوي وسيدي عبد الرحمن


بن السخري وقد مات في الطريق وولده رجع وأهل الفضلاء فيهم كثيرون فإنهم لا يحصون كثرة رجالا ونساء صفاهم الله من البدع الشنيعة والخصال اللدنية بمنه وكرمه لتوافق دعائهم الواقع.

وجماعة من فضلاء أولاد إبراهيم وكذا من أولاد سعيد بن سلامة وكذا من أولاد عبد النور وولد الشيخ سيدي داود سيدي أحمد ومن قسنطينة كذلك وكذا أهل الخير والفضل والكمال أولاد خديم الله من بابور.

ومن بني سليمان جماعة فيهم المحب العارف المجذوب بالتحقيق المقبل على الله بالصدق والتصديق من بني بورمان سيدي سعيد فأني سمعت بنات فكره في الوعظ وطريق الحب بالبربرية سلب العقل يكاد أن يكون كلام ابن عطاء الله وإنما فاته لما كان كلامه بغير العربية وقد علم أن المجذوبين في عمالتنا هذه وإن كانوا عوامّ له كلام في المعرفة والمحبة والوعظ يحرك القلوب ويفتنها غير انه عليه كسوة البربر فالذي يفهمه يذوقه ذوقا معتبرا يسلب العقل.

وكذا جماعة من البليدة فضلاء كرماء وكذا من مازونة ومن غريس ومن معسكر وغيرهم.

ومن إخواننا الشرفاء الزابر لهذه الرحلة العبد الضعيف الحسين بن محمد السعيد بن الحسين بن محمد بن عبد القادر احمد الشريف نجل الشيخ الولي سيدي علي البكاء البجائي هكذا ثبت بخط جدي وهو ثقة واصله والله أعلم من تفيلالت أي من شرفائها هكذا سمعنا من أسلافنا وهم عن أسلافهم وولدنا الفاضل محمد وزوجته المذكورة وكذا زوجتي المذكورة والأخرى الفاضلة الحرة عائشة بنت الفاضل الكامل سيدي السعيد نجل الشيخ المحقق لا سيما في علم الكلام وقد سمعت ممن سمع منه


انه رأى الشيخ السنوسي في نومه فقال وهو يضرب في رأسي وهو يقول أنت أولى بكلامي يا مسعود وقد كان حجة في علم الكلام في عصره بحيث لا نظير له فيه وقد سمعت ممن سمع من تلميذ العلامة سيدي محمد العياضي انه يتعلم عليه فقال قرأنا شهرا قراءة بحث وتحقيق من أول النهار إلى آخره من قوله فعلى العاقل أن يكثر من ذكرها إلى آخره وهو قراءة ساعة زمانية فإن قراءة الفصول قراءة تحقيق غايته يومان وهذا كله من منة الله وفضله عليه فالشيخ الخطيب سيدي المسعود ابن عبد الرحمن نجل الشيخ سيدي محمد صالح نجل الشيخ المعلوم غربا وشرقا سيدي أبي محمد الدكالي تلميذ أبي مدين الغوث مع الشيخ عبد القادر الجيلاني أفاض الله علينا من بركاتهم آمين وابن عمنا الفاضل سيدي الصديق وولده العالم العلامة تلميذنا سيدي محمد صالح وابن عمنا الفاضل سيدي علي الشريف والفاضل الكامل سيدي عبد العزيز نجل خالي سيدي محمد بن الحاج الشريف ومثله الفاضل الفقيه النحوي المتكلم المنطقي الحافظ لكل شيء لا سيما الشعر ابن عمنا سيدي أحمد الشريف ومثله الفاضل سيدي أبو القاسم الشريف وكذا ابن عمنا الكامل الفاضل سيدي عيسى الشريف.

ومن إخواننا في الله الفاضل العالم الصالح الصادق سيّدي محمد البهلولي وبالجملة فأهل وطننا الخاصة والعامة أهل الفضل فقد ذهبوا من أغبولة ومن بني عفيف ومن بني أشبانة وأولاد الخلف وبني إبراهيم كالمقبل على الله الحاج يوسف ومن بني موسى جماعة ومن بني أحمد كذلك أعني عرشنا أولاد الحاج وعراصة لا سيما الفاضل سيدي أحمد مداح وابن عمه سيدي يحيى أحيا الله جميعنا على السنة النبوية وأماتنا وإياهم على الملة المحمدية بمنه وكرمه وكان لنا ولهم بالبركة في ذرية الجميع.


وإنما ذكرت هؤلاء في هذه المرحلة لعل الله أن يمن علينا وعليهم بعطف محمد صلى الله عليه وسلم عطفة من عطفاته تغني الجميع وليعلم الإنسان أن الزاد وإن كان ركانا في الحج وشرطا فيه فالركن القوي الرفقة المأمونة خصوصا الإخوان في الله فإنهم النافعون فلا بد منها وأحسن رفقتنا الأخ في الله والمحب من أجله العارف بالله المنفرد بالصدق في الأخرة بفضل الله تعالى سيدي محمد الشريف الطرابلسي النوفلي البلغيثي من المنشية ومعه جماعة من الفضلاء كالفقيه الفصيح سيدي محمد بن عزوز وولده سيدي محمد وغيرهما وفق الله الكل إلى صالح القول والعمل.

انعطاف إلى ما كنا بصدده فقد ظعنا من كفر حمام بعد اقتضاء بعض ديون الحجاج وشرائهم ما يخصهم من العلف والزاد والخيل وأخذ الخبير (1) وجميع ما يحتاجون إليه من جهازهم ومراكبهم وملابسهم وكنا نحن ننتظر سيدي أحمد بن حمود أن يأتي من مصر وكذا سيدي محمد الشريف وأصحابه وأصهاره من مسراتة وطن الشيخ زروق فلما قدموا ارتحلنا وذلك بعد ما حصل للحاج ضيق عظيم من شدة ما يعوزهم من العلف حتى أرادوا الارتحال بي وترك الشيخ أمير الركب فلم استطع ذلك لما بيني وبينه من المحبة في الله والتقرب من أجله فارتحلنا بعد أن مات من مات من الحجاج الرجال والنساء وفي تلك المرحلة مات الحاج الطيب بن بونشادة إذ كان كثيرا ما يعارضني في الأمور لما رآه مني من النكير على أهل البدع فلم يرض بذلك.

نعم أصابته غيرة وحمية على أهل بلده عامر غير أنه أتصل به المرض فتشاءم بنا فكأنه رأى ذلك منا كرامة فأتى إلي مرارا يطلبني في الحل وقد جعلته في حل غير أنه فات مني الدعاء على الأعداء في الحطيم والملتزم وعرفة وغيرها وكان هو من جملة من دعوت عليهم ولكن أسأل الله الهداية لمن علم أنه يهديه وإلا فيهلكه فكان من جملة

__________________

(1) في ثلاث نسخ الخبيز.


الهلكة وكذا غيره من عامر.

ثم أن الفقيه الشريف سيدي عبد الله بن رحاب ضاع له الجمال ودينه لم يقتضه فأراد التأخر إلى أن يقدم الفاسي فلم نتركه فتسلفنا من عند من فيه الخير من الركب فقدم والحمد لله على اتصال الرفقة فانفصلنا عن الشيخ امنصير فأعطاني فرسا في ديني الذي هو في المنصورة فلما رآه صاحبه يخلص أو رآنا على الطريق قدم فتحركت نيته فتركته فأتى أخوه جزاه الله خيرا فقال نحن تولينا مدينك وإن لم تركب عليها قتلتها فركبت عليها وتولى غريمنا ثم قدم معنا مودعا إلى أن دخلنا الرمل فبعث إلينا بعض الأجناد من المنصورة بعثه الباي خليل ليجبر أهلها على إعطاء دين الحجاج فأرادوا رجوع الركب فامتنعوا فقلت للشيخ أرجع أنت وبعض الناس وأنا أذهب مع الركب ساعة فنزل على الماء فلما انفصلوا عنا قالوا ما ليس لنا إلا المشي وعدم انتظارهم فمشيت معهم حتى سكن غضب أهل الركب فأمرت العلام بالنزول انتظارا للشيخ وأصحابه ممن ذهب إلى المنصورة فلما مر الثلث من الليل وإذا بمن ذهبوا إلى المنصورة رجعوا فأتوا ببعض ديونهم وأقتضى الشيخ امنصير شيئا من ديوني ولم يبق على غريمي إلى القليل.

فلما أصبح الله بخير الصباح ظعنا أيضا والشيخ امنصير وأصحابه معنا يودعوننا ويقتضي ما بقي له من أجرة اقتضائه الديون التي للحجاج فلما أراد الانفصال خادعه الحاج ساعد من أولاد موصلي والحاج ابن زكريا فصاح بنا يا فلان قد خدعني الحاج في عنايتكم فرجعت إليه أشليته عليه هو وأصحابه فلما رآني تقوى بي ورجع الشيخ أيضا لما سمع العراك فأراد الشيخ أن يضرب الحاج ساعد بالبشطولة فمسكناه وكذا الحاج ساعد أراد أن يضرب الشيخ فحجزنا بينهم فطاب قلب الشيخ الحاج امنصير ورجع طيب النفس سالم الخاطر جعل الله البركة في ذريته وكان لنا وله في الدنيا


والآخرة بمنه وكرمه فسرنا كذلك إلى الليل ثم ظعنا صبيحة إلى أن مررنا على القصر الذي فيه النصارى اعني الرهبان فلما وصلنا إلى باب القصر أشرفوا لينا فكلمناهم فكلمونا وسألونا عن مصر وكيف هي وعن حالهم فأجبناهم عما وقع بينهم وبين صالح باي الذي كان في الصعيد وقلنا لهم انتشب بينهم القتال وانهزمت طائفة مصر فأملوا زوارق أخرى فنزلنا القصر الطرفاني الخالي الذي دفنا به ابن سيدي محمد الحاج فبتنا فيه خير مبيت ثم ظعنا إلى الأجفار فوصلنا قرب الزوال بسويعات ثم ظعنا منه سائرين إلى الشمامة إلى أن وصلنا بعد مرحلتين والله أعلم إذ نزلنا قربها فبلغناها صبيحة وماؤها قبيح من أقبح مياه برقة يشوي الوجوه بئس الشراب إلا بعض الآبار فإن ماءها قرب م العذب وهي البئر التي تلي جهة المشرق وأنها تحت حجر فبتنا فيها خير مبيت إلى أن وصلنا معطن الجميمة فنزلنا فيه وجميمة على وزن كريمة وماؤها مختلف فبعض لا بأس به عذب وبعضه زعاق إلا أن أكثر الحجاج عنده الغنى وإنما يصلح للإبل وكذا ماء الشمامة إنما يصلح للجمال فقط إلا من اضطر لشربه.

وقال شيخنا سيدي أحمد بن ناصر أن سانية قربها ماؤها عذب فأنا أعرفها والسؤال في حجتنا هذه متعذر لفقدان أهل برقة فإن المجاعة أجلتهم من وطنهم وكذا تعدي بعضهم على بعض حتى انه لا يطيق أحد النزول في برقة من غزو بعضهم لبعض فلا تجد أحدا تسأله عن المواضع فظعنا منه إلى أن بلغنا معطن المدار فاستقى الناس وسقوا إبلهم فإن ماءها طيب لا بأس به فرفعوا الماء ثلاث مراحل إلى جرجوب والعقبة الصغرى قبل معطن المدار بسويعات قليلة وفي الطريق ماؤها ملح أجاج فلا يشربه إلا الإبل ثم سرنا ثلاث مراحل إلى أن نزلنا جرجوب فسرنا مراحل كل مرحلة باسمها عند أهلها من بدوها إلى أن بلغنا معطن أم أقرب (1) وماؤه أيضا عذب طيب لا

__________________

(1) كذا في جميع النسخ وفي الرحلة الناصرية المغرب وهو مغرب ما في صحيفة 236.


بأس به.

قال شيخنا سيدي أحمد بن ناصر ما نصه.

تنبيه وتمر هذا البلد أحسن تمر رأيناه في البلاد المشرقية حلاوة ونقاوة وكبرا يشابه تمر بلادنا وليس منه ما يحمل في قفف صغار من سعف النخل تسع كل قفة منها أزيد من ربع القنطار ويبيعونها كذلك إلا بأوعيتها وأخبروا بأنها لا تباع إلا كذلك فمشتريها لا يحتاج إلى حبال للشد ولا غرائر للحمل بل يشتري حاجته منها فيعلقها على بعيره فمن الإبل من يحمل العشرين إلخ فظعنا منه إلى أن وصلنا العقبة الكبرى فصعدناها على الطريق الصعبة المعروفة المعتادة لسلوك الحاج منها غير أن السير على حسب قوة الإبل إلى أن خرجنا منها ثم كذلك إلى أن نزلنا الطرفاوي فوجدنا أرضه زهراء طيبة الأطراف منيقة النبات وأقام الركب فيه يوما ويوم الإقامة خرجت متنزها في البحر ومتفكرا في أمره ومتعجبا في صنع الله تعالى لما علمت أن رؤيته تفرج الغم وتزيل الهم وكذا رؤية الأشجار والأنوار والأزهار تشرح الصدر وعند ذلك قلت (1).

يا سلائلا عن الطرفاوي تذكر
 

 

رائحة النرجس فيه تعطر
 

فانه محل خصب للدواب
 

 

يعلم ذاك من رآه بالصواب
 

وعذب مائه أيضا قد اشتهر
 

 

عند الحجيج والظعين المستقر
 

وبحره يزهي جميع الناظرين
 

 

وهو يفرج كروب الحازنين
 

فحسبه للمسلمين منزلا
 

 

وماؤه (2) للواردين منهلا
 

والضرع عنده يدر أكثرا
 

 

من غيره أجل ليس يمترى
 

فزرعه غير بعيد الخصب
 

 

عمره يا رب به بالقرب
 

__________________

(1) تنبيه في هذه القطعة يوجد خلل في جميع النسخ.

(2) في ثلاث نسخ وحبه.


 

بجاه من لبى وحج واعتمر
 

 

وزار طيبة ومن بها استقر
 

فركبنا يا رب بالامان
 

 

بلغه بالنعم والإحسان
 

فهو ذا يعم من في البحر
 

 

من أخوان وحفظ من في البر
 

ثم الصلاة والسلام دائما
 

 

على رسول الله خير من سما (1)
 

وآله وصحبه والتابعين
 

 

وحزبه برحمة للمحسنين
 

قلت وقد نظمت سائر المعاطن ببرقة وبينت أوصاف مياهها غير أن الكراس الذي نظمته ضاع لي قرب الزعفران في يوم شديد البرد فرجعت أنا وسيدي أحمد بن حمود وسيدي محمد الشريف إليه فلم أجده فتحسرت عليه غاية لأني أشفيت العليل وأبردت الغليل في بيان أوصاف المياه وبيان المراحل والمنازل.

ثم ظعنا من الطرفاوي قاصدين معطن التميمي فسرنا أياما إلى أن مررنا على عين الغزالة بساحل البحر وأقول فيها كما قال شيخنا المذكور عين فيها ملوحة تسيح من سفح جبل وتصب في بحيرة كبيرة تحتها من البحر المالح بحذائها القصب والعريش وأنواع النبات المائي يوجد حولها صيد كثير عند خلو البلاد من كثرة المارة إلخ.

قلت وقد سمت أن الحوت كله غربا وشرقا إنما أصله منها وإنما يتخلق منها ولا علمت أن له أصلا من الشريعة أم لا.

نعم فسرنا كذلك إلى أن وصلنا إلى معطن التميمي قبل أن يصل الركب إليه بعثنا إلى درنة ليأتوا لنا بالميرة منها وكذا الفواكه فأقمنا فيه يوما بتمامه مع يوم النزول إذ نزلنا فيه بكرة منتظرين ملاقاة درنة فلم يأت لنا خبر منهم لأنهم في هذا الزمن انقطعوا عن ملاقاة الركب لكثرة الفتنة بينهم وبين أهل مسراتة والبيخة فإن الحرب بينهم دائم إلا

__________________

(1) في نسخة من انتمى.


أن هذا الزمن فيه العافية التامة وإنما فيها المجاعة العظيمة يموت الخلق فيها كثيرا لا سيما عرب برقة فقد حكوا لنا أن بعضهم لم يذق طعاما أربعة أشهر وبعضهم ستة أشهر وإنما يأكلون الحشيش والنبق وغير ذلك.

تنبيه وأعلام قال شيخنا المذكور ما نصه.

تنبيه ودرنة هذه قاعدة الجبل الأخضر مدينة على شاطئ البحر بينها وبين خانية مسيرة يوم في البحر ودرنة مدينة كبيرة فيها كثرة المياه والجنات والفواكه والأعناب وفيها السواني ذات أنواع من الثمار وبها أسواق وفنادق وامر المعاش فيها سهل والعمارة فيها كثيرة أخبرني من أثق به عام عشرة أن بها من أهل مسراتة خاصة ثمانمائة رام ببنادقهم سوى ما فيها من غيرهم ولم تكن قبل بها العمارة وإنما أحدثت في حدود الأربعين والألف بناها الأندلس لما خرجوا من جزيرتهم ونزلوا في ذلك المكان وأعجبهم وآنقهم وفجروا أنهارا وغرسوا أشجارا وحفروا سواقي وبنوا وسكنوا وأسكنوا واستقلوا بأنفسهم ولم يكونوا تحت حكم أحد ثم إنهم طغوا واشتغلوا بالفساد ومدوا أيديهم إلى عمالة طرابلس في زمان عثمان باشا وغاظ ذلك أهل طرابلس ووجهوا لهم عسكرا وتقاتلوا معهم وأخذوهم وقتلوا من قتلوا ونفوا من نفوا ولم يبق منهم إلا أقل القليل واستولى أهل طرابلس على البلدة فهي تحت أيديهم.

قلت هذه درنة لم أرها وإن كانت قريبة غير أن الأركاب لا تدخل إليها لأنها ليست طريق الركب غير أن أسماعنا مملوءة من أخبارها فحصل لنا العلم بها وبأحوالها ضرورة فظعنا منه صبيحة فسرنا كذلك متوجهين إلى مفازة السروال وهي أشد مفازة في طريق الحج إذ سبعة أيام لا ماء فيها فكادت تزهق النفس من شدة ما استقبلها من العطش فإن العطش إذا أصاب الإنسان أسرع موته بخلاف صاحب الجوع فانه يطول.


فالحاصل أن هذه المفازة القادم عليها كالقادم على القبر فقد تقرر فيها الموت الأبيض فالتدمية البيضاء محققة فتحقق أمر الركب انه يسلك على طريق الجبل الأخضر لما علمت أنه لا ماء في السروال إلا إذا لطف الله بوجود الغدير فإنهم ينتظرونه كما ينتظرون ماء السماء فسرنا مراحال ونحن في تجاه الجبل والسير بحذائه بحيث يقرب سيدنا سفح الجبل غير أن الطريق وعرة وصعبة على الإبل إنما ألجأ إليها الضرورة.

فلما أن وصلنا تلك الشعب القريبة لجردس وتجاوزناها وجد الناس غديرات فيها ماء فأكثر الركب قد استقى منها غير أن الإبل أصابها عطش عظيم وقد غبّت كثيرا فلما ظعنا من ذلك المحل وجد الناس غديرا قرب النزول في التغليس فمنهم من مر عليه من غير علم به ومنهم من سمع به فأعرض عنه غير أن الذي ظهر للناس تزاحموا عليه بالإبل حتى غيروه وخوضوه فاختلط به الطين فسرنا كذلك إلى أن وصلنا إلى جردس فنزلنا على الماء فتفرق الناس عليه وهو ماء قليل فتزاحمت عليه الناس ازدحاما عظيما فلم يستطع أحد شر ماء وقد تعذر علينا سقي الخيل وأما ملء القرب فمتعذر قطعا.

نعم بعض الناس قد استحيى منا فسقى الخيل وأعطى لنا ما نطبخ به وإلا فأكثر الناس قد بات بلا سقي ولا استقاء فلما تعذر الأمر قلنا لأصحابنا دعوا السقي إلى قراغ الناس منه فيتسع المجال بحيث تبقى الآثار منفردة خالية وكان الأمر كذلك فلما فرغوا من السقي وجدنا الوسع فسقينا واستقينا وشربنا وشربت الإبل وكذا الخيل وبقي الناس هناك بعضهم رفع وبعضهم تخلف لقضاء حاجته فلما سقينا وملأنا القرب لحقناهم فماؤه طيب عذب لو لا أنه قليل يرشح رشحا وإنما يقضي الناس مآربهم بطول المدة.


وهذا الجبل واسع الأطراف كثير الشجر عام الخصب فخصبه لا نظير له فمرعاه قليل الوجود وكذا ماله أعني البقر والغنم فوالله يخاف الإنسان أن ينظر فيه لطول إقامته واتساع عرضه ضخم الجثة.

وقد قالوا هذا الجبل كثير السمن كثير العسل كثير اللحم كثير الزرع والخصب لو أن فيه عافية غير أن عربه يتعدى بعضه على بعض وهم متغلبون فالجبل لمن غلب منهم لا يرقبون في بعضهم إلّا ولا ذمة وهمم في أجلاء بعضهم بعضا إلى الآن وحتى الآن غير أنهم وجدناهم في مجاعة عظيمة ما وجد مثلها وقد أفناهم الجوع وإنما تحيرنا من أمر الشريعة هل وجب علينا إطعامهم وأحياؤهم أم لا فإن كثرتهم رفعت علينا الوجوب فإنهم كالجراد المنتشر فسقطت مخاطبة الشرع باستخلاصهم مما هم فيه سلمنا يجب فإنهم دام بهم ذلك فمن كلف نفسه وقع فيما وقعوا وهلك كما هلكوا.

رجوع إلى ما كنا بصدده وهو خروجنا من هذا الجبل إلى أن وقعنا في البحيرة لاقانا نجع من العرب وارد على عرب آخرين يأكل بعضهم بعضا فلما واجهناهم وإذا بهم أرجفوا وقفوا على خيلهم وأرادوا الانتضال والمقاتلة ظنا منهم أننا غير الحجاج فلما ركضوا من الركب إلى جهتهم اجتمعوا وتحيروا من أمرنا فلما علموا بنا وتيقنوا أمرنا قالوا لا علينا في الحجيج وإنما نريد من تعدى علينا من العرب قبل فاطمأن ما بيننا وسكن بعد ما حمي الوطيس واضطرم أمر الفتنة بيننا وبينهم والحالة أنهم مرتحلون بنسائهم وحريمهم.

نعم وجدنا عندهم الإبل ما أحسنها وقد اشتد سمنها وإبل الركب ضعيفة هزيلة فصاروا يبدلون.

نعم لما علموا اضطرار الحجاج امتنعوا من التبديل وصاروا إلى بيع فارتقى أمر


قيمتها فشفى الركب غليله منها فساروا معنا من الضحى إلى وقت العصر ثم انفصلنا عنهم وإن أخانا السيد محمد الشريف باع فرسه التي ركب عليها وأعطيت له فرسي يركب عليها لأني أتيت بفرسين فلما ركب عليها نحو اليومين أو الثلاثة تركها وقال أنها رقيقة لم استطع الركوب عليها فبتنا بعد الانفصال عنهم.

ثم ظعنا فنزلنا مدينة ابن غازي على شاطئ البحر وهي مدينة طيبة فلا بأس بها لكونها مرسى في قربها سبخة وفيها بساتين من ناحية أخرى وأرضها طيبة المزارع بلدة طيبة مباركة تصلح للمال غير أن العرب جاروا عليها وعلى أهلها وأنهم غير متفقين نعم حكم الباشا نافذ فيهم وأخوه هو الباي يحكم فيها وقد امتلأت بالعرب وهم أعداء فمنهم ملتجيء بها ومنهم قاصد لأخذهم فلم يرتقب من أهلها غير أن بعض أهلها سلم فيهم وتركناهم مهتمين بأمر الأخذ باتفاق رأيهم ورأي أهل المدينة على أن من خرج من حريم العمارة أخذوه وقتلوه وسلبوه ومن بقي في حريم المدينة وقع الشك فيه فمن نظر إلى أهلها كف ومن نظر إلى العداوة وخذلان بعض أهلها أراد افتراسهم والانتقام منهم فخلفناهم على هذا السبيل وبعد ذلك سمعنا أنهم لم يصر لهم بأس منهم ما داموا عندهم غير أن طائف ارتحلت منهم وظعنت معنا من الخائفين إلى أن وصلنا مسراتة وتورغة فتفرقوا في الأوطان على المعيشة والجوع يقتلهم ويميتهم فلم يفد فيهم إطعام الركب غير أن أهل الركب ضجوا منهم فكل خيمة يقف عند بابها الستون سائلا أن أكثر فتراهم يردونهم بالشتم واللعنة والخزي وبعضهم بالضرب فلا يكادون يسمعون لتضررهم من شدة جوعهم فنادينا في الركب ولعل الله يسخرهم فنقسمهم على حسب الطاقة والضعف لأن ذلك واجب علينا فلم يسمعوا لنا لقلة زادهم ومدينة ابن غازي قد غلا سعرها غلاء فاحشا بحيث لا يستطيعون شراءه وأما الميرة فكثيرة الوجود لأنها تأتي من بر التبرك إليها ومن أرض العرب لا سيما إفريقية والغلاء والرخص جندان من جنود الله يضعهما الله حيث شاء فلا فائدة


في كثرة الزرع ولا في قتله.

وبالجملة فأهل برقة يموتون بالجوع موتا كثيرا عند أبواب الديار وإنما شأنهم معهم غلق الأبواب فترى السائل الكثير يصيح على الباب بالطعام إلى أن يموت على عتبة الدار فهلك من أجله (1) كثير من الناس وقد خاصمتهم وقلت لهم من مات منهم فإثمه عليكم لوجوب مواساتهم بما عندكم وإن بقيتم مثلهم فإن أمر النفس في الشرع عظيم فيخاف على بلادكم الخراب والهلاك بسبب الصد عن هؤلاء الجياع وأما في الطريق فلم ينصف منهم إلا الكاملان سيدي أحمد بن حمود وسيدي محمد الشريف فيركبان الصغار ويطعمان الكثير مع قلة الزاد حتى أردنا الفرقة والقسمة من شدة مواساة سيدي أحمد بن حمود لهم فرضي بالقسمة من أجل تغير الرفقة إذ قالوا ما يأكله هؤلاء العرب فنحن أولى منهم إذ نحن في الصحراء فلا مغيث لنا إلا الله فإن انقضى ما بين أيدينا صرنا مثلهم فنفس الإنسان أولى.

نعم سلمنا الأمر له في الظاهر فلم يقع بنا إلا الخير والعافية والحمد لله وأقمنا في مدينة ابن غازي يومين لشراء الزاد وعلف الخيل والبغال غير انه غال كثيرا وأنا قد صليت الجمعة فيها مع بعض أصحابنا في مسجدها العتيق والله اعلم.

وقد دخلتها مرة أخرى في حجتي الأولى في الرجعة وكنت اجتمعت بقاضيها سابقا فوجدته منعزلا متغيرا حاله من شأن العزل فإن ذلك من الأمر القديم فمنهم من يحب الولاية ومنهم من يكرهها وأما العزل فبالاتفاق على بغضه ووجود الاغتنام عنده وأما أمر الدنيا فيحمد الله تعالى فلما اجتمعت معه وعظته وقلت له أحبك الله حيث أخرجك من النار وولى عدوك وفي الواقع حبيب لك من حيث ناب عنك

__________________

(1) في نسخة من أجل ذلك.


وأحل محلك في دار العذاب والهوان أو كلاما هذا معناه ففهمنا عنه أنه أراد أن نقول له ترجع إلى محلك فيفرح إذ أني أشرت له أولا بالقضاء والله اعلم حين اجتمعت معه في مدينة طرابلس وأقبلت علي جماعة ابن غازي كالقاضي الجديد والمحب في الله نجل الود الصديق والخل الفاروق سيدي عبد اللطيف وجماعة من رؤسائها من أولاد الترك وغيرهم فتفضلوا علينا بالضيافة الطيبة والزرع وشيء من الزاد على قد وسعهم.

وقلت ولو لا الجدب والمجاعة لأغنوا جماعتنا بما نريد لأنهم في قوة الاعتقاد فينا وشدة حسن الظن في جانبنا وذلك وصف عمالة طرابلس فلما تبركوا بنا وبإتياننا لمحالهم واشترينا ما يخصنا من الزاد والعلف للخيل فطال بنا الأمر إلى أن عسعس الليل بتنا فيها.

وزرت الولي الصالح والشيخ الواضح الوحيشي وأدخلني ولده إلى داره وقبر الشيخ هناك فزرته وشاهدت عنده أمرا عظيما من الشهود والتجلي الذي لا يمكن التعبير عنه واجتمعت مع الفاضل الكامل الصالح سيدي (1) المغربي الذي استقر هناك بعد أن كان في مدينة درنة وعليه حلاوة الإيمان وطلاوته وعليه كسوة العارفين بالله فأحسن إليه سيدي عبد اللطيف المذكور وقد أشار علينا أنا وسيدي أحمد بن حمود بأن أمركم لا يكمل عند الله إلا بعد أن تزوروا المغرب (2) فيكمل حالكم من هناك وقد كان ذلك من بعض العارفين قبله علينا أيضا فيقع الخاطر على الخاطر ، كما يقع الحافر على الحافر ، وهو من توارد الخواطر.

نعم قال ذلك لا بد أن يكون عن عجل تمم الله لنا الفائدة بمنه وكرمه ونحن على

__________________

(1) بياض في جميع النسخ ولم ينبه عنه في نسخة.

(2) في نسخة المغربي.


ذلك من الناوين [لأنواع الخير من](1) حج وجهاد وزيارة وعلم وتعلم وإفادة واستفادة وأنواع الخيرات على اختلاف أصنافها وتنوع أجناسها فإن عشنا فعلنا وإلا كفتنا تلك النية كما ذكر ذلك صاحب المدخل أبو عبد الله ابن الحاج عن بعض الفضلاء المجتهدين في إتباع آثاره صلى الله عليه وسلم واقتفاء أحواله وقد قال صلى الله عليه وسلم يبلغ المرء بنيته ما لا يبلغه بعمله وقد علمت أن حكمة الجزاء بالخلود للمؤمنين في الجنة وبخلود الكافرين في العذاب بالنار هو انه على حسب نية كل من المؤمن والكافر فإن المؤمن لو بقي على الدوام في الدنيا ما أحب أن يسلب إيمانه وكذا الكافر ما أحب أن يسلب كفره فكل منهما ينوي التأبيد فيما حصل عنده فلا يبغي الانتقال عنه أصلا فجزاهم بالخلود في المحلين على حسب نيتهم وقصدهم وبالنية تنمو الأعمال وتزكو وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أن نوم العالم خير من عبادة الجاهل لما علمت أن نوم العالم صيره طاعة بنيته مثل أن ينوي الاستراحة والنشاط لتحصيل الفرائض أو النوافل وقد يجب النوم كما إذا علم من نفسه انه إن لم ينم فرط في صلاة الصبح كما قاله الشيخ زروق بل يحرم قياما الليل على من هذا شأنه كما صرح به أيضا.

وقد حكى صاحب المدخل المذكور عن بعض الأشياخ أنه كان يتسبب في بستانه هو وبعض تلامذته وإذا بشخص يدق على الباب فأراد التلميذ فتحه فقال له شيخه كيف نويت وما نويت فقال نويت فتحه فقال له الشيخ أجلس ففتح له الباب ثم صار يعدد له النيات التي قام بها إلى أن بلغ نحو الثمانمائة (2) وهو فتح إلهي ووهب صمداني ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وأي فقه أعظم من هذا وأي فتح أولى منه. وقد قال صلى الله عليه وسلم كما رواه البخاري في صحيحه إنما الأعمال بالنيات أي

__________________

(1) ما بين القوسين بياض في ثلاث نسخ.

(2) في نسخة خسم وعشرين نية.


صحتها وثوابها بالنية كذا قدره الجمهور فإذا علمت هذا علمت أن مقام العارف عوامل رفعه حسن النية وحسن تنميتها.

وقد قال الشيخ السنوسي أن أدنى الأولياء أفعالهم دائرة بين الواجب والمندوب وإنما ذلك بالنية وأما الخاصة فأفعالهم كلها واجبة وذلك ليس إلا بنذرها فمن حصل كيفية القصد وتنميته حصل له الخير الأعظم والمقصد الأسنى وذلك بشيخ عارف أو أخ ناصح أو مفت محقق أو بإلهام رباني ووهب رحماني تفضل الله علينا وعلى ذريتنا وطلبتنا ومن تعلق بنا من الأحباب به بمنه وكرمه.

انعطاف ورجوع إلى ما كنا بصدده فلما بتنا مع الأحباب في ابن غازي بكرنا صبيحة يومنا فوجدنا الركب قد ارتحل فأدركنا آخره وودعنا من يحبنا فيه إلى أن لحقناه فسرنا كذلك إلى أن وصلنا إلى أجدابية وتجنبا سلوكا وهو معطن عظيم ماؤه عذب وأباره متقنة لا تكاد توجد في غير هذا الموضع وأما أجدابية فكانت عمارة وآثارها باقية إلى الآن وفيها آبار متفرقة كثيرة المياه أرضها طيبة أحسن الأرضين فيها خصب وزرعها طيب لا نظير له فيما علمت وأبارها سفح أحجار ماؤها عذب طيب سائغ شرابه فليس كماء الصحاري كأنه ماسء الجبل والعيون وتلك الأحجار التي فيها الآبار متصلبة ليست رخوة فظعنا منها إلى أو وصلنا معطن المنعل باللام والميم ماؤه عذب جيد قل نظيره فلا تجد مثله إلا عزيزا فأقمنا فيه كما أقمنا في غيره إذ كل معطن إلا كانت فيه الإقامة مصلحة للإبل.

نعم هذا المعطن المفازة التي بعده أصعب المفازات فالمراحل بعده خمس لا ماء فيها طيب وإن وجد في سواق أو آبار قليلة فهو زعاق حرف مر يشوي الوجوه بئس الشراب لا يصلح إلا بالإبل.


وقد استقينا من اليهودية فلم يصلح ولو للدواب فلم تشربه وإنما تتجرعه فلا تكاد تسيغه وهذه اليهودية كانت مدينة ملكتها يهودية وكانت قرى كثيرة متقاربة فيها أثر بناء خال متراكم يدل على أنها كانت عمارة كثيرة واشتهر على ألسنة الحجاج أنها مدينة كانت ملكتها يهودية في عسكرها كذا كذا من الخيل وفي الرسالة القشيرية عن بعض الفقراء انه قال دخلت مدينة يهودية بالمغرب إلى آخر الحكاية.

ذكر أبو سالم أن تلك المدينة هي هذه إذ لا نعلم مدينة بأرض المغرب تسمى اليهودية إلا هذه والله اعلم بحقيقة ذلك إلى أن مررنا على معطن سماه شيخنا سيدي ابن ناصر وهذه المفازة ما أصعبها من مفازة فيها الحر الكثير فإن وجد فيها النسيم فنعمة من الله إلى أن وصلنا إلى معطن الأحمر فلم ننزل به غير أن من عطش سقى منه قدر حاجته وماؤه عذب طيب تتنعم فيه الأركاب ثم سرنا كذلك إلى أن وصلنا إلى النعيم فما أحسن ماءه وأشده عذوبة وهو بارد وقل نظيره في المياه وزال العطش والهم والغم عن الناس وعن دوابهم لما مر أن المفازة التي قبله أعني الصراط صعب سلوكه في برقة فلا تجد أحدا إلا يشتكي منها فمن لم يستعد لها من معطن المنعل هلك والآبار بينها وبين النعيم كثيرة الوجود قليلة النفع مضرة بالناس من ملوحة مائها ومرارته وذلك يعلم بالذوق فماء النعيم عذب فرات زلال إلا انه لم ينفعل للهواء مع برودته فظعنا منه إلى أن وصلنا معطن الزعفران بينه وبين النعيم مرحلتان وبينهما معاطن على شاطئ البحر عذبة وأرض الزعفران ربوة طيبة خصبة فقل نظيرها في برقة منيقة زاهرة كثيرة الأنوار في الربيع يستسحنها الناظر فمن دخلها تأنس بها تصلح للاستيطان كنت أتمناها للسكنى فلا تعلم نفس ما في هذه الأرض من المنافع وهي رعي لمسراتة ينزلونها في الربيع فإنها تصلح كثيرا لغنمهم ومواشيهم.

حاصله كثيرا الخصب فمن هذا المعطن تشم رائحة طرابلس بل رائحة الوطن


فماؤه غزير عذب كثير منه م (1) طيب سائغ شرابه فظعنا منه فمررنا بمطراو ومطرا وماؤه غزير مستجم فيه ملوحة ميل إلى مرارة سقى المحتاج دوابه منه ثم مررنا ببئر حسان وحسان الآن اسم علم على موضع فيه مورد ماء قلما يوجد فيه ما يكفي الركب إلا في أزمنة الخصب وكان في الأصل اسم لعامل بعض ملوك بني مروان بعثوه لغزو إفريقية بعد موت عقبة بن نافع (2) أمير إفريقية ومفتتحها وارتداد غالب إفريقية فنزل في هذا الموضع وبنى فيه قصورا تسمى قصور حسان وكان يغير من هناك على إفريقية وأقام بذلك المحل مدة وخبره مشهور مذكور في تاريخ فتوح إفريقية ثم مررنا بالمسيد (3) معطن برملة على يسار السبخة به ماء لا بأس به غير انه به ملوحة ثم بالعريعرة (4) معطن بإزاء السبخة بساحل البحر به ماء عذب فرات طيب غزير من أعذب المياه يقرب من ماء وجدناه بالتميمي هذا وإني تركت معطنا بعد بئر حسان وهو بئر الهويشا معلوم وهناك سبخة عظيمة مخيضة وفيها ماء ملح أجاج إلا بعض الآبار فلا بأس بمائها يعرفها الخبير والمتوطن ولا ينبئك بها مثل خبير.

ثم مررنا على قبر أبي شعيفة فزرناه والركب مار على طريقه لبلد ولي الله باتفاق ، فطب العارفين على الإطلاق ، أبي العباس سيدي ومولاي أحمد زروق وانصرمت مراحل برقة التي قيل فيها على ألسنة العوام حرقة أو (5) غرقة لا برقة فلاحت لنا أعلام العمارة ، وظهرت لنا من الدنيا الأمارة ، وتنادى الحجيج البشارة ، هذا أول (6) العمران قد كشف لنا أستاره ، فساروا مظهرين الفرح ، ومسيرين الترح ، ومخفين

__________________

(1) في نسختين منهمر وفي نسخة منسجم.

(2) في الرحلة الناصرية عامر.

(3) كذا في جميع النسخ وفي الرحلة الناصرية السميرة.

(4) في الرحلة الناصرية العريرة.

(5) في الرحلة الناصرية بإسقاط حرقة أو.

(6) في الرحلة الناصرية اوان.


ذعرا (1) كأنهم لم يروا العمارة دهرا ، بل المفاوز سهلا ووعرا ، والدنيا يبابا وقفرا ، يخيل لهم أن المباني والنخيل شيء ما عرفوه ، وجالت الأفكار والأبصار في أرجائها كأنها أمر ما ألفوه ، وكأنهم نشروا ، ومن المقابر حشروا ، وما أسرع انقضاء سفر تنقصته الليالي والأيام ، فكيف بعمر مرت به الشهور والأعوام ، فنسأل الله حسن الختام ، بالموت على الإيمان والإسلام ، والعفو والعافية على الدوام ، ولما زرنا أبا شعيفة قصدنا نحو الإمام زروق.

هذا وتعداد المعاطن تبعنا فيها شيخنا المذكور أقول لما خرجنا من السبخة وخضناها وخرجنا من العوينات وتركناها وراءنا وقد انقضى علينا الزاد من أجل أننا آثرنا عرب برقة بالإطعام إيثارا قويا لكن من يعرف الله منا اعتمد على الله وتوكل عليه وقد علمت أن من توكل على الله فهو حسبه أن اله هو الرزاق ذو القوة المتين.

تتبع المشائخ وجدنا الفاضل الكامل العالم العلامة الفقيه الفهامة محبنا وغاية ودنا أخانا في الله وقد لقناه شيئا من أوراد أشياخنا رضي الله عنهم ونفعنا بهم وأفاض علينا من بركاتهم بمنه وكرمه سيدي محمد بن عامر مع الأخر في الله والمحب من أجله الحاج إبراهيم الشريف من شرفاء مسراتة ينتظروننا نحو اليومين لأنهم خرجوا بحسب عد المنازل من مدينة ابن غازي ومراحلنا فلم يعد ذلك العدد فينا لأن مشينا أقل من ذلك وضعف الإبل وهزالها وبعض الإقامة على المعاطن استراحة ونشاطا للإبل ومعهم جماعة من المحبين من مسراتة من الشرفاء وغيرهم بالطعام واللحم أعني والخبز ونوعا آخر يسمى عندنا بالفطير وعند بعض الناس يسمى بالسمن والتمر الجديد بان حملوا والله اعلم على الإبل فلما لقيناهم فرحنا بهم اشد الفرح من أجل المودة في الله والحب من أجله وجدونا على الجوع وغايته فأتوا إلينا بالخبز واللحم عند وقت الغداء

__________________

(1) في جميع النسخ ومخفين المساوي والتعب.


فاجتمع أصحاب الجميع سيدي أحمد بن حمود وسيدي عبد الكريم وسيدي محمد اليعلاوي وسيدي أحمد بن أبي القاسم والمؤلف لهذه الرحلة وأصحاب الجميع وسيدي محمد الشريف الطرابلسي وأصحابه فلما أكلنا وأكل من الركب من مر علينا وعند الليل قسموا ما حملوه بيننا وبين سيدي محمد الشريف وهو كثير جدا ففرقناه على أهل الركب فكل أخذ نصيبه وأما نحن وسيدي عبد الله بن رحاب فقد عمنا خيرهم جعل الله البركة فيهم وفي ذريتهم إلى يوم القيامة آمين وكان لنا ولهم بالغنى الظاهر والباطن وزوال الحجاب من رب الأرباب اللهم لا تجعل فيهم فقير دين ودنيا بمنك وكرمك.

فذهبنا كذلك إلى أن نزلنا في محل بعيد من الشيخ زروق غر انه قبالة قبره فبدأنا بزيارته قبل الزوال (1) فلما استشفينا منه عليلنا وأبردنا منه غليلنا جعلنا الله في زمرته وزمرة أولياء الله تعالى وكان لنا ولذريتنا وقرابتنا وإخواننا في الله وطلبتنا مغيثا شفيعا وليا نصيرا وردع (2) به أعداءنا بمنه وكرمه وقد استضافنا الأشراف بمحالهم وكذا عيرهم وأما من أتى بالطعام والتمر للخيمة فلا يعد ولا يحصى لأن أحباءنا في مسراتة من الطلبة والعلماء والفقراء والحجاج والشرفاء وآغة الصبايحية ممن له مشيخة في مسراتة اللهم عمر مسراتة وكثر خيرها ورخص أسعارها وأمن أرضها وأحفظها من كل طارق يطرقها إلا طارق خير وأهد ولاتها وأرحم بهم الضعفاء بأن يكونوا رحمة لأنفسهم وللأمة المحمدية غيرهم وكن اللهم لهم على من ظلمهم ولا تكن عليهم يا أرحم الراحمين يا رب العالمين وأمنن علينا وعليهم بالنصر والعز والرفعة والعفر والعافية والبركة والمنة في الأزواج والذرية والأموال والرأي والاستقامة ودوام العمارة وأتباع السنة المحمدية وأحفظ وطنهم من المجاعة آمين.

__________________

(1) في ثلاث نسخ النزول.

(2) في نسخة ذرأ.


ومررنا على أخينا في الله سيدي الحاج أحمد ودخلنا بيته حين ظعنا من الشيخ زروق واستضافنا وأحسن إلينا (1) وهو قد حج معنا وكذا محل سيدي محمد بن عامر ودخلنا مسجده الذي بناه جديدا وأحسن بناءه تقبله الله منه وأثابه على قدر نيته وحمدنا الله له ودعونا له بالعمارة بالعلم والعمل والدين وإظهار الشعائر الإسلامية فيه وتوفية الحقوق الإلهية والآدمية من غير مشقة ولا كلفة وأن يغنيه وذريته ومعينه غنى لا يتبعه فقر أبدا بمحمد وآله وقطب الزمان وحزبه.

حاصله أقمنا فيه بيومين فلما لم يحصل لي المقصود من الشيخ زروق ذهبت إليه في الليل ليكمل المرغوب ولعل الله أن يتم لنا المطلوب فأحسن إلينا وكيله أحسن الله إليه ثم ظعنا منه فودعنا من ودعنا من الأحباب فما أصعب منه أي من الفراق إذ لو نعطى الخيار لما افترقنا ولكن لا خيار مع الزمان فلم أعلم مصيبة أعظم من مفارقة الأحباب والإخوان والخلان والأصحاب فبتنا قرب ساحل حامد مبيت خير وعافية ثم ظعنا منه صبيحة فأشرفنا (2) على وطن الساحل فلما دخلنا البدل وإذا برجل من معارف سيدي محمد الشريف لقينا بخبز ولحم وتمر جديد كثير الله خيره وأحسن إليه بمنه فعرضناه في الطريق فكل من مر من الحجاج إلا أكل وشبع وربما تزود فعم الخير كل الناس والناس في زيارة الحجيج كثيرون أفواجا بعد أفواج.

وعمالة طرابلس أهل اعتقاد ومحبة فأتانا الفاضل الكامل الفيه النبيه المحب سيدي سالم الفطيسي وإخوانه وجماعته يريدون الزيارة والتماس الخير منا فعزم علينا وعلى الفضلاء أصحابنا سيدي محمد الشريف إلى بيته رغبة واغتناما للبركة ومعنا جماعة من رؤساء الركب وفضلائه فأنزلنا في غرفة مقدما شيئا من الرطب والطعام

__________________

(1) في ثلاث نسخ وأحسنها.

(2) بياض في ثلاث نسخ ولم ينبه عنه في نسخة.


الخفيف كما هو ألسنة واللبن فلما وفينا ذلك مع حصول المقصود وسألناه الذهاب فقال حتى يتغدى جمعكم فألح علينا فلما علمنا قصده وقوة رغبته وافقناه على غرضه فانتظرناه إلى حصول مقصوده وتمام مطلوبه وهو لا بأس به في العلوم لا سيما مسائل الفقه وبعض مسائل النحو حاصله أنه عالم فاضل ففيه أخذ من كل فن بنصيب بل وجدنا فيه أكثر من الظن فلما حصل المقصود دعون الله لهم ولإخوانهم ولأحبابهم ولذريتهم أحسن الله إليهم وجزاهم عنا وعن المسلمين خيرا.

ثم زرنا القطب الصالح والغوث الواضح الشيخ عبد السلام الأسمر فانه مجاب الدعوة وقبره روضة وحريمه لا يتعدى عليه أحد فمن وصل إليه سلم ونجا أفاض الله علينا من نفحاته وقد رغبنا عنده فدعونا الله لنا ولأقاربنا والمسلمين والمسلمات ثم انفصلنا عنه سويعة لقينا رجل أظنه من أهل الوقت ومن أهل التصريف ثم لحقنا الركب نازلا على أطراف البلد فأتى إلينا جمع من طلبة العلم كالعلامة الفقيه ولد الشيخ سيدي سالم غير المذكور وقد اجتمعت معه في الحجة الثانية ومعه فضلاء وعلماء فتكلموا معنا في العلم بحسب ملكتهم وقوة بحثهم رضي الله عنهم وأرضاهم وكذلك من سبق ممن اجتمع معنا فعلماء طرابلس النحو فيهم القطر وشراحه وحواشيه تقل فيهم الألفية وشراحها وكذا يقل معهم المختصر وأما التوحيد فقليل الوجود فلا تجد من يحققه من مصر إلى وطننا هذا وما اشتغال مصر إلا بعلم المنطق أما طرابلس وعمالتها فقد ضاقت على أهلها المعيشة وما هي إلا بالكد والجد والسعي الكثير ومع ذلك فلا يستقرون على طائل فقد انعدم التدريس للعلم في طرابلس وقل الاشتغال بالعلم رأسا فلا تجد مجلسا فيه وكيف يتصور العلم فيها مع أن علماءها أفضل علماء الأوطان غير أنه لما انعدم التدريس منهم صاروا قاصرين لعدم أنفاق العلم فإن العلم يزيد بالإنفاق وينقص بعدمه فلما ضعف أمر البلاد قصر العلم بل كاد أن ينعدم العلم رأسا ومن أراد العلم فليذهب إلى مصر وإلى تونس أو إلى جربة مدرسة


الشيخ البركة سيدي إبراهيم الجمني فعلماؤها كثيرون غير أنك لا تجد مدرسا في العلم حتى يموت غيره وذلك أن ملوكها ليس لهم رغبة فيه أو أنهم لا وسع عندهم حالهم حال وطنهم وإلا فلم أجد وطنا مثلهم في الفهم والإقبال على الله وكذا فيهم الأسرار النبوية والأنوار المحمدية.

ثم ظعنا منه ومررنا بساحل حامد بعد أن ظعنا من زليتن وطن الشيخ عبد السلام وزرنا قبر العالم الفاضل المؤلف الصالح المشهور سيدي الشيخ ابن (1) عبد الصادق وقد رأيت تآليفه ما أحسنها وقد حررها أحسن تحرير وأتم تقرير وقد شرح ابن عاشر شرحا معتبرا يكاد أن يكون يغني وقد وضع كتابا في بيان البدع والرد على أهلها من عصره يكاد أن يكون المدخل فقد أحسن فيه إذ بين السنة وأظهرها وبين البدعة وأخمدها وكذا جعل شرحا على العزية أي على النظم الذي احتوى عليها فقد نظمها بعض أصحابه وما أحسنه من نظم فشرح هذا النظم ولما بلغنا محله بالغ في إكرامنا أولاده وجيرانه وما تركت زيارة هذا الشيخ ولا مقامه غير أن أولاده يتكلفون ضيافتنا وربما زادوا العلف لدوابنا ثم انفصلنا عن محله وصار يودعنا أولاده جعل الله البركة القوية والوسع والغنى والعلم والعمل في ذلك المحل إلى قيام الساعة بمنه وكرمه رضي الله عنهم وأرضاهم.

ثم سرنا كذلك إلى أن وصلنا إلى الجبل فبتنا فيه وكان يطعم بعض المرابطين فيه العصيدة وهو مشهور بها وقد لقبوا بها فلم أرهم في هذه الحجة وإنما رأيتهم في الحجة الأولى وهما شيخان عظيمان مسنان في الإسلام فوجدنا عندهما عصيدة باللحم فأكل منها جميع الحجيج تبركا بهم فلما وصلت إليهما نظرا في وجهي ونحن في الطلعة فقال أحدهما للأخر هذا يقعد في مصر ويتعلم وذلك الذي في قلبي وقال الآخر يرجع

__________________

(1) بياض في جميع النسخ ولم ينبه عنه في نسخة.


وينتفع به المسلمون فانه قد ورث سر سيدي عبد الرحمن أقطال أعني المجدوب فوجدت سر الله فيهما ونحن لم يصلنا خبر موته غير انه مات تلك السنة في مصر بعد رجوعه من الحج ودفن فيها (1) وأما القبر الذي في تونس فقبر ثان فسموه بذي القبرين ولا يبعد حاله ممن هذا وصفه إذ لو كان ما روي عنه ذلك حال حياته لكان ما فعلوه مساعدا (2) أو أنه وجد في القبر الذي في تونس فيها ونعمت (3) وهو له قبول تام عند الناس وبركة عظيمة مجاب الدعوة لا سيما في دعاء الشر (4) فانه مجرب يحصد الناس حصدا وقد اجتمعت به في صغري وبعد (5) وكان يحبني كثيرا وقد دعا لي بالخير.

ومما أعجبني مما سمعته انه قدم إلى مسجدنا في حياة أبي وبات في المسجد وبت معه ولم يأكل طعام أحد إلا طعامنا ونمت معه إلى الصبح وهو مستلقى على ظهره فلم يرجع لسانه عن (6) الذكر إلى أن طلع الفجر بات طربا من غير نوم إلى الصبح فلم يفتر عن ذكر الله تعالى وكان صاعقة الظلام والمحرومين (7) وانه عزم عليه شخص وهو معلمنا في القرآن سيدي يوسف بن بشر ان هو والولي الصالح سيدي علي الصافي فلما بلغنا إلى داره وجدنا مائدة من النوع الذي يسمى المحمصة فأكلت أنا معه وأما سيدي علي الصافي فصائم وأن الشيخ المذكور جعل السمن الكثير في القصعة فقال له الشيخ سيدي عبد الرحمن ما عندك من المعز أو الضأن فقال له اثنتان ليس إلا وكلام الشيخ عليه حلاوة وطلاوة فقال هذا الشيء في حقك كثير بل واحدة تكفي فقلت له يا

__________________

(1) انظر هذا الكلام في صحيفة 178.

(2) في نسخة إذ كل ما روي عنه في حال حياته مساعد لما فعلوه.

(3) في نسخة بإسقاط فبها ونعمت.

(4) في نسخة في أعداء الشرفاء.

(5) بياض في جميع النسخ ولم ينبه عنه في نسخة.

(6) في نسخة يفتر عن.

(7) في نسخة المجرومين.


سيدي عبد الرحمن ما اشد كثرة المال عندك لا سيما الذاهب والفضة وآلة الحرب فقال والله الذي كان عندي لم يكن عند سلطان الجزائر فقال والله يا بني أن الفتوحات والمنح لتأتي إلي من بلاد النصارى فان بعضهم لما أسرت شاهد مني أمرا عظيما وقد انعدم عنده الذكور فجعل لي فتحا كذا وكذا دينارا على انه إن ولد له ذكر ففتح الله له بالذكور فقلت له فلم تزكي مالك فقال بنفس وصوله إلي أعطيه لأخي ولأولاده فلا زكاة علي فقلت له هذا لا ينجيك من حق الله الذي أوجبه الله عليكم فقال لا ملك لي حتى تجب علي فقلت له أن رأيتهم منعوا الزكاة فلا تزد لهم شيئا فسكت عني إذ كنت بحاثا.

نعم وكل ذلك من الوهب الرباني والمنح الفرداني ثم أني تعجبت من مقالته الأولى التي قالها للمعلم فأن حملت كلامه على ظاهره من استعظامه ملكه اثنتين من المعز أو الضأن ثم بعد ذلك قلت في نفسي أن كلام أهل الله لا يفهمه إلا ذووه على أني فتح لي أن استعظام الشيخ ملك الاثنين ليس على ظاهره إنما هو الدنيا والآخرة فالجمع بينهما أمر كثير لا يليق بالمعلم المذكور ولذا قال واحدة تكفي يعني الآخرة وإن كان لا بد فالآخرة أولى جعلنا الله من أهلها.

أقول أيضا وقد اجتمعت معه في بجاية وكان يلازمها في رمضان وهي رباط وزيارة فمررت عليه ووجدته في حانوت الجفاف وإذا فالحلاق يحلق شعر رأسه فلما فرغ قبل الحلاق رأسه وسأله الدعاء ثم سألته الدعاء أيضا فقال لي أنت الذي تقرئ الطلبة هنا في رمضان فقال لي خذ هذه الرسالة أسردها علي وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب وإنما فيض إلهي فاض عليه فإن الله لا يتخذ وليا إلا وعلمه فلما قرأتها وجدت فيها أن فلانا قد بعث لك خمسمائة رطل من قطران لسفينتك التي استعددتها للجهاد والغنائم فقال في الجواب اللهم اسق القطران له وشبعه منه فتعجبت من كلامه فقلت


له أنه أعطاك وسألت له القطران فقال لي هذا جزاؤه فأعرضت عنه وذهبت وتعجبت من كلامه.

نعم فهمته على ظاهره ثم قلت في نفسي هذا سر من أسرار الله تعالى فلا يليق حمل كلامه على مقتضى الظاهر ففتح لي بعد ذلك أن المراد بالقطران الدنيا فكأنه قال اللهم شبعه منها حتى تتسع اتساعا يليق بمثله ولذا قال جزاؤه على أني رأيت عم أبي المقبل على الله بشراشرة (1) وكان يحبني في صغري ويتوسم في الخير العظيم ولم يمت حتى رأى النبي صلى الله عليه وسلم مرارا فقال لي أن الله أورثك سر هذا السيد فقلت له وكذا ماله فقال لا ففهمت أن كل من كان من آله صلى الله عليه وسلم يرزق كفافا لا وسعا ومال هذا السيد يكاد أن يكون مال عبد الرحمن بن عوف لأنه من الفيض وليس بكسبي أصلا فأسأل عن ذلك عالما بحقيقة أمره ولا بنبئك مثل خبير.

انعطاف ورجوع إلى ما كنا بصدده فأنه لما ظعنا من الجبل فارقنا الركب في جماعة من الفضلاء وثلاثة من العلماء وغيرهم من الشرفاء فتوجهنا نحو مسلاتة وهو وطن مشتمل على قرى كثيرة متفرقة وعلى زيتون عظيم لا تكاد تكون بلدة مثله فيه وزيتونه كثير الشجر عظيم الخلقة وعند كل شجرة حفرة عظيمة يجتمع فيها الماء في الشتاء ليشرب منه وما ذهب بنا إليه إلا أخونا في الله سيدي محمد الشريف فإن ملكه هناك ودار نزوله هناك في إبانه وله معصرة أيضا فيه وكذا إخوانه الشرفاء النوفليون لهم أملاك هناك وكذلك أولاد بلغيث الشريف وأما سكناهم ففي المنشية التي هي خارج باب مدينة طرابلس فوصلنا إلى هذه البلدة عند الزوال أو قربه بسويعات وبتنا فيها خير مبيت وإنهم أكرمونا غاية الإكرام فلما أصبحنا بخير الصباح انفصلنا عنهم مع شكرهم وحمد صنيعهم عمرهم الله إلى يوم القيامة فذهبوا معنا مدة ثم رجعوا عنا

__________________

(1) في نسخة بشراثره.


فرحين مسرورين بمبيتنا عندهم.

فسرنا كذلك إلى أن وصلنا محل اجتماع الطرق أعني طريق الركب والطريق التي تأتي من مسلاتة فوجدنا الركب قد سبق إلى وادي الرمل فلاقانا أخوان سيدي احمد الشريف أعني عمه وابنه وجميع إخوانه وأولاد أعمامه بتمر جديد ولحم وخبز وأظن معهم كعك وذلك طعام كثير فلحقنا بالركب عند نزوله فنزلنا منفردين نحن وإخواننا جماعة الطرابلسية ففرقوا الطعام لجميع الأحباب ، وناولوه عامة الأصحاب ، وأكرمونا غاية الإكرام ، وسعوا إلينا بشوق واحترام ، وبتنا في ذلك المحل مع جماعة كثيرة فلما أصبح الله بخير الصباح ، تسابقت الناس للفلاح والنجاح ، ما أحسنها من غدوة زهرة اللقاح ، فاستوينا على ظهور الخيل بسرور من الصدر وجذل وانشراح ، ترى الأفواج من الأحباب ، والمشتاقين من الأصحاب ، المرة بعد المرة يتبركون بالحجيج راغبين الدعاء بالغفران ، والرضى من الرحيم الرحمان ، فسكنت قلوبنا بعد اضطرابها ، وفرج عليها بعد اكترابها.

وسرنا كذلك إلى أن أشرفنا على تاجوراء فخرجت الأفواج يتلقون الركب ويرغبون الدعاء كما سبق غير أن مطلوب الجميع السؤال عنا والرغبة فيما عندنا إذ لنا عندهم حظ وافر ورجوعنا لهم بشارة وسرور فلقينا جميع طلبة العلم من مدرسة الشيخ الفاضل ، المدرس المحقق الكامل ، لأنه في تاجوراء نبراس ، سيدي محمد النعاس ، وقد أدركته في الحجة الأولى وزرته في مقامه ، وسمعت شيئا من كلامه ، وكان فقيها مسنا في الإسلام نرغب منه الدعاء ، ونطلب منه الحوائج واللقاء ، بسط الله علينا وعلى إخوانه وذريته رداء ستره ، ورحمنا وأياه في رمسنا ورمسه وقبره ، وكان ابن أخيه هو المدرس وهو ممن يحبنا ويرغب فينا وكذا ولد الشيخ فسألت عنه فقيل لي انه مريض وهو راغب في رؤيتنا وما منعني من الوصول إلى المدرسة إلا كثرة الخلق إذ لا يسعهم


إلا قدرة الكريم ورحمة الرحيم فلقينا الفاضل المحب والكامل المقرب المفتي سيدي محمد بن المقيل وهو ممن يبالغ في إكرامنا أكرمه الله وأحسن إليه ، وأمنه من كل فزع ورعب لديه ، وسيرته معنا كسيرة أسلافه مع شيخنا سيدي أحمد ابن ناصر فانه لا يعز شيئا في جانبنا بل جانبنا أقوى من نفسه وأولى من روحه مع جماعة من طلبة العلم والشرفاء والعامة والخاصة لا سيما رؤساء حضرة طرابلس لا سيما العلامة المحقق والفهامة المدقق سيدي محمد بن العالم على الإطلاق والفاضل الورع بالاتفاق سيدي محمد العربي الفرجاني الشريف.

حاصله وهذه خلاصة طرابلس وخاصة حضرتها وكذا أولاد الشيخ الولي الصالح والبحر الطافح سيدي الصيد نفعنا الله به وأفاض علينا من بركاته قبل وصولنا إلى تاجوراء وأن شيخ الركب أيضا كان قريبا لهم قرب رحم لتقرر النسب بينهم وثبوت الود لديه فكانوا معه ذهابا وإيابا وذلك ديدان إسلافه وشأن أجداده مع أسلاف الشيخ أمير الركب وان ركب مدوكال لا ينزل إلا في هنشير الشيخ فرحب كرمهم وعرصة إطعامهم أوسع من فناء أرضهم (بكسر الفاء) وهذا مشهور لدى الخاصة والعامة غير أن الدنيا كادت أن تقل عندهم فلم يبق إلا رفع هممهم وعلو منازلهم فجمحت أنفسهم أن ترى بغير كرم وعزت أن تعلم بغير سخاوة زادهم الله رفعة وقدرا وجاها وهداهم ووفقهم إلى أهدى سنن وأعز طريق بمنه وكرمه.

ثم لما توجهنا إلى آخر تاجوراء زرنا المحب في الله والأخ من أجله كريم النفس رحيم الغريب ذا الفضائل والفواضل فان عوامل رفعه دائمة العمل ، وبناء جوده راسخ في الكمل ، وكذا عوامل جزمه في الحب وحسن الظن والاعتقاد في الفعل المضارع والمشابه في التخلق والتعلق بالسكون والطمأنينة لله تعالى لا تتحول ولا تتبدل ، سيدي عبد الحفيظ نجل الشيخ سيدي الصيد المذكور لأنه جده وقد سبق الود


بيننا في الحجة الأولى والثانية وهو زائد الإكرام لدينا حتى كاد أن يسلم أهله في جانبنا غير انه الآن كبر سنه ووهن عظمه وقربت منيته فتارة يغشى عليه وتارة ينتبه وقد ثقل سمعه وضعف بصره وانقطعت مادته وهو ملقى على الفراش ، وربما أصابه التحرك والارتعاش.

نعم الآن قوي عند الله حظه وعلت مرتبته ، وعظمت رفعته ، بلا قدح ولا انتقاش وما أعلى رفعته وأعلى منزلته بموت ولده سيدي علي ظلما وعدوانا فعز عليه الصبر ، وأحنى (1) عليه الكبر ، فعظمت مصيبة ابنه ، وثمرة كبده وقرة عينه ، فليس ينساه على الدوام ، إذ يكثر فيه اللهج وهو سبب في الاغتمام ، فلم يكن يخدم عليه ، ويجري بين يديه ، إلا حفيده ولد بنته ولا شك أنه قريب عند الله رحيم الأمة ما دام فيهم مجاب الدعوة سريع الإجابة وقد ثبت العهد بيننا وبينه فلله الفضل والمنة فسألنا الدعاء منه وأخبروه بان هذا فلان قد أقبل من الحج ففرح وسر ، ومسك على يدي وكر ، فانهمرت عينه فعند ذلك كثر الدعاء منه وبها قد در ، إلى أن أشفينا عليلنا منه وأبردنا غليلنا لديه فعلمنا أن نصيبنا من الله وافر ، وحظنا لديه من الخير حاضر ، وسعدنا نحوه سابق ظاهر ، ثم انفصلنا من عنده ، وقلوبنا ملتفتة (2) لديه ، ما أصعب الفراق ، فإن ناره أشد من نار الاحتراق.

هذا وأن الخلق قد فاض علينا ، وكثر لدينا ، فغاب علينا من نعرفه والتبس لدينا الفاضل من المفضول فجدير أن من قصد الركب راغبا هو منهم إذ مقصود الجميع سؤال المغفرة لهم ولجميع الأمة رضي الله عنهم فما استقر بنا الحال ذهبت أنا وجماعة

__________________

(1) في ثلاث نسخ وحن.

(2) في نسخة متعلقة.


من الفضلاء ونزلنا في دار الأخ في الله سيدي محمد المذكور (1) فأقبل علينا الناس بالبشرى لقدومهم ولقدومنا وأما أصحابنا فقد نزلوا تلك الليلة مع الركب وبعد ذلك أتى بهم إلى داره بخيولهم وإبلهم وأقام بجميعنا أكلا وشربا وعلفا بل تكرم على الجميع غاية الإكرام ، واهتم بأمرنا غاية الاهتمام ، فليس إلا الكسكس واللحم صباحا ومساء ومع ذلك أن الطعام كاد أن لا يشتري من كثرة غلائه فترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن القحط غمهم (2) وغشيهم ما غشيهم من الجوع.

نعم دخلنا في وقت جذاذ التمر فكثرت أنوع نعمه علينا فان النفس أخذت ما تشتهيه من الرطب والبلح والتمر والرمان الجيد والخبز الطري واللحم والسمن وأنواع الفواكه والمياه الباردة فشركنا الله على نعمه وسألناه أن يمن على أهلها بها على الدوام بفضله وكرمه وذلك كله بفرح وسرور.

ومع ذلك أن السلطان الأفخم ، والأمير الأعظم ، محب الصالحين ، والعلماء العاملين ، صغير السن ، كبير الشأن كثير المن ، السيد علي باشا قدم في الولاية على أقرانه ، بفضل الله وامتنانه ، فهلكت أعداؤه من غير حرب ولا قتال من أعوانه ، وإنما كيدهم رجع عليهم فأهل الله عروته الوثقى ، وأنهم جنة له وبهم الاستسقاء وبهم صعد في المعالي وارتقى ، أمدنا بطعام وما ينوب الجميع من أدام وعلف فلم يرض أخونا سيدي محمد أن يكون طعاما لنا وإنما أطعمنا من عنده وأمدنا بمده رعيا للحلال إذ هو رجل أورع الناس ، وأثبتهم للباس ، صادق في المعاملات ، خال من الشبهات ، محافظ للأوقات ، راع للميقات ، في جميع أحواله ، وسكونه وانتقاله ، وكفه واشتغاله ، ولا حرث إلا منقى ، ولا زكاة عليه تبقى ، ولا مطمع له في أحد غربا

__________________

(1) زاد في نسخة وهو الشيخ محمد الشريف النوفلي البلغيثي الطرابلسي.

(2) في نسخة عمهم وفي نسختين عماهم.


وشرقا ، يدق في الإخلاص ، ويراعي مراتب أهل الاختصاص ، فيحق به الاقتداء ، ويعتبر في الإرشاد والاهتداء ، ويسد باب الخلق إدبارا وإقبالا ومدحا وذما عليه سدا ، يختار للصحبة أهل الحق ومن ينهض حاله ، ويدل على الله مقاله ، جدا واجتهادا ، فما أحسنه خلة وصداقة وصحبة وودا ، ورعاية واعتبارا وودادا ، غير أن من لا يعلمه ، وليس على الحقيقة يفهمه ، يظن ضد ما ذكرناه فيه ويصد عنه صدا ، وربما طغى لسانه ، وتدلى عنانه ، وقال ما سولت له نفسه وهدما عليه من الصدق والتصديق بناؤه بسوء طويته وقبح ظنه وقوة حسده هدا ، رضي الله عنه وقد اطعم كثيرا عند وصوله نحو السبعين مائدة من العيش كل مائدة تطعم كيت وكيت من الناس ، وخيره ظاهر بلا التباس ، يحصل منه بلا مشقة ولا كلفة ولا بأس ، وربما من رأى ظاهره من انقباضه وعدم بسطه وإقباله قال بكون بخيلا ، وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب وإنما هو كريم النفس تنزلا وتنقلا ، غير انه يختار لإحسانه أصلا وفرعا وحالا ومآلا ، وعلما وعملا وورعا وهيبة وإجلالا ، فما أدقه في الباطن ، وأعرفه بالكمائن ، وأعلمه بالوقائع والضغائن ، فنعم الرجل من يعتمد عليه ، فيسلك وينتهي إليه ، إذ هو حي دائما ، متيقظا فاهما ، لا يأمن النفس في مرعاها ، يحق له التحقيق ، ولا يسلك إلا أحسن طريق ، فنمطه بين ، وأخذه سهل لين ، يكبر على المتكبرين ، ويعلو على المتجبرين ، وهو عبد للمتواضعين ، وخديم لأهل الصدق والحق والتمكين ، يرفع نعالهم ، ويبلغ مأمولهم ويجبر عليلهم ، ولأهل الحيرة والريب دليلهم ، ليته ظهر للخلق بحقيقة ما عليه ، وينجلي وصفه بين العامة من خلق الله في أرضه وسمائه ، قد خفي بوصف الله ، وظهر بنور الله ، عزيز في الوجود ، ونظيره في الخلائق مفقود ، أحمد الله على معرفته ، وأشكره أن جعلنا من أهل مودته ، فليس يملك معنا شيئا بل يقدم نفوس الأخوان ، عند الحاجة والاضطرار بلا امتنان ، فلا يمن فعله ، ولا يكثر لهجه وقوله ، فقوله حق ، وكلامه صدق ، تقصر العبارة عن كماله بالنطق ، حاله أحوال الصديقين ،


ونعته نعوت المتقين ، أدام الله أشراقه ، وأدام إنفاقه ، وأعز صعوده ، وأرتقاءه ، وجعل البركة في ذريته على الدوام ، وأناله ما نال أبوهم بلا كد واهتمام ، وإنما هو فضل من الله ورحمة مع إكرام واحترام ، بمنه وكرمه.

أقول لما نزلنا في دار سيدي محمد الشريف النوفلي البلغيثي وكانت ثيابي رثة ، بالية الجثة ، متوسخة الأطراف ، أضناها السفر وعدم التبدل فيها والاختلاف ، أتى إلينا المحقق الفاضل ، والأخ الكامل ، سخي النفس ، صادق عند الضر والبأس ، الموفي بالعهود ، ونظيره في الناس غير موجود ، الأديب على الإطلاق ، المحب بالاتفاق ، مفتي الأنام ، المبديء بالإحسان والسلام ، فإذا أحسن أغنى ، النخبة المختار الأسنى ، فليس يرجع في وداده ، فأن رأى محبا تقوى له في استعداده ، فإن لم يصبه وأبله فطل من أمداده ، وكذا أبوه وأجداده فهم رجب الكرام ، ودار إحسان لأهل الإسلام ، محلهم لأهل الله دار راحة ومقيل ، السيد الشيخ محمد بن مقيل ، كساني بثياب جديدة حائكا جديدا وقميصا كذلك وبشماقا وقلنسوة كساه الله وأولاده كسوة العارفين بالله تعالى وأدام علينا وعليهم ستره وحلّانا وإياهم بحلية أهل الإنابة من المتقين ، ثم اعتنى بنا بالإحسان ، وجد في أمورنا بالفعل واللسان ، دائما لا يغيب عنا ، وعلى الدوام يدور بنا ، دوران الخديم بالسادات ، مكنه الله وإيانا مع ذرية الجميع من أعلى الدرجات ، فإن احتجنا شيئا وكان في دراه أعطاه ، وإلا فمن السوق سأل عنه واشتراه ، فلا يبخل بالطعام ، ولا يغتم بكثرة المجتمعين من الأنام ، واسع الموائد ، كثير الفوائد ، كريم بما تشتهي النفوس ، وتلذ به الأرواح من المعاني والمحسوس ، مادة الكتاب عنده في كل علم لا تعد ولا تحصى ومن أجل ذا وقوة هذا أهله رؤوس ، فكل فن إلا وفيه عدة من الكتب متكررة ، تراها تمد لك المرة بعد المرة ، جعل الله داره مرسى ، وحياة لكل علم وسنة تنسى ، إذ إنهم قرى للضيف ، ونزل لابن السبيل والضعيف ، فيميزون بين الوضيع والشريف ، لا قطع الله عنهم مادة الصيف والخريف ، دائما له ولذريته من غير


مشقة ولا تكليف ، وكذا الربيع والشتاء بلا تكييف ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان من الله عليهم بالفضل والرحمة بلا سبب ولا جد ولا كد ولا سيف ، وكذا كان أبوه معي في الحجة الأولى ، أغنى الله أولاده في الآخرة والأولى ، فهم جنة للغرباء ، رحمة للأقرباء ، وجنة (بضم الجيم أي وقاية) لأهل الخوف والرعب وقانا الله وإياهم من أوصاف أهل سبأ ، فإذا بتنا في داره جمع الخاصة من العلماء والفضلاء والأدباء والأساتيذ القراء ، يكرم نزولهم ، ويتفضل بالإحسان لديهم قاصدا حصول البركة منا لهم ، وإزالة الوحشة عنا بهم ، وحصول المدد لنا بسبب معرفتهم ، وقوة انفعالنا بكيفية اجتماعهم ، فإنهم كنوز تستعد لضرورية الأحوال ، وتمتد عند الاضطرار بالنوال ، فربما زال عنا النوم في تلك الليلة رأسا بإلقاء الفوائد بالحكم النبوية ، والفوائد النقلية ، والإفهام الوهبية ، والعلوم اللدنية ، والأشعار الأدبية ، والحكايات السنية ، والقصص الماضية ، فيزهر المجلس بالأنوار ، وكيف لا وهي روضة من المقربين الكمل والأخيار ، تدور به كؤس العاشقين ، ونفائس أهل المحبة من المتقين ، وحلل المعاني والأذواق من ثياب العارفين ، ولو تراها تقول هي جنة عدن يغشاها روح وريحان ، وقد قال صلى الله عليه وسلم لا سمر إلا بالعلم والمسامرة التحدث بعد العشاء بالعلم والفهوم ، والاعتناء بالعبودية بالذكر والقيام والتهجد لله الحي القيوم ، فدام إحسانه معنا ، وارتقى به أحوالنا ، كان الله لنا وله بالإسعاد ، ومن علينا وعليه بالإمداد ، بفضل الله الوهاب الجواد.

وقد تزين مجلسنا بوجود الفاضل الكامل ، والعبقري الهمام الكامل ، نبراس وطنه ، وفريد عصره ، وحيد في وقته ، وروع في حاله ، زاهد في ماله ، رقيب لأجله ، فإذا تكلم أغرب ، وبين وأعرب ، لا نظير له في زمانه ، متمكنا في المعالي في أوانه ، طريقة الصفاء ، وعهوده بالوفاء ، فلا ينعكس أبدا ، ولا ينتكس سرمدا ، علمه بالميزان ، ومجلسه بالأمان ، فلا يلمز ولا يغمز بالهوان ، يشم من الحقيقة ، ويرتوي بالشريعة ، فلا


يتبحر في إحداهما ، ولا يتجاسر على أهلهما ، حسن الاعتقاد ، خال عن البحث والانتقاد ، ينطق بالحسن والجمال ، ويغض عن العيوب والسؤال ، ريحانة العارفين ، ويسلك مناهج المتقين ، فابن أبي جمرة وصاحب المدخل ديانته ، والقرآن والسنة هدايته ، فلا يعلو عن أ